التهجير الشركسي في ضوء التضليل الاكاديمي

التهجير الشركسي في ضوء التضليل الاكاديمي

تقديم: عادل بشقوي

1 نوفمبر/تشرين الثاني 2018

PHOTO-2018-11-01-22-55-50

بتاريخ 19 أغسطس/آب 2018، نشرت صحيفة الرأي الأردنية موضوعا في صفحتين كاملتين تطرقت فيه الى مسألة مخالفة للمنطق، وغير ذات صلة بالقضية مجال البحث، حيث انه كان من الواجب أن يدور الحديث في صلب العلاقات الأردنية-الروسية. وقد تم النشر في قسم ”دراسات“، بعنوان ”التفاهمات الأردنية-الروسية أسهمت باستقرار أوضاع الجنوب السوري“ وذلك في سياق ”ندوة {الرأي} للدراسات حول {روسيا وقضايا المنطقة}“.

وبتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2018، قمت بإرسال رد إلى رئيس تحرير صحيفة الرأي جاء فيه: ”بحكم الالتزام بما قامت عليه صحيفتكم الغراء من حيث الالتزام بحرية الرأي والتعبير، وكذلك إبداء الرأي والرأي الآخر، وبسبب عدم وجود من يرد في الندوة المشار اليها أدناه على بعض الأسئلة التي هي بحاجة إلى دراية تاريخية محدّدة للإجابة عليها، فانه من واجبي أن أحيطكم علما بالتالي:

”ليس المراد من هذا الرد المشاركة أو إبداء الرأي في القضايا الساخنة أو المستحدثة التي تخص الفيدرالية الروسية؛ لأنّهُ يمكن للأطراف التي تأثرت بها -بشكل مباشر أو غير مباشر- أن تبدي رأيها فيما تم الحوار بشأنه. لكن المراد هو الرد على ما قاله أحد المشاركين والذي فيه تجاهل للحقائق التاريخية بشأن تداعيات الحرب الروسية-القوقازية، وكذلك الحرب الروسية-الشركسية، ومغامرات القياصرة الروس في احتلال شركيسيا والشيشان وغيرها من أوطان شعوب وأمم القوقاز في القرن التاسع عشر.

وقد نقلت الصحيفة عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبل الحكومية في شبه جزيرة القرم -د. عمار قناة- التالي: {وحول تهجير الشيشان والشركس، بيّن قناة أنهم لم يُهَجّروا، فهذه معادلة سياسية تاريخية، مُطالبًا الجميع بإعادة قراءة ما حدث للشيشان بمنطقة القوقاز التي كانت منطقة نزاع بين العثمانيين والفرس والروس تاريخيًا، وبالتالي كانت هذه مسألة سياسية ولم تكن تهجيرًا، بل خروج طوعي وهناك الكثير من الإثنيات المسلمة في تلك المنطقة والتي لم يخرج منها أحد}.“

إنّه ليس من الواقع أو المنطق في شيء أن يجري تجاهل حقوق شعب و/أو شعوب احتُلّت أوطانها من قبل القياصرة الروس، وهُجِّرت الغالبية العظمى منها، حيث وصلت الاعداد بالنسبة للشركس فقط تسعين في المائة من مجموع عدد السكان. وعليه أرسل لسعادتكم مرفقا مع هذه الرسالة، الرد المناسب راجيا نشره في نفس المكان الذي نشر فيه الخبر بشأن الندوة.

وتفضّلوا بقبلوا فائق الإحترام والشكر،

عادل بشقوي، مؤلف كتاب ”شركيسيا: ولدت لتكون حرّة“. (http://circassia.club/about-the-book/)

ولعدم نشر ما يدحض الإدعاءات المشار اليها، أو  وصول اي رد، أقوم بنشر التالي:


التهجير الشركسي في ضوء التضليل الاكاديمي

تقديم: عادل بشقوي

22 آب/أيلول 2018

دأبت جهات عديدة على الانتقاص من دور الشركس وشعوب القوقاز الأخرى من خلال التعتيم على المعطيات المتعلقة بحق الدفاع عن النفس سواء خلال حروب الإبادة التي شنتها الإمبراطورية الروسية ضدها لاحتلال أوطانها مهما بلغت الكلفة والتداعيات. ويتم الترويج لها من خلال الإفصاح عن نوايا مبيتة، لكن مغرضة وخبيثة، وترويج معلومات مزيفة ومغرضة ذات طبيعة متحيزة ومضللة، ويجري تداولها عبر وسائل الإعلام المختلفة اعتمادا على وسائل العلاقات العامة المشبوهة أو غير المسؤولة.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الرأي الأردنية بتاريخ 19 آب/أيلول 2018 في قسم «دراسات» مقالا بعنوان ”التفاهمات الأردنية-الروسية أسهمت باستقرار أوضاع الجنوب السوري“، تناول محاضر ندوة نظّمها مركز «الرأي للدراسات» شارك فيها ”من روسيا مدير مركز البحر الأسود للتحليل المعلوماتي د. أندريه موخوف، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة القرم الفيدرالية د. تتيانا سينوشكينا، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبل الحكومية د. عمار قناة مع نخبة من السياسيين والإقتصاديين الأردنيين وبحضور نائب سفير روسيا الإتحادية في الأردن أوليغ ليفين“. ودار الحوار حول «روسيا وقضايا المنطقة» وتناول الأزمات الإقليمية التي تشارك روسيا بدورها في التأثير على مجرياتها ومآلاتها الى حد استحداث ازمات اقليمية ودولية تضاف الى قضايا قديمة ليس من السهولة بمكان ان يجرى التغلب على المصاعب والعراقيل التي نتجت عنها. (http://alrai.com/article/10448400/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%87%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D9%87%D9%85%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A)

ليس المراد من هذا الرد المشاركة او ابداء الرأي في القضايا الساخنة أو المستحدثة التي تخص الفيدرالية الروسية، لأنّهُ يمكن للاطراف التي تأثرت منها وبسببها بشكل مباشر أو غير مباشر ان تبدي رايها فيما قيل او تم الحوار بشانه. لكن ما قاله أحد المشاركين يؤكد تجاهلا للحقائق التاريخية بشأن تداعيات الحرب الروسية-القوقازية وكذلك الحرب الروسية-الشركسية، ومغامرات القياصرة الروس في احتلال شركيسيا والشيشان وغيرها من أوطان شعوب وأمم القوقاز في القرن التاسع عشر.

وقد نقلت الصحيفة عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبل الحكومية في شبه جزيرة القرم د. عمار قناة التالي: ”وحول تهجير الشيشان والشركس، بيّن قناة أنهم لم يُهَجّروا، فهذه معادلة سياسية تاريخية، مُطالبا الجميع بإعادة قراءة ما حدث للشيشان بمنطقة القوقاز التي كانت منطقة نزاع بين العثمانيين والفرس والروس تاريخيا، وبالتالي كانت هذه مسألة سياسية ولم تكن تهجيرا، بل خروج طوعي وهناك الكثير من الإثنيات المسلمة في تلك المنطقة والتي لم يخرج منها أحد.“

وهنا لا بد من إقتباس ما قاله كنوفوشيوس: ”دراسة الماضي مهمة لمن يُريد التخطيط للمستقبل“، وكذلك ”الضمير هو نور الذّكاء لتمييز الخير من الشر“

(https://mawdoo3.com/%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85_%D8%B9%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%85%D9%8A%D8%B1)

وضمن هذا السياق ومن أجل جلاء الحقيقة لا بد من الاشارة  بشكل مقتضب الى الحقائق والمراجع التالية:

”تقرير بوغودين (Pogodin) إلى القيصر الكسندر الثاني (Alexander ll) يحدد بوضوح مكان شركيسيا، والقوقاز بشكل عام، في خطط السياسة الخارجية لروسيا: {يجب أن ينتمي الشرق إلينا وهو من حقنا. يجب ألا نخفف من أنشطتنا في هذا الاتجاه للحظة واحدة}.“ صفحة 269، (Circassian History, by Kadir I. Natho)

وفي كل الأحوال، يجب التطرق الى حقيقة أنه وبكل بساطة يجري ابتداع وتلفيق وصف مزيف لاحداث دامية استمرت لعشرات السنين، وكانها أحداثا عارضة لم تتاثر بها عشرات الشعوب وملايين من بني البشر، فقط لمصلحة الغزاة والمحتلين والمستعمرين. وكان هاجس ضم المناطق المحتلة الى الإمبراطورية من اهم الامنيات التي طالما حلمت الامبراطورية الروسية في تحقيقها. ونتج عن ذلك تغييرا جوهريا في الخارطة السياسية والديموغرافية في منطقة القوقاز وما بعدها، ناهيك عن المآسي الانسانية غيرالمسبوقة. وعموماً سواء رُدِّدَتْ هذه المعلومات المضللة عن قصد أو عن غير قصد، فمن الضرورة بمكان ان يؤخذ بعين الإعتبار بأن الجهل بالشيء أو بالقانون ليس عذرا مقبولا لتحريف الحقائق التاريخية التي تمس كرامة الناس وحقوقهم المشروعة المكفولة وفقا للقوانين والأعراف الدولية.

في الشيشان وداغستان [الأجزاء الوسطى والشرقية من شمال القوقاز]، كان الروس راضين عن خضوع السكان الأصليين، لكن على ساحل البحر الأسود كانوا يعتزمون اكتساب ملكية الأراضي الشاسعة والخصبة لتوفيرها إلى جزء من موجة كبيرة من هجرة الفلاحين الروس التي نجمت عن تحرير العبيد في عام 1861. في كل عام كان القوزاق والفلاحين الروس من وسط روسيا يتغلغلون أبعد وأبعد باتجاه أعالي [الأنهر] الغنية، كوبان ولابا وبيلايا وأوروب.

Page 156, The Massacre in History, by Stephen D. Shenfield, Edited by: Mark Levene & Penny Roberts)

جبهة القوقاز وسلطات الامر الواقع

ذكر أمجد جموخه في كتابه عن الشيشان، في الفصل الذي يذكر فيه الخسائر الشيشانية:

”عانى الشيشان من الخسائر المروّعة في الأرواح خلال الحرب الطويلة. من عدد سكان يقدر بأكثر من مليون نسمة في أربعينيات القرن التاسع عشر، لم يبقى هناك سوى 140،000 شيشاني في القوقاز في عام 1861 فتك محترف. وبحلول عام 1867، انخفض العدد لمزيد من الهبوط بلغ 116،000 (N. G. Volkova 1973: 121). وفقا إلى م. فيجاغييف (M. Vachagaev) (1995: 35)، فقد الشيشانيون أكثر من نصف مليون شخص في الحرب.

كجزء من خطة رئيسية لإفراغ منطقة شمال القوقاز من سكانها الأصليين واستبدالهم بالقوزاق والسلافيين، تم تهجير جماعي لحوالي 80،000 شيشاني إلى الأراضي العثمانية بشكل غير إنساني في عام 1860. وكان أحد الشخصيات المحورية في هذا المخطط هو المتواطىء موسى كوندوكوف (Musa Kondukhov)، وهو ضابط في مرتبة عليا في الجيش الروسي، من أصل أوسيتي  Ossetian“. صفحة 50 من كتاب (The Chechens a Handbook)، لأمجد جموخة (Amjad Jaimoukha)

قامت سلطات الامر الواقع بتنفيذ سياسة الهندسة الديموغرافية البغيضة ضد شعوب قوقازية عديدة، كان لها تاثيرات سلبية لا حصر لها، حيث قامت الادارات العسكرية التي تم تشكيلها بعد الاحتلال بالقتل والتطهير العرقي والنّفي. وتقول  المصادر الموثوقة أنّ م. توغوييف كتب أنه، ”بالإضافة إلى الداغستانيين، حسب رأيه، ضمّت كل من أوسيتيا (Osetia) و قباردا (Kabarda) عددًا كبيرًا من هؤلاء {المستوطنين}. ووفقاً لبيانات أ. أبيشيني (A. Ubichini) وب. دي-كورتيل (P. deKurteil)، في بداية عام 1866، بلغ العدد الإجمالي للقوقازيين الأصليين الذين تم إخلاؤهم مليونا (1,000,000). ويشاطر المؤرخ التركي بيركوك (Berkuk) هذا الرأي. وتم التعبير عن وجهة النظر الشركسية حول طردهم بشكل جيد في هذه الأغنية:

أخذت وطني معي حتى في الخارج،

سبعة أكواب مقدسة من يدي!

هذا كل ما يمكنني الحفاظ عليه، سأخبر ذلك لابني آسفاً،

من وطنك الأم!“ صفحة 368، (Circassian History, by Kadir I. Natho)

اثبت تعامل الانظمة الروسية المتعاقبة تشابهاً وامعاناً في التصرف السلبي مع الامم التي احتلتها الامبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. ”في 23 فبراير/شباط من عام 1944، بدأت السلطات السوفيتية تنفيذ خطة لترحيل الشيشان والإنجوش بشكل جماعي إلى آسيا الوسطى وسيبيريا. وتحت الإسم الرمزي عدس، العملية السرية التي دامت أسبوعاً، والتي جرى تنفيذها من قبل الآلاف من جنود مفوضية الشعب للشؤون الداخلية (NKVD) والجيش الأحمر، الذي كان من بنات أفكار ستالين نفسه، الذي أراد التخلص من الشيشان {المزعجين} مرة واحدة وإلى الأبد واستبدالهم بمزيد من العناصر السلافية الجديرة بالثقة تطهير عرقي بابشع صوره.“ صفحة 58 من كتاب (The Chechens a Handbook)، لأمجد جموخة (Amjad Jaimoukha)

وفي مقدمته لكتاب، ”شمال غرب القوقاز، الماضي، والحاضر، والمستقبل، لوالتر ريتشموند (Walter Richmond)،“ ذكر جون كولاروسو (John Colarusso):

“هذا الكتاب غني بشكل إستثنائي، حيث أن الدكتور ريتشموند يبدأ كتابه بشهادات شهود العيان المذهلة لعمليات الترحيل التي جرت في القرن التاسع عشر والحرب العالمية الثانية، متبوعًا بسرد موجز للتوترات اليومية الحالية العرقية والسياسية التي نتجت عنهم. وكما هو الحال في كل فصل تقريباً، يقدم ملاحظات مهمة في هذه المقدمة: فالقاعدة الروسية تحتوي على عنصر عميق من المفارقة، لأن السياسات ظاهرياً، ترمي إلى حماية الهوية العرقية وضمان الوئام بين الأعراق، التي هي في الواقع هددت مثل هذه الهويات في نفس الوقت الذي أثارت فيه من تفاقم الصراع العرقي.“ (viii Foreward, Northwest Caucasus, Past, Present, Future, by Wlater Richmond)

جبهة شمال غرب القوقاز وغرب شركيسيا

مع أن خطة القياصرة الروس النهائية كانت تقضي بإخضاع شعوب القوقاز والمناطق المحتلة الأخرى باتباع كافة الوسائل والسبل، وإجبار الشعوب على التخلي عن أوطانها بشتى وسائط الترهيب والترغيب. إلا أن الجزء المشاطىء من شركيسيا للبحر الأسود كان لا بد من افراغه كليا من سكانه، وذلك اما بابادتهم أو بتهجيرهم لما وراء حوض نهر كوبان أو إلى الدولة العثمانية. وذلك من أجل إحلال مستوطنين من قوميات أخرى في وطنهم.

قال ك. أ. بورود: “في نهاية حرب 1864 أمر الجنرال (يفديكيموف) بتجميع الشراكسة في شاطىء البحر الأسود. ثم أشار عليهم قائلا، من يرغب في العيش وراء الكوبان فليذهب هناك. قال ذلك وهو يعلم بأنه لن يقدر أحد على اجتياز البحر، وأما الذي لا يرغب فعليه ان يركب إحدى السفن إلى إستانبول. كما أكد (بورود) ولو لم يتم توزيع القوزاق، على الأراضي التي كنا نستولي عليها لما انتهت الحرب أبداً“. صفحة 264 من المجلد الثالث / الجزء الثاني من الموسوعة التاريخية للأمة الشركسية (الأديغة)

”في عام 1860، وبعد أن فشلت في إخضاع الشركس في سبعة وتسعين عاما من الحرب، قررت الحكومة الروسية فرض هجرتهم الجماعية إلى مناطق أخرى من الإمبراطورية أو إلى تركيا. وقد تم تكليف الجنرال يفديكيموف لتنفيذ هذه السياسة، وتقدم إلى الأجزاء التي لم يتم إخضاعها من شركيسيا وذلك بتشكيل أرتال متنقلة تم تشكيلها حديثاً من حملة البنادق وفرسان القوزاق. صفحة 151، من كتاب مذبحة في التاريخ، لستيفن د. شينفيلد، حرره: مارك ليفين وبيني روبرتس    

”إذا كان الأمر على النقيض من ذلك بالنسبة للشركس فإنه يعيدنا إلى أي مدى يمكن بسهولة أن تتلاشى الإبادة الجماعية لشعب ما، في ظل ظروف أقل مواتاة، من الوعي التاريخي“. صفحة 160، من كتاب مذبحة في التاريخ، لستيفن د. شينفيلد، حرره: مارك ليفين وبيني روبرتس

”في 24 يونيو/حزيران 1861، وقع الكسندر الثاني على المرسوم {الإمبراطوري} بشأن {إستيطان شمال القوقاز}. وينص،

{الآن وبعون الله، فإن مسألة الإخضاع الكامل للقوقاز تقترب من النهاية. وتبقى بضع سنوات من الجهود الدؤوبة من أجل إجبار الجبليين الأعداء من البلاد الخصبة التي يحتلوها وتوطينها أخيراً سكاناً من الروس المسيحيين إلى الأبد. إن شرف إنجاز هذا العمل المجيد يعود بشكل رئيسي إلى القوّات المسلّحة التابعة لقوزاق كوبانسكي}. ومن أجل تشجيع القوزاق وتسريع العملية، وعد الإمبراطور بتعويضات مالية وامتيازات أخرى“. صفحة 361، (Circassian History, by Kadir I. Natho)

لم تكن التصرفات الروسية الخرقاء ضد الشعوب الأصلية بمعزل عن القرارات والخطط العسكرية والإستعمارية الحكومية للامبراطورية الروسية. ”على الرغم من حقيقة أن القبائل الشركسية المتحدة قاومت الروس بعناد خلال المرحلة النهائية من حربهم الطويلة، احتلت الجيوش الروسية في عام 1862 الأراضي الواقعة بين نهري لابا (Laba) وبيلايا (Byelaya) ومنحدرات الجبال الواقعة بين أنابا (Anapa) وأداغوم (Adagum). وبهذه الطريقة، أجبروا جميع الأباظه والشركس الذين يعيشون على الضفة اليمنى من نهر بيلايا على الإختيار بين، إما:

أ- قبول جميع المطالب الروسية بالكامل والانسحاب إلى الأراضي المخصصة لهم، أو

ب – الهجرة إلى الأراضي العثمانية.“ صفحة 267، (Heroes and Emperors in Circassian History, by: Shauket Mufti)

في كتابه ”شمال غرب القوقاز، الماضي والحاضر والمستقبل“، يصف المؤلف والتر ريتشموند الشركس، الذين هُزِموا من قبل الإمبراطورية الروسية، ”في أحد أكثر الصراعات دموية في تاريخ الإمبراطورية الروسية. خلال السنوات العديدة التالية، تم إجبار أكثر من 90 في المائة من الشراكسة، إلى جانب أغلبية الأباظه وقبيلة الأوبيخ بأكملها، من وطنهم إلى شواطئ البحر الأسود، حيث أن أولئك الذين لم يموتوا بسبب المرض والجوع تم تحميلهم على السفن. وترحيلهم إلى الإمبراطورية العثمانية.

بعد مرور 140 عامًا على هذا التاريخ، المعروف في شمال غرب القوقاز {بيوم الذّكْرى والحزن}، تقرر إحيائه في جمهورية أديغيا (Adygeia) الصغيرة من خلال مناسبات متعددة، بما في ذلك خطاب رئيس الجمهورية حزرت سوفمن، الذي سلط الضوء على الأهمية الإستثنائية للحرب وتداعياتها التي ما زال الشعب الشركسي يحتفظ بها، وهم الضحايا الرئيسيين في هذه الحرب.“ الصفحة الأولى، (Northwest Caucasus, Past, Present, Future, by Wlater Richmond)

لا بد من معرفة السياسة الاستعمارية التي اتبعتها الامبراطورية القيصرية الروسية كي تقضي على المقاومة الشركسية التي استطاعت مقاومة الاعتداءات الإمبريالية الروسية لمدة قرن من الزمان. وفي هذا المفهوم، تم تنفيذ قول {النهاية تبرر الوسيلة} في أسوأ أشكالها السلبية، لكن القاسية واللاإنسانية. ”وبمجرد أنهم استنتجوا أن الشركس سوف يتم على العموم القضاء عليهم، بدأوا يعاملونهم بمستويات متزايدة من الوحشية. كان فيليامينوف (Velyaminov)، وزاس (Zass)، وسريبرياكوف (Serebryakov)، وغيرهم من الرواد الذين وضعوا الأسس الإيديولوجية والتكتيكية التي سيستخدمها نيكولاي إيفدوكيموف (Nikolai Evdokimov) في ستينيات القرن التاسع عشر لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

أحد الأسباب التي دفعت الروس إلى التحول إلى الإبادة الجماعية كحل للشأن الشركسي هو أنهم لا يستطيعون أبداً تطوير خطة متماسكة لإخضاعهم للحكم الروسي. على الرغم من أن جهود رايفسكي (Raevsky) في التغلب على الشابسوغ في عام 1838 قد واجهت فشلاً تامًا، فقد اقترح وزير الحرب الروسي، ألكسندر تشيرنيشيف (Alexander Chernyshev)، في يناير/كانون الثاني من عام 1839، نفس الخطة تقريبًا“. صفحة 58، (The Circassian Genocide, by Walter Richmond)

وفي وصفه لأحد تداعيات الغزو القيصري الروسي، قال والتر ريتشموند: ”أولئك الذين تم القبض عليهم لم يبدوا سوى القليل من المرارة. إنهم منهكون بالفعل، وجياع، ومما لا شك فيه مذعورون لما هو قادم لاحقا، وقد تم اقتيادهم إلى الساحل، وهم مطوّقون من قبل الروس. ويصف فونفيل (Fonville) العملية قائلاً: {بدأ سكان القرى يخرجوا مسرعين من جميع الأماكن التي عاشوا فيها، والتي احتلها الروس فيما بعد، وذهبت جموعهم الجائعة عبر البلاد في اتجاهات مختلفة، تاركين المرضى والمشرفين على الموت يموتون على الطريق. وبين حين وآخر، تجمدت مجموعات كاملة من المهاجرين حتى الموت أو جرفتهم العواصف الثلجية، وكثيراً ما لاحظنا مساراتهم الدامية أثناء مرورنا. كانت الذئاب والدببة تحفر في الثلج وتخرج الجثث البشرية}. صفحة 85، (The Circassian Genocide, by Walter Richmond)

استند الترحيل إلى تفاهمات عقدت أحيانًا مع الأطراف الفاعلة في ذلك الوقت، حيث كان التهجير الشركسي سياسة اعتمدتها الإمبراطورية الروسية. ”كان العثمانيون في الواقع غير أكفاء عندما تعلق الأمر بتوطين الشركس، لكن الروس فعلوا كل ما بوسعهم لخداعهم حول حجم ووتيرة التّهجير. حيث أنّهُ في عام 1859، حتى عندما كان واضحا من تجربة التتار أن القيام بهجرة جماعية بسرعة كبيرة كانت محفوفة بالمخاطر، وبدأ الروس بالتفاوض مع العثمانيين حول الهجرات الشركسية. في البداية وعدوا بأنه لن يتم إرسال أكثر من خمسين ألف شخص وأن العملية ستكون تدريجية. وصل المهاجرين الأوائل، الذين كانوا يتألفون أساسا من الأرستقراطيين القباردي الأثرياء، حيث وصلوا في عامي 1860 و1861 وتم توطينهم بسرعة في مواقع جديدة، لكن عمليات الترحيل القسري التي جرت في عام 1863، سرعان ما  أربكت العثمانيين. طلبوا مرارا من الروس إبطاء تدفق المهاجرين، لكن ردت سان بطرسبرغ أن الآلاف من الشركس كانوا بالفعل على الشاطئ، وأنه إذا لم يقبل بهم الباب العالي في الحال فإنه سيتم اقتيادهم الى مناطق داخلية، الذي سيؤدى بدوره إلى قدر كبير من إراقة الدماء“. صفحة 100، (The Circassian Genocide, by Walter Richmond)

لا يمكن إنكار ترحيل الشركس الجماعي إلى تركيا ولا بأي شكل من الأشكال، لانه من المستحيل أن يخرج تسعون بالمائة من السكان من وطنهم بمحض إرادتهم وهم في نفس الوقت يتعرضون لحرب عدوانية وكارثية ومدمرة. ”الفترة الأكثر دراماتيكية للتاريخ العرقي للشركس هو في الفترة الواقعة في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر. في اللغة الروسية (وليس فقط بالروسية) تُعرف هذه الفترة تحت اسم {هجرة الشركس}. يجب أن يقال إن تعبير {مهاجرين} لا يعكس الواقع التاريخي للظروف التي تم فيها الترحيل الجماعي للأديغه من وطنهم. سيكون من الصحيح القول إنها كانت فترة الترحيل إلى تركيا وأكثر دقة الإبادة الجماعية للشركس.

اقترف الاستبداد الروسي الإبادة الجماعية للأديغه بطريقتين: 1. عن طريق الإبادة الجسدية للجزء الأكبر خلال حرب القوقاز و 2. من خلال تشريد الشركس المضطهدين الذين بقوا على قيد الحياة داخليا وإلى تركيا. اليوم غالبية من الشراكسة الذين هم خارج الوطن التاريخي يقيمون في جميع قارات كوكبنا (في أكثر من 40 دولة). ووفقًا لعلماء معاصرين وموثوقين، هناك في تركيا وسوريا والأردن أكثر من 3 ملايين شركسي“. صفحة 60، (Adygean (Circassian) Culture, by Nugzar Antelava)

تم الإفصاح عن بيانات الضحايا والذين تعرضوا للتطهير العرقي والتهجير القسري من قبل مصادر مختلفة، وهنا يذكر التالي على سبيل المثال لا الحصر. “تم الإبلاغ عن ونشر ما يلي من قبل علي، وروبرت، وإقبال، والذي عرض نتيجة الحرب التي أدت إلى الذبح والاحتلال والترحيل، وبالتالي تعداد {مقتل أكثر من 400،000 من الشراكسة، وإرغام 497،000 على الفرار للخارج إلى تركيا، و بقي على قيد الحياة فقط  80،000 في موطنهم الأصلي، وتوفي الشركس بسبب الأمراض عندما أجبروا على الإنتقال إلى تركيا} وفي نهاية المطاف، {تسببت العواصف البحرية في قتل بعض الشراكسة بينما كانوا في القوارب حيث كان مروّعا عند النظر عبر عيون الشراكسة، وكانت هناك الكثير من الوفيات أمام عائلاتهم وأصدقائهم. وقد عانى الشركس من المرض والفقر. وكانوا في مجموعات كبيرة العدد مضطرون إلى ركوب القوارب الصغيرة}.“ صفحة 112،  (Circassian: Born to be Free, by: Adel Bashqawi)

وتم وصف الصعوبات والمآسي التي قاسى منها الجميع نتيجة للأساليب الوحشية التي اتبعتها القوات الغازية. ”خلص التوصيف إلى توضيح أهمية النتائج التي تتعلق بالتهجير: {بحلول عام 1859، نفذ الروس سياسة تهجير الشعب الشركسي بواسطة السفن، وفق اختيار تركيا أو الأناضول (التي هي الآن جزء من تركيا المعاصرة)}. قاسى النازحون الشركس من أهوال النزوح بعيدًا عن وطنهم وتعرضوا لتأثير الظروف المناخية القاسية، مثل درجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة للغاية والمطر والثلوج والعواصف والتعرض للبرد وضربات الشمس“. الصفحات 112 – 113، (Circassian: Born to be Free, by: Adel Bashqawi)

في هذا السياق، انفضحت نوايا الإمبراطورية الروسية، التي أصبحت هي السياسة الاستعمارية الرسمية للدولة، وقد تم تبنيها واتخاذ قرار بشأنها، لتطبيق قواعدها بطرق ووسائل مختلفة، ضد أصحاب الأراضي الأصليين والرئيسيين، الذين اكتسبوا حضارة متطورة مثبتة منذ آلاف السنين. ”وثبت أن التهجير الشركسي كان مخططاً له من قبل الجيش الروسي. وكانت خطتهم هي تطهير الساحل الشركسي على البحر الأسود من السكان الأصليين. أولئك الذين لم يقتلوا كانوا سينقلون إلى مناطق ما وراء نهر كوبان أو يتم تهجيرهم إلى الإمبراطورية العثمانية. كانت نوايا الروس قد حدّدت القضاء التام على المقاومة الوطنية الشركسية، التي هدفت إلى الدفاع عن الوطن من غزو القوى الأجنبية التي لم يكن لها أي صلات عرقية أو قومية أو دينية أو أي أهداف مشتركة مع الشركس“. صفحة 7، (Circassian: Born to be Free, by: Adel Bashqawi)

وغني عن الإشارة أن بعض الوثائق المستخرجة من الأرشيف الروسي، تحتوي على تعليمات وتوجيهات من رئيس أركان جيش القوقاز، وقادة ميدانيين آخرين، وضباط رفيعي المستوى في القوات المسلحة الروسية وميليشيات القوزاق. المعلومات متاحة، والتي لا يمكن إخفاؤها بعد الآن. لقد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك، نية الإمبراطورية الروسية ضد شعوب القوقاز بشكل عام والشعب الشركسي بشكل خاص. الوثائق التي تم الكشف عنها كما تمت الإشارة إليها، توضح مدى تفاصيل العمليات العسكرية واستخدام القوة المفرطة وغير المتكافئة ضد الأمّة الشركسية ووطنها. أقرّتْ الخطط االمعتمدة والمؤكّدة الاحتلال والتدمير والقتل الممنهج والإبادة والتطهير العرقي وتنسيق الترحيل القسري. الوثائق المذكورة هنا تُذْكر كمثال لآلاف من الوثائق الأخرى: 260، 261، 262، 263، 264، 265، 266، 267، 268، 269، 270، 271، 272، 273، 274، 275، 276، 277، 278، 279، 280، 281، إلخ

(http://www.circassiangenocide.info/Documents/Arabic.pdf)

أخيراً، لا ينبغي ان يبدو الأمر قضية شخصية، لكن من المناسب القول ان التطرق الى هذه المعطيات لا يعني الترويج لحالة من العداء ضد أي طرف أو من قبيل المديح أو الكراهية، لهذا الطرف أو ذاك، لكن للتاكيد على الحقوق الشركسية المصادرة. يجب الحصول على الإعتراف بالانتهاكات وعدم الالتفات الى الإشاعات والمعلومات المزيفة بشأن تهجير الأغلبية العظمى من الأمة الشركسية إلى خارج الوطن. يجب تشجيع المزيد من الباحثين والدارسين والمهتمين على أن يطّلِعوا على الوثائق والحقائق المتوفرة لمن أراد الخوض بها واظهارها ونشرها للعموم، من أجل تنويع المراجع والاساليب المتبعة وحتى اللغات المستعملة في التطرق الى الشؤون المختلفة من القضية الشركسية. ذلك لأن الامة الشركسية منتشرة بين الوطن والشتات في انحاء العالم، مما يجعل وجوب استعمال لغات ومراجع مختلفة متعددة، تهدف في النهاية الى تبيان حقيقة الابادة والتهجبر.

Share Button

أضف تعليقاً