الشركس في لبنان

الشركس في لبنان

بقلم: عادل عبدالسلام

الشركس في لبنان
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الوجود الشركسي في لبنان، إثر قيام رئيس الهيئة الشركسية في لبنان الأخ الفاضل رياض عبد الرزاق بجولة على المواطن الشركسية خارج لبنان بغية التعارف والتواصل. فتساءل الكثيرون من الشركس عن تا ريخ بني جلدتهم ومناطق انتشارهم وأحوالهم في لبنان، كما ظهرت أصوات مستغربة، وصلت إلى مستوى التشكيك في وجودهم في هذا البلد. بل صعد البعض نفي الأمر لدرجة التساؤل الساخر عن معرفة رئيس الهيئة للغة الشركسية…… وقبل الدخول في تبيان جانب من واقع الأوضاع، أود الرد على التساؤل الأخير بالقول: لو رُزقت دولاراً واحداً مقابل كل شركسي نسي لغته في المهاجر وعبر قرون افتداء الأسرى والخطف والتشريد الشركسي لأصبحت واحداُ من أثرياء العالم….كما أود أن أذكِّر المتسائلين بأن رؤساء جمعيات ومؤسسات شركسية عريقة وكثير من العاملين فيها اليوم، بما فيهم التلفزيون الشركسي (نارت) لا يتكلمون اللغة الشركسية. وللتعرف على شراكسة لبنان لابد للمرء أن يتذكر أن لبنان في مفهومنا الراهن لم يصبح كياناً سياسياً مستقلاً إلا حين فصله الانتداب الفرنسي سنة 1920عن البلد الأم، بلاد الشام أو سورية الطبيعية التي كانت تتألف من سورية ولبنان وفلسطين والأردن، ويضم القوميون السوريون بلاد الرافدين ومساحات أخرى إليها. ولما كان وصول أفواج المهجرين الشركس إلى بلاد الشام جرى قبل ذلك بزمن طويل نسبياً، لا يصح فصل أحداث توطين شراكسة لبنان عن أحداث شراكسة سورية والأردن وفلسطين والعراق وتركيا. كما يجب إن نرجع في أحكامنا إلى ما قبل ذلك بقرون إلى زمن دولتي سلاطين الترك والشركس (1250-1517)، ونأخذ المستوى الفكري والعامل الزمني والعامل التثاقفي بين أبناء البلد والوافدين بالحسبان. مع إضافة العامل الجغرافي البيئي الجبلي والوعر المعيق للتواصل في لبنان في تلك العهود بشكل خاص. والأهم من هذا وذاك: لابد من معرفة الوضع المادي والاقتصادي السيء الذي عاشه المهجرون، وما زالت نسبة عالية جداً منهم تعيشه إلى يومنا هذا. وأخيراً لابد من محاكمة الأمور من منظار وظروف العهود المذكورة، وليس من منظر مُنظِّر قابع في سريره يحتضن اللابتوب ويتصل في اٌقل من ثانية مع صديق له في أقصى المعمورة…بالضغط على زر أو مفتاح.

في لبنان أعداد من الشركس ليست بالقليلة، لا تجد بينهم من يتكلم اليوم لغته إلا بضعة أفراد من المسنين. ومع ذلك فإن أغلبهم يعرف هويته ويتمسك بأصالة أسلافه وجذورهم الأثنية في خضم البحر الأثني اللبناني المتلاطم، الذي يضم كافة المجموعات الأثنية (العرقية والدينية والطائفية والاجتماعية والاقليمية والفئوية المحلية والمستوردة….) المعروفة في جنوب غربي قارة آسيا. أغلبهم ذاب في المدن وطحنته عجلة العمران المديني، وغيرهم في القرى الجبلية يعتاش من الزراعة وتربية الحيوانات. ومن المؤكد أن وصول الأفواج الكبيرة من الشركس إلى لبنان وبلاد الشام كان على مرحلتين رئيسيتين. لكن هذا لا يعني عدم وصول بعض الأفراد والأسر، بل وبعض المجموعات الصغيرة اليه بين المرحلتين وبعدهما، إذ استوطن هؤلاء بلاد الشام بحكم الوظيفة والعمل (خاصة في العهد العثماني ).

عرف الشركس والعجم وغيرهم المنطقة في أواخر العهد العباسي وما بعده خاصة في العهد الأيوبي، حين دخلوها كجنود ومحاربين وقواد جيوش استعان بهم الأيوبيون وحكام دويلات المنطقة والخلافة لحمايتهم من الطامعين بالعروش من أبنائهم وأقربائهم .(يقدر أن نحو 80 % من حكام الدول الإسلامية والعربية ماتوا قتلا أو شنقاً أو أو … من قبل منافسين وأعداء لهم من بني جلدتهم: ر. تاريخ الشعوب الإسلامية كارل بروكلمان….). ولقد أخذت أعداد الشركس بالتزايد في عهدي السلطنتين التركية والشركسية وذلك بالتزامن مع اشتداد هجمات المغول والتتر والخزر والبجناك على الشركس في القفقاس وارتفاع أعداد الأسرى الشركس والمختطفين منهم ومن أطفالهم، والذين قام سلاطين مصر وبلاد الشام بافتدائهم. والحاقهم بجيوشهم في فرق عسكرية خاصة بهم، وتنشئة الأطفال تنشئة إسلامية وعسكرية. فكان لهؤلاء فضل حماية المنطقة من الغزوات المغولية والتترية وتحريرها أولاً، وتخليصها فيما بعد من الغزاة المستوطنين الصليبيين. فكان جزاؤهم وصمهم بـ (المماليك) من قبل الحاقدين الصليبيين، ومن قبل المؤرخين العرب الناقمين عليهم لحكمهم البلاد ومنع تجزئتها إلى إمارات متناحرة. فإلى هذين العهدين ترجع أصول أغلب شراكسة لبنان الممثلين بعدد كبير من الأسر اللبنانية العريقة مثل أسرة قانصو (قانشاو) وكبارة وشركس وطربية وجانبية وأبازة والهبر وسركس في بيروت وطرابلس وعكاروالبقاع والجنوب وفي حوتاي، وجبيل وعنجر وغيرها مما لم يصل إليها علمي من أسر أحفاد العهد السلطاني. ولم يقتصر انتشار هذه الأسر على الأرض اللبنانية الحالية بل نجد امتدادا لهم في مدن سورية مختلفة، نذكر منهم آل الغوري في الشمال السوري في حلب، وآل سيباي، و كوكش في دمشق، وأسر: قندور، ومامي، وخردوقة (غردوقة)، وشكاس، وحقوق، وقانصو، ونموظ، وزمزم، وغيرهم من أسر من أصول شركسية تجدها خاصة في جبال القلمون. وللعديد من أحفاد هؤلاء إسهام وفعاليات في بناء المجتمع اللبناني وسياساته، فعاصم محمد قانصو الأمين القطري لحزب البعث في لبنان لفترة طويلة، عمل وزيراً أكثر من مرة نائبا في البرلمان، وعلي خليل قانصو رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي وعمل وزيرا أكثر من مرة. وهناك من أسرة شركس وغيرها الكثير من الشخصيات التي لها دور في بناء لبنان وبلاد الشام. ويقودنا التوسع في الشأن الشركسي على الأرض اللبنانية في العهدين المذكورين للحديث عن الفترة العثمانية التي أعقبتهما (1517-1920)، حيث بقي تأثير الشركس الذين اعتمدهم الحكام العثمانيون في إدارة البلاد، جلياً. فآل سيفا حكام طرابلس وشمال لبنان ومقدمهم جمال الدين سيفا المنتمي إلى السلاطين الشركس كانت لهم إمارة عاشت من 1528 إلى 1640 ووصل أحدهم إلى رتبة وزير ووالي على طرابلس، فكان لهم دور كبير في السياسة اللبنانية في العهد العثماني.
هذا موجز سريع لوجود الشركس القديم في لبنان، اما وجودهم الثاني فيه فيرتبط بمأساة الإبادة الجماعية الروسية لقرابة مليوني شركسي، ونكبة التهجير التي ضربت الأمة الشركسية و اختتمت بفاجعة سنة 1864التي طرد فيه الروس 1.700.000- 2.000.000 شركسي من ديارهم استقبلهم العثمانيون ووطنوهم في ممتلكاتهم ومستعمراتهم بغية استغلالهم لحمايتها. فكان لبنان العثماني واحداً من بقاع توطين الشركس. إذ وصلت في سبعينات القرن التاسع عشر أفواج شركسية قادمة من البلقان بحراً في سفن عثمانية وأوروبية، إلى موانئ اللاذقية وبيروت وحيفا وغيرها ، كما وصل قرابة 5.000 شركسي إلى ميناء الاسكندرية. وبعد إقامة قصيرة في مدن وقرى الساحل السوري/ اللبناني/ الفلسطيني، تم نقل أغلبهم باتجاه الداخل، مع بقاء عدد لا بأس به في موقعي عرب الملك شركس، وتل سوكاس جنوب مدينة جبلة. وفي حارة الشركس في جبلة نفسها، كما في أحد أحياء مدينة اللاذقية أيضاً قرب المقبرة المعروفة بمقبرة الشركس إلى اليوم و في بيروت وطرابلس وجوارهما وفي قرية برقايل بالذات ومزارعها بين طرابلس وسير الضنية و في بعض قرى البقاع الشمالي وفي قرية جوسية الخراب على الحدود السورية- اللبنانية الحالية. لكن أعدادهم كانت قليلة في لبنان. إذ تذكر وثائق الخارجية البريطانية أن نحو 1000 شركسي وصلوا إلى بيروت بحراً ونحو 2000 منهم وصلوا الى طرابلس براً مهجرين من البلقان سنة1878 ، مما نشر الرعب (حسب الوثائق) بين مسيحيي لبنان. وهذه الأرقام هي جزء من أصل أعداد الشركس الذين دخلوا بلاد الشام والرافدين في العهد العثماني حسب تقارير السفراء الأجانب في تلك البلدان، وبعض الولاة والحكام العثمانيين فيها، والتي قدرت بنحو35.000-40.000 شركسياً في سورية، و25.000-30.000 شركسياً في الأردن، ونحو 3.000 في لبنان، وقرابة 2.500-3.000 في فلسطين، و18.000-25.000 شركسياً في العراق، أي بمجموع يراوح بين 84.000 و101.000 شركسياً. علما أن مكتب المعلومات التابع لحزب الشعوب الجبلية القفقاسية قدرعدد شركس الجمهورية السورية وحدها في نشرته (La Caucase de Nord) الصادرة في باريز لعام 1931 (أي بعد قرابة 53 سنة) بـ 65.000 نسمة. بما يرفع المجموع المذكور إلى 125.000نسمة. وبالتالي فإن من المرجح أن الصحوة الشركسية الحالية في لبنان وتأسيس الهيئة الشركسية فيه ومركزها برقايل هي نتاج نشاط شراكسة المرحلة الثانية. ومع ذلك فإن البت في الأمر يحتاج إلى وثائق غير متوفرة لي، لعل أحد أبناء برقايل يسد هذه الثغرة في تاريخ شركس لبنان. ومما لاشك في أن عدد الشركس في لبنان الذي ذكره الأخ رياض عبدالرزاق رئيس الهيئة بنحو100.000 ورفعه بعض المعلقين إلى الضعف، يشمل كل من يمت إلى أصل شركسي عبر تاريخ المنطقة، من أبناء مرحلة دولة السلطنة الشركسية ومرحلة التهجير الروسي للشركس في القرن التاسع عشرمعاً، من أفراد اندمجوا وانصهروا في البوتقة السكانية اللبنانية، وفقدوا معها اللغة والعادات والثقافة القومية وأصبحوا لحمة في النسيج الديموغرافي اللبناني اليوم، نتيجة التبعثر والانتشار على الرقعة الجغرافية الجبلية القاسية، مع الإشارة إلى أن أغلبهم لا ينكر أصله الشركسي بل ويفتخر به. ولقد ذهبت الصحافة اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي (1983) للحديث عن الأسر اللبنانية العريقة ذات الأصول الشركسية في لبنان اليوم..وذكرت أن 2 % من سكان لبنان هم من أصول شركسية. وهي بالنسبة لعدد سكان لبنان تعادل الرقم المطروح من قبل رياض عبدالرزاق. ولقد ذكرت (الموسوعة التاريخية.للأمة الشركسية..) نقلاً عن رشيد قليلات أحد أبرز أبناء الاسر البيروتية عن أخواله الشركس باعتزاز و أسى، و بلغة (نحن الشراكسة) (والدته شركسية) قائلا (ان قبور الشراكسة على التلال المجاورة لبيروت شاهدة عليهم…. أما الذين بقوا أحياء في بيروت فقد تم هضمهم واستيعابهم بسرعة وهذه طبيعة بيروت). وردا على من ذكر أن شركس لبنان غير معروفين له أذكر أنه وفي صيف عام 1979 زارنا في دمشق وفد من شراكسة لبنان مؤلف من تسعة أشخاص من شرائح مختلفة أغلبهم من بلدة برقايل (وليس من برج نايل)، بلد الأخ رياض عبدالرزاق، استقبلناهم في الجمعية الخيرية الشركسية بدمشق حين كان المرحوم الأستاذ أبو بكر بارسباي رئيسها، ودار ت في اللقاء أحاديث حول وضع الشركس في لبنان في ظروف الحرب الأهلية التي كانت مستعرة حينئذ. وصرحوا بأنهم في لبنان ألفوا كتلة من الأسر الشركسية تدافع عن كيانها إن اقتضى الأمر، مثلهم في ذلك مثل بقية الكتل والطوائف اللبنانية.

واستمرت علاقتي المتقطعة بشراكسة لبنان عندما زارني الأخ رياض عبدالرزاق في منزلي بدمشق بصحبة صديقنا الأخ عصمت بارسباي. ثم تبعت تلك الزيارة عدة لقاءات بين 1982-1990 بعدد منهم في زيارات لقائد قوات الردع العربي والجيش السوري في لبنان صديقي المرحوم اللواء محمد سعيد بيرقدار (برتار).. في زمن كن فيه الأمين العام لحزب البعث اللبناني (عاصم قانصو) والأمين العام للحزب القومي السوري هما شركسيا الأصل من الجنوب من أنشط سياسيي لبنان. و لا يفوتني هنا التذكير بأن أول رئيس حكومة سورية (الداماد أحمد نامي شابسِغ) 1926-1928 ، واستقال لرفض فرنسا المطالب السورية الوطنية كان شركسياً لبنانياً.. أما نسبة المطربة فيروز إلى أب شركسي فهو موضوع جدال لم ينته بعد، ولقد صرح أحد بطانتها ( لن يعرف أحد الحقيقة إلا بعد وفاتها ؟؟؟).وذلك على الرغم من تصريح زوجها عاصي الرحباني في مقال نشرته مجلة نادين العدد204 بتاريخ 5- 2- 1984 بعنوان ” ما لم يُكتب عن فيروز” جاء فيه:(قال عاصي الرحباني مرة أن زوجته نهاد حداد – فيروز – شركسية ولذلك فهي عنيدة).

كذلك أكدت فترة الغزو الإسرائيلي لجنوبي لبنان عن انتشار الشركس في تلك المنطقة. إذ نزح مع من نزح من سكان الجنوب أكثر من 48 أسرة شركسية، استقبلهم فرع الجمعية الخيرية الشركسية في قدسيا بتوفير الإيواء والغذاء والكساء طوال فترة احتلال ديارهم. ومن طريف ما تم تداوله حينذاك أن استاء البعض من طلب إحدى فتياتهم، إضافة بعض مواد التجميل إلى سلة إعانة أسرتها. كما تمت استضافة ثلاث أسر شركسية أخرى تنتمي إلى آل هاكوز (بغانة) من قبل أسرة هاكوز (بغانة) في مرج السلطان، وهم من قبيلة (الشابسِغ التي ينتمي لها شركس برقايل وأسرتي عبدالرزاق وملحم)، وبقي أفرادها( 26) في رعاية قريبهم المرحوم فواز اصلانكري (بغانة) وأهالي مرج السلطان طوال الفترة نفسها. حزيران/ يونيو 1982 .

ومع تمنياتي لشركس لبنان وللهيئة الشركسية الفتية بالتوفيق والنجاح لتحقيق ما يصبون إليه من أهداف تخدم قومهم، آمل من غيوريهم البحث والتعمق في مسألة وجودهم وتاريخهم في لبنان لتوضيح ما غاب عنا من أخبارهم.

عادل عبدالسلام (لاش)
دمشق 28-10- 2018.

https://www.facebook.com/adel.abdulsalam.1/posts/2132386617012706

Share Button

أضف تعليقاً