الشركس تذكروا الماضي ولكن حشدوا من أجل المستقبل

الشركس تذكروا الماضي ولكن حشدوا من أجل المستقبل

بول غوبل (Paul Goble)
29 مايو/أيار 2018

ترجمة: عادل بشقوي
30 مايو/أيار 2018

الصورة: إحياء يوم 21 مايو/أيار التذكاري، في نالتشيك، في قباردينو-بلكاريا (المصدر:circassianworld.com)
الصورة: إحياء يوم 21 مايو/أيار التذكاري، في نالتشيك، في قباردينو-بلكاريا (المصدر:circassianworld.com)

هذا العام، مثل كل عام ولأكثر من قرن من الزمان، فإن ما يقرب من 500.000 من الشركس يقيمون في وطنهم في شمال القوقاز وأكثر من خمسة ملايين من الشركس في الشتات، وقفوا في 21 مايو /أيار، لتذكر الخسائر التي عانوا منها خلال المقاومة التي استمرت لمدة 101 عام في وجه التوسع الإمبريالي الروسي وترحيلهم القسري من وطنهم في عام 1864. وبالتأكيد، وفقاً لزوربك كوجيف (Zaurbek Kozhev) من معهد قباردينو-بلكاريا للأبحاث الإنسانية (KabardinoBalkar Institute of Humanitarian Research)، فإن هذا اليوم التذكاري هو ”جزء لا يتجزأ من الهوية الشركسية المعاصرة“ وبالتالي أساساً لتعبئة المجتمع لتحقيق أهدافه المشتركة، وهي نقطة أخرى ذكرها المتحدثون في اجتماعات النصب التذكاري أيضا (Kavkazsky Uzel, May 23).

في حين أن كثيرين ممن لا يعرفون تاريخ الشركس قد يميلون إلى رفض إحياءات الذكرى هذه، بحجة أنها تتعلق بالماضي فقط، فإنهم يميلون بشكل متزايد إلى المستقبل، مثلما تمثل ذكريات أحداث عام 1915 بالنسبة للأرمن أو الهولوكوست بالنسبة لليهود. فهي تساعد في الحفاظ على هوية مشتركة بين شعب مقسم حسب الجغرافيا والسياسة وحتى اللغة. ويبرهنون على أن البحث الشركسي عن العدالة فيما يتعلق بما حدث لأمتهم منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان يهدف إلى مساعدتهم على حل المشاكل الفورية. وتشمل تلك المشاكل المعاصرة العودة إلى وطن الشراكسة من سوريا التي مزقتها الحرب، ووضع حد لتقسيم موسكو للشعب الشركسي إلى عدة دول وجمهوريات وقمع نشطاءهم القوميّين هناك، والدفاع عن اللغة الشركسية في وقت يسعى نظام فلاديمير بوتين إلى الحد من وضعها وبالتالي مستقبلها.

وكما تفعل في كثير من الأحيان، فإن وزارة الخارجية الروسية وعن غير قصد وجهت الانتباه إلى الطبيعة المعاصرة لهذه الذكريات. أولاً، منعت السلطات أي إحياء لعام 1864 في موسكو وقال المسؤولون إنه لا توجد حاجة لعقد اجتماع هناك لأن إجتماعات كانت تعقد في شمال القوقاز. ثانياً، حذرت وزارة الخارجية المواطنين الروس من المشاركة في فعاليات يوم الذكرى الشركسي في تركيا (Kavkazsky Uzel, May 22). وثالثاً، شجبت الوزارة الاجتماعات الشركسية في الخارج واعتبرتها أعمالاً ”معادية لروسيا“ (Kavkazsky Uzel, May 22).

لكن هذه التصريحات الروسية لم يكن لها أي تأثير. فقد شارك أكثر من 3000 من الشركس ومؤيديهم في الأنشطة التذكارية في اسطنبول، كما فعل الآلاف في مراكز أخرى من الشتات في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة. وقد فعل الشيء نفسه الآلاف في عواصم الجمهوريات والمناطق في الإقليم الذي كان يوما جزءا من الدولة الشركسية، بما في ذلك 15000 في نالتشيك (Republic.ru, May 25). كان العديد من هؤلاء في شمال القوقاز الأكبر حجماً منذ الفترة الأكثر حرية في أوائل التسعينيات، وربما كان بعضها الأكبر على الإطلاق، وهو مؤشر على أن القومية الشركسية لا تضعف كما تأمل موسكو ولكن تكتسب قوة وثقة بالنفس (Circassian WorldMay 2325Caucasus Times, May 21).

على هذا النحو، يمثل 21 مايو/أيار هذا عودة إلى ما كان يمثل المؤشر العالي للنشاط الشركسي في السنوات الأخيرة احتجاجاتها ضد قرار بوتين بعقد دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي على وجه التحديد في الأراضي التي قتلت فيها القوات الروسية في عام 1864 العديد من الشركس ونَفَتْ الكثيرين غيرهم. وقد اجتذبت تلك الاحتجاجات الاهتمام الدولي للقضية الشركسية وزادت من دعوات الشركس للاعتراف الدولي بأحداث عام 1864 بأنها ”إبادة جماعية“، وهو ما لم تفعله سوى جمهورية جورجيا حتى الآن. لكن اجتماعات هذا العام تمثل أيضاً انتعاشاً مثيراً منذ عام 2017. لقد تميزت السنة الماضية باعتقال الناشط الشركسي البارز رسلان غفاشيف (Ruslan Gvashev)، الرئيس السابق لمجلس الشيوخ الأكبر سناً للشركس الشابسوغ، وبزيادة جهود موسكو لتقسيم الحركة الشركسية داخل شمال القوقاز وفي الخارج على حدٍ سواء. وكما أشار غفاشيف قبل عدة أيام، ”في العام الماضي، كانت هناك محاولة لإنهاء قضيتنا القومية، لكن اليوم يسعدني أن أقول، وأنا معكم جميعًا، إن هذا لم يحدث“ (Caucasus Times, May 21; Circassian World, May 23). كما أن جهود موسكو لتقسيم الشراكسة رغم الإستمرار في ذلك (Circassian World, May 25)تبدو أنها أقل فعالية مما كان يخشاه الكثيرون.

إن السبب الأكثر أهمية لهذه الوثبة من النشاط الشركسي هو معاناة المجتمع الشركسي في سوريا. وقد ترافق هذا مع غضب العديد من الشركس بسبب عدم رغبة السلطات الروسية في السماح لأكثر من حفنة من الشركس السوريين بالعودة إلى وطنهم أو لتقديم الدعم للقلة الذين تمكنوا من العودة حتى يتمكنوا من الاندماج في المجتمع هناك. ومن الواضح أن موسكو تخشى من أنه إذا عاد الشركس من سوريا بأعداد كبيرة، فسيغير ذلك التوازن العرقي في شمال القوقاز ويهدد سيطرتها على المنطقة التي طالما استخدمت فيها أساليب ”فرّقْ تَسُدْ“ (Caucasus Times, May 21).

لكن هناك سبب آخر لازدياد النشاط الشركسي ونهجه المنطلق نحو المستقبل. في شمال القوقاز نفسه، أدى الجمع بين تراجع تأثير الجماعات الإسلامية والاضطهاد المتزايد للنشطاء القوميّين إلى تدفُّق المزيد من الشباب إلى المنظّمات الشركسية المحلية. ومن الواضح أن هؤلاء الشباب مرتبطون بالشتات الشّركسي عبر الإنترنت، كما يقول إسلام تيكوشيف (Islam Tekushev) من صحيفة القوقاز (Caucasus Times) التي تتخذ من براغ مقرا لها. ونتيجة لذلك، يشير إلى أنهم يغيّرون الحركة الشركسية، ”بتحريرها“ من ثقل الماضي وإعطائها ”ديناميكية جديدة تماماً“. إنهم أقل اهتماماً بتحقيق اعتراف رمزي بجرائم الماضي أكثر من اهتمامهم بحل المشاكل الحقيقية، بما في ذلك عودة الشركس من سوريا إلى بلادهم (Caucasus Times, May 21).

ويمثل هذا الاتّجاه تحديًا أكثر خطورة للسلطة الروسية المركزية من أي شيء آخر فعله الشركس حتى الآن.

https://jamestown.org/program/circassians-remember-the-past-but-mobilize-for-the-future/

Share Button

أضف تعليقاً