اكتشاف “عارض” مدبر!

اكتشاف “عارض” مدبر!

الصورة من جوجل
الصورة من جوجل

هذا ليس حول اكتشاف كريستوفر كولومبس أو أمريكو فسبوتشي للأرض الجديدة، أو عن حفريات علمية أثرية منظمة حول دول أصبحت منقرضة، أو أمة معينة تنوي اكتشاف حقائق غير معروفة عن تطور حضارتها على ترابها أو مياهها المتوارثة من أجل تعزيز توثيق بعض الحقائق التي من شأنها أن تؤدي إلى بذل جهود متضافرة من أجل خير البشرية، بل هي محاولة لتشويه تاريخ الحضارة الإنسانية السامية والعظيمة التي بذلت جهوداً نبيلة لإثراء الإندماج والتكامل بين الحضارات و الثقافات، سواء في منطقة القوقاز أو في أجزاء أخرى من العالم التي كانت متواجدة آنذاك، لأكثر من ستة آلاف عام.

 

إن إثبات نقطة أو إدّعاءات معينة تتطلب أحياناً مهارات و/أو ألاعيب غير عادية وحتًى غريبة التي يمكن أن تصل إلى مستوى هوليوود من أجل تقديم كلمات ومشاهد والتي هي مغلّفة بتزوير مقصود والّتي ليست بالضرورة تغيير الحقائق.

 

وقد ذكرت وسائل الاعلام مؤخرا ان رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين قد اكتشف جرّتان تعودان للقرن السادس الميلادي، حينما كان يقوم بالغوص في موقع أثري قبالة شبه جزيرة تامان الّتي تقع إلى الجنوب من بحر آزوف، وإلى الشرق من مضيق كيرتش وإلى شمال البحر الأسود. ووفقا لوسائل الاعلام الروسية، ذهب بوتين للغوص في البحر الاسود يوم الاربعاء الموافق للعاشر من أغسطس/آب، وعثر على ما وصف بأنه “قطعاً أثريّة” بعد أن قام بالغوص 6.6 أقدام فقط تحت سطح البحر.

 

وتمت تغطية هذا الحدث من خلال اللقطات التلفزيونية التي أظهرت إناءان مغطّان بالطحلب بمقابض تشبه الإذن مثل ويظهر بوتن في العرض وهو يقوم بالسباحة. وأفيد أيضا بأنه “الكنز”! حسبما نقلت فوكس نيوز عن بوتين، وكما قال لصحفيين يتنقّلون معه. وقال عندما سئل عما اذا كان هناك شيء قد ترك في الجرًتان أجاب: “إنهم شربوا كل شيئ في وقت سابق”.

 

المنطق يشير إلى أنه من الأحق وأكثر ملاءمة لبوتين والقادة الروس الاخرين بدلا من أداء  حالت أبحاث من الهزل الإعلامي، هناك حالات أبحاث أخرى أكثر جدية ومشروعية لحروب الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد الشعوب المختلفة، سواء في القوقاز أوغيرها من الأماكن التي تحتلها قوات روسيا الغازية والتي لا تتطلب الغوص في الماء ولا عناء ومشقة الانتقال إلى أماكن أخرى في مناطق نائية، حيث أن إنشاءات سوتشي الأولمبية قد كشفت ولكن في الوقت نفسه تجاهلت آثار ومخلفات الإبادة الجماعية الشركسية والتطهير العرقي، التي ما تحتاجه هو فقط للاشارة الى الوثائق المحفوظة في الأرشيف الرسمي الروسي للعثور على أدلة وأجوبة عديدة، التي لا تزال الدولة الروسية ملزمة على قبول مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية وقبول قواعد للجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية مهما طال الطريق والزمن!

 

وللتذكير فإنّ الإبادة الجماعية تعني أيا من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، على النحو التالي :

(أ) قتل أعضاء من الجماعة،
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة،
(ج) إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا،
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة،
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخري.

في مقال بتاريخ 12 أغسطس/آب 2011 على موقع “أخبار آي تي في” (ITV) بعنوان “حيلة بوتن الإنتخابيّة” ذكر أن الإغريق كانوا قد استقروا في المنطقة قبل أكثر من 2500 سنة مضت، ثم قفز فوق الزمن والقرون ويواصل “وكانت في وقت لاحق قد دمجت في روسيا في القرن العاشر” حيث ان هذا التاريخ غير دقيق! وبالتالي، من الذي كان قد ملأ الفجوة بين 2500 سنة مضت والقرن العاشر؟ ثم وصف المقال الحدث بأنه “في أحدث حيلة قبل الانتخابات المقررة العام المقبل في روسيا، يكشف رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين القطع الأثرية اليونانية القديمة من البحر” ، وذكر أنه “على ما يبدو بعد ثالث محاولة غوص على الإطلاق، قام بوتين بالسباحة مترين تحت سطح الماء إلى الأسفل نحو موقع أثري تحت الماء في شبه جزيرة تامان في منطقة كراسنودار”.

 

كما تم خلال نفس الوقت نشر انّه تم اكتشاف أطلال مدينة يونانية قديمة، تعود إلى حوالي القرن السّادس قبل الميلاد في تامان كذلك، وهو ليس من غير المألوف آخذين في الاعتبار الطريقة التي قامت الحضارات القديمة قد وسّعت وجودها في أجزاء كثيرة من العالم القديم في أبعاد الثقافة والتجارة والغزو، وفي الإشارة الى الإسكندر المقدوني الّذي توفّي شاباً في سن الثالثة والثلاثين؛ لكنّه وصل إلى آسيا الصغرى وغزة ومصر وبابل وبلاد فارس وآسيا الوسطى والبنجاب.

 

تم العثور على مواقع التاريخية وحتّى على مدن بأكملها في أماكن عديدة ولا سيما في الشرق الأوسط بما فيها تركيا وشمال أفريقيا، ولكن لم يتم تنفيذ الدعاية المقصودة من قبل أولئك الذين كشفوا هكذا آثار ومواقع قيّمة، وبكلمات أخرى لم يتم تنفيذ حملات الدعاية التي تستهدف تغيير حقائق عن الشعوب والأمم.

 

ما هذا العمل الرائع يا بوتين؟ فماذا كان يمكن أن يحدث لو كان قد تم إجراء عدد أكثر قليلا من الغطس من أجل روسيا؟ هل كان من الأفضل بالنسبة لروسيا وبقية العالم لو أن بوتين كان قد ذهب في طريقه ليكون بشكل مختلف وليكون عالم آثار غطاس بدلا من اختيار أكاديمية  ال”كي جي بي” (KGB) ليكون خبيرا في المخابرات؟

 

تتزامن هذه المحاولة بالتركيز على الوجود اليوناني العابر مع تقويض والقضاء على والتقليل من أهمية الوجود الشركسي الذي استمر أكثر من 6000 عام، الذين كانوا قد شاركوا وبرعوا في إيجاد ثقافة وهي إحدى الثقافات في القوقاز، وأثبتوا بأنهم أمة مبجّلة والتي تمكنت من الدفاع عن نفسها ضد العديد من المعتدين حتى أن قامت الجيوش القيصرية الروسية بغزو الأراضي الشركسية، وارتكبت الإبادة الجماعية والقتل الجماعي بحق نصف السكان وترحيل 90 ٪ من السكان الّذين بقوا على قيد الحياة بعيدا عن وطنهم، وذلك خلال حرب طويلة الأمد كانت قد استمرت 101 عاما متواصلة، وانتهت رسميا في 21 مايو/أيار من عام 1864 بعد أن وقّع الشركس المتبقين على اتفاق الاستسلام في سوتشي، آخرعاصمة شركسية، حيث أن بوتن تجاهل ذكر أي شيئ عن الشّركس حتّى عند إلقائه خطابا للعلاقات العامة في اللجنة الأولمبية الدولية لتكسب روسيا حق استضافة دورة الالعاب الاولمبية الشتوية لعام 2014، والذي كان يقصد من خلاله الإشارة إلى أن الإغريق قد مروا من المنطقة، لكنه لم يصل إلى مدى الإعتراف بأن الرياضيين الشركس شاركوا في دورات الالعاب الاولمبية في اليونان منذ مراحلها الأولى وكان لديهم علاقات تجارية وثقافية مع الإغريق بالإضافة إلى جنوة والبندقية.

 

في عام 2007، قدم بوتين في خطاب ألقاه أمام اللجنة الأولمبية في غواتيمالا باللغة الإنجليزية من أجل ضمان أن تصبح سوتشي الحدث الأولمبي لعام 2014. وخلال خطابه، كذب عدة مرات حول السكان الأصليين الفعليين لسوتشي من أجل التستر على مذبحة الشركس. لقد قتل الملايين من الشركس من قبل الجيوش القيصرية الروسية. ويعتبر العلماء ذلك بأنّه الإبادة الجماعية الأكبر التي حدثت في القرن التاسع عشر وأكبر نفي قسري يحدث لأية جماعة من الناس.

 

كانت صحيفة “بيتسبرغ بوست-غازيت” قد أعلنت في الأول من يوليو/تموز 2007 بأن “أعضاء اللجنة الأولمبيّة الدّوليّة يصوتون في كثير من الأحيان أقل على المزايا الفنية للعرض المقدّم وأكثر لأسباب اختيار شخصية، والسياسة والجغرافيا والمشاعر والعاطفة. وهذا صحيح خاصة بالنسبة لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية، حيث أن العديد من الأعضاء لديهم معرفة أو إهتمام ضئيلين في الرياضات الشتوية”. ووفقا للمقال نفسه، قال ديمتري تشيرنيشنكو (Dmitry Chernyshenko)، وهو مسؤول طرح عرض سوتشي: “هذا ليس عرضا للدمى. روسيا جادة للغاية حول هذا الموضوع. بالنسبة للرئيس [فلاديمير] بوتين، فإنه التحدي الشخصي له. انه منفعل جدا حول ذلك”. هذا يدل على أن اختيار سوتشي كان قراراً متخذأً من قبل أولئك الأشخاص الذين ليسوا على علم و / أو على دراية بما حدث أو ما يحدث في هذا العالم.

 

الاستنتاج الّذي يمكن لأي مراقب أن يأتي به هو: مثل هذه الإثارة الإعلاميّة تبيّن بأن هذه التصرفات هي من أجل الحصول على الدعاية الشخصية، وليكون مثيرأ للإعجاب، وبالتالي يكون موجها نحو تحقيق أهداف السياسة الانتخابية من أجل دغدغة العواطف ولجذب المزيد من التفاني للمكاسب الاستعمارية وغير المشروعة الروسية، والتي يمكن تلخيصها من خلال السيطرة على الأرض واستعباد الشعوب عبر الحصول على تأييد وموافقة من الناس الذين لا يقيمون الأمور كما ينبغي والذين لا ينظرون الى الأمور في تعمّق.

 

في رأي رائد لأحد الشراكسة الذين تعاملوا مع القضايا الحقيقية بشكل وثيق بسبب الإرتباط الوثيق بمكان الأحداث في منطقة القوقاز لسنوات عديدة حيث قال:

إن “شبه جزيرة تامان كانت يوما جزاء من شركيسيا الكبرى، ثم احتلت من قبل خانات القرم. لكن وفقا للكتاب والمؤرخين الروس فإن عدداً كبيراً من الشركس بقوا هناك حتى الترحيل”.

 

وشركسي آخر قريب من مركز الأحداث كذلك قال:

إن “شبه جزيرة تامان هي بالتأكيد جزء من شركيسيا لكن عانت منذ البدء. كانت الأراضي الأصلية لمقاطعة جانا. في العصور القديمة عاش الشراكسة هناك جنبا إلى جنب مع شرائح معتبرة من غير الشركس. وكانت المدن في تلك المنطقة من ناحية تاريخية منخرطة في التجارة الدولية. وجميع القطع الأثرية من هناك ترتبط بالتأكيد بالشركس في المقام الأول، وليس غيرهم بعد ذلك. فالبرنامج التلفزيوني مع بوتين مؤخّراً يتظاهر فيه بأنه غطاس يستخرج سفينة النبيذ القديمة من قاع البحر أثارت غضباً آخر لدى الشباب الشركس على الإنترنت. لقد اثبت ذلك بأنا على حق بما نفعله وان شكاوينا ومطالباتنا هي محقّة بكل ما في الكلمة من معنى”.

 

إيجل

مجموعة العدالة لشمال القوقاز

Share Button

أضف تعليقاً