لوسي العجوز تنفخ في غبار الرماد

لوسي العجوز تنفخ في غبار الرماد

تقديم: عادل بشقوي

20 فبراير/شباط 2019

ef3d6b82f73e54bfbffb4e07ff0e4ac9--lucy-van-pelt-i-love-lucy

تذكَّرْتُ قِصَّة لوسي العجوز الشِّرّيرة التي قصّها علي أجدادي، حيث واظَبَتْ لوسي على الإسراع بالخديعة والمراوغة إياها. دأبت على إدارة وجهها لتلتفت يمنة ويسرة لتنفض غبار رماد الأبرياء عن وجنتيها المُتّسختين. وتقوم برفع يديها الملوّثتين ببقع الدماء لتُفْسدَ كل ما تلمس، بينما هي تعملُ على إدامةِ تنفيذِ مخطّطاتِها التي صُمِّمَتْ ونُفِّذت في الماضي وجَعْلها تُلائِمُ مُتطلباتِ الحاضر.

في حين استرعى انتباهي في مقال نشره رابط على الإنترنت باسم ”البوابة“ بتاريخ 18 شباط/فبراير 2019، بعنوان ”الغرب يستخدم سلاح الأقليات للضغط على موسكو“، عدم احتوائه على مصدر أو إسم كاتب، وهذا يفترض أنه نُشِر من قبل محرِّر الموقع نقلا عن مادة منقولة ومترجمة عن لغةٍِ أخرى. لقد صُدِمتُ من المفاخرة في الازدراء وتقزيم المثقّفين والمتابعين إلى حد التعامي وافتراض جهل الآخرين، وكأن النّكبات وعمليّات الجرائم والتطهير العرقي والتهجير القسري التي اقتُرِفت في الماضي، والتي لا تزال آثارها وتداعياتها ماثلة أمامنا حتى الوقت الحاضر لم تحدث. إن الشركس يعلمون علم اليقين أن ”ما حكَّ جِلدك مثل ظُفرِك“ (١)، ولذلك فهم لا يعتمدون على الآخرين لاستعادة حقوقهم.

ويذكر المنشور بلهجة لا تخلو من المسكنة والمذلة أن “دول غربية تستخدم سلاح الاقليات لاحراج والضغط على روسيا”، وهذا يدل على مدى الإحراج الذي يشعر به من يفكر بما فعلته الإمبراطورية القيصرية الروسية. وعلى أي فإن المنطق السليم يفرق بين التواضع والمسكنة.

وتعبير ”بشكل مفاجئ ومتوازي“ الذي ورد في المقال المشار إليه، فيما يتعلق بالنشاطات الشركسية على سبيل المثال، غير صحيح على الإطلاق، لأن التهجير من الوطن لم يحدث بشكل مفاجئ، بل عندما شنَّت روسيا القيصرية عدوانها على وطن الشراكسة على مدى عشرات السنين، للإستحواذ عليه وتهجير سكانه، وبالتالي فإن هؤلاء الضحايا وبالتوازي لم يكن وجودهم في عشرات البلدان في عالم اليوم على سبيل المصادفة، بل أن  هؤلاء هم أبناء وأحفاد المُهجّرين الذين أُجبروا على التوجه الى المجهول على متن السفن الشراعية البالية وهي تعبر أمواج البحر الأسود العاتية. وفي نفس الوقت لم ولن يغفلوا مطلقاً عن حقوقهم التي سُلِبت واغتصبت منهم، حتّى وإن بقوا يعيشون وفق التقسيمات الإدارية العشوائية في الوطن الأم.

لم تكن ”مؤتمرات ومحاضرات لجمعيات ومؤسسات تعتبر نفسها ممثلة عن الاقليات في روسيا، هذه المظمات والمراكز والمؤسسات مدعومة من دول غربية وتعمل انطلاقا من عواصمها،“ بل على العكس تماماً، فهي فعاليات المهجّرين وأحفادهم التي تُعقد في بلدان الشتات. في دول سقف الديمقراطية والحرية بها يكفل لكل فرد أو منظمة غير حكومية أن يعبروا عن آرائهم وهواجسهم والبحث عن الطرق التي تكفل ابراز الحقائق الموثّقة المتعلقة بهويتهم، والتي ستساعد على استعادة الحقوق المشروعة وفقا للقوانين والأعراف الدولية. والقاسم المشترك في هذا الشأن هو أن الوريث الشرعي للإمبراطورية القيصرية الروسية والدولة السوفياتية، هي الدولة الروسية الحالية التي لا تزال تتنكر لحقوق الشعوب التي لا تسقط في التقادم.

لن يفيد تقمص دور الضحية وفي نفس الوقت، لعب دور دولة يستهدفها أناس مدنيون عُزّل يتّبعون الأساليب المشروعة والقانونية والسلمية والبعيدة كل البعد عن العنف، لكن المُحِقَّة، في ظل الدعاية المعادية التي يمكن أن توصف بأنها حملة مسعورة من التضليل الإعلامي المضاد، الذي لم يعد ينطلي على أحد. إن شن حملة تستهدف تشويه سمعة أشخاص ونشطاء رائعين يبذلون الجهود المضنية من اجل اتباع القوانين، لمعالجة بعضٍ من المشاكل التي أوجدها احتلال الغزاة القياصرة ولا زالت بدون حل عادل، لن تجدي نفعا، مهما حاول المضللون والمشكِّكون والموتورون،  وكما قال سقراط الحكيم: ”راحة الحكماء في وجود الحق، وراحة السفهاء في وجود الباطل،“ (٢) لكن أخيرا، لا يصح غير الصحيح.

إنها محاولات طمس آثار الجرائم التي اقتُرفت ضد أمم عديدة، ومنها الأمة الشركسية تحديداً، بالإضافة إلى شن حملات عدوانية جلبت الموت والرعب والدمار، كان قد تم التخطيط لها تحت القباب التي ظهرت في الصورة التي نُشِرت مع المقال المغرض. والتركيز في المقال على القول أن هناك ”حملة تدعو الى عودة الاقليات الشركسية والشيشانية من عدة دول في العالم الى دول الاتحاد السوفييتي وخاصة منطقة القوقاز في روسيا،“ غير صحيح وغير منطقي وهو ليس سوى رش الرماد في العيون. إن ”عودة“ أفراد من الأمة الشركسية إلى وطنهم في الجزء الشركسي من شمال القوقاز ليس معيبا وليس محظورا في نظر القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وليس للشركس ”وطَنَ أُمٍ“ آخر غير شركيسيا. وليس صحيحا بالمطلق أن الشركس يريدون العودة إلى ”دول الاتحاد السوفييتي“، بل الى الوطن الذي يحوي جذورهم والمجبولة تربَته بعَرَقِ ودماءِ آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين.

والمضحك أن المقال المجحف يذكر أنه ”مؤخرا احتضنت مدينة نورنبيرغ بالألمانية مؤتمرا لمنظمة شركسية هدفها الحض على العودة وبدأت بجمع تبرعات لتمويل هذه الدعوات، وليتفاجأ المتابعون بان مواقع الانترنت التي خصصت لجمع مبالغ التبرعات قد اختفت، وتبخرت الاموال التي تبرع بها المؤيدون للفكرة.“ لا يعدو ذلك سوى هراء وكذب وزيف وتضليل. وفي سبيل التعليق على ذلك، لا بد من ذكر سبب عقد المؤتمر الشركسي الدّولي الأول في نورنبيرغ، الذي لم يكن مكان عقده سوى محض صدفة. لم يكن يعني ذلك من حيث المبدأ أن يتذَكَّر المؤتمرون محاكمات جرائم مجرمي الحرب في نورنبرغ التي انعقدت فيها بعد الحرب العالمية الثانية (٣)، لكن لا بأس إن فعلت ذلك.

ما حدث هو أن الجمعية الشركسية في نورنبرغ اتفقت مع منظمة العودة في كندا بالتعاون مع منظمات ومؤسسات شركسية أخرى على عقد المؤتمر في نورنبرغ ليكون موقعا متوسطا لتسهيل حضور الشركس من كافة أماكن تواجدهم بما في ذلك الوطن الأم. لم يكن كما وُصِف في محاولات الإساءة والتشويه، ولم يتم جمع تبرعات بالمعنى والتوصيف الذي ذُكِر، وعليه فإنه لم تجري عمليات تبخر وإخفاء مالي. ومن تابع فعاليات المؤتمر، فإنه كان من المستطاع الاستماع الى كافة الفقرات  بنقلٍ حيٍ على الإنترنت مباشرة، وهناك تسجيل فيديو لكافة الفعاليات متوفرة الآن على موقع يوتيوب.

وما تم ذكره عن قيام ”مؤسسة gamston foud بدور مواز“، فهو عار عن الصحة تماما وليس له أي قدرٍ من المصداقية، بل هو شمّاعة يجري تداول الكلام بشأنها من قبل المتعاونين مع الذين اخترعوها، خاصة وأن الذي أعد المقال للنشر لم يعرف كيف يكتب اسم مؤسسة جيمس تاون المختصة بإعداد الدراسات والأبحاث، لا باللغة العربية ولا باللغة الإنجليزية، لكن بدت وكأنها مشتقة من اللغة الروسية. ويكمل المقال الذي يبدو أنّهُ مُعَد بشكل استخباراتي ركيك لِيزْعُم دور ”المنظمتان على خلق الازمات ورفع مستواها بتوجيه ودعم اميركي كندي على وجه الخصوص ليتم استغلال هذا الملف سياسيا في المرحلة المقبلة وتحديدا لاستهداف الامن في منطقة القوقاز الشمالي،“، وكأن الشركس قد نذروا انفسهم لخدمة الغرباء، الذي هو عارٍ عن الصحة.

في حقيقة الأمر أن الشركس ما برحوا يكافحون محاولات تزييف التاريخ الذي قامت به الإمبراطورية القيصرية الروسية والأنظمة المتعاقبة التي توالت على حكم شمال غرب-القوقاز. ويختلق التقرير أنّهُ اعتمادا على ”ما يتوفر من معلومات فانه يتم ترويج معلومات مزورة ومغلوطة في صفوف الاقليات والمجتمعات المعنية في العالم، ويتم التوجه حاليا الى الاقليات روسية الاصل في تركيا وتحريضها على العودة بعد ان قضت سنوات طويلة في مستقرها الحالي واقامت مؤسساتها وحياتها المستقرة.“ وكأن رغبة المُهَجَّرين الذين هم ليسوا من الروس، في العودة الى وطنهم التاريخي يصب في عكس المصلحة الروسية.

وفي سياق التهجم المضلل يذكر البيان الإستخباراتي: ”وقد انطلق هذا الرجل بدعوته الى عودة الاقليات وخاصة الشركس الى روسيا، طالبا استعادة اراضيهم واملاكهم واعتبارهم لاجئين وتحميل روسيا المسؤولية في اعانتهم واغاثتهم من دون ان يكون لديه اي تدقيق في هذه الدعوة.“ فما هو معنى الكلام الفارغ، وكيف عرف معد هذا التقرير الاستخباراتي أن ”هدف الرجل ادانة روسيا واحراجها، ووضعها في صورة الرافضة لاستقبال الشركس، ومنع المساعدات عنهم، ووضعها في سياق الدول التي تنتهك حقوق الانسان والتي تتبع التمييز العنصري، وفتح ملفات هذا البلد والحروب الداخلية منذ ايام دولة القيصر،“ وبما أن كل الذي ذّكر صحيحا، فمعنى ذلك أن ذلك يتماهى مع الحكمة التي تقول أن ”الضمير الشاعر بالإثم في غير ما حاجة إلى مُتَّهِم“. (٤)

والدليل أن المقال المنشور، حتى ولو أنه جاء ركيكا وضعيفا وغير موفقاً، لكن النظر الى بعض الرسائل المراد سواء توصيلها أو توزيعها على شكل إشاعات ومعلومات مغلوطة، يدل على خلط الحابل بالنابل. إن ما يجري في شبه جزيرة القرم واحتلالها وما يجري على الحدود الجنوبية الشرقية من أوكرانيا وما يجري في سوريا وما جرى في عام 2008 في جورجيا، ليس من الشأن الشركسي، الذي يتطلب الإعتراف بالإبادة الجماعية الشركسية وتداعياتها وضرورة الإعتذار للأمة الشركسية على ما حل بها من ظلم واضطهاد. وكيف يذكر المقال ما لا يفيد أو يتعلق بالقضية الشركسية، ويقحم دولا هي غير مهتمة أصلا بمعاناة الأمة الشركسية… ”تحاول الولايات المتحدة والدول الغربية عرقلة الانجازات الروسية في سورية وعرقلة المساندة في فنزويلا ووقف سيطرتها على دولة الاتحاد السوفيتي سابقا وخاصة اكرانيا وفضائها“.

ويقول التقرير الإستخباراتي: ”في روسيا لا يوجد مؤسسات معنية باغاثة اللاجئين وتقديم معونات وبالتالي دعوة الناشط سوكار ستورطه وتضع فريقه المؤيد والحكومات التي تدعمه في موقف محرج.“ بينما تثبت الحقائق التي يمكن الإشارة إليها أن الدولة الروسية واجهزتها وسلطاتها في الجزء الشركسي من القوقاز تحديدا، قدّمت خدمات من الدرجة الأولى للاجئين الذين قدموا من أوكرانيا في السكن والعمل والعلاج والتعليم والإقامة المريحة وكافة مناحي الحياة. في حين تم اجلاء بعض اللاجئين الشركس الذين قدموا إلى وطنهم التاريخي اثر الحرب الأهلية في سوريا من اماكن تم اسكان اللاجئين ”الروس“ الذين قدموا من أوكرانيا مكانهم.

ويمكن اسداء الشكر للهاوي، مُعِد هذا التقرير الإستخباراتي غير المترابط وفق المنطق لما أتى على ذكره في آخر فقرة، والذي يدل بما لا يدع مجالا للشك على الجهل في أمور ومسلمات عديدة. ”العرف الدولي هو استقبال اللاجئين واغاثتهم ومد يد العون لهم، وحمايتهم، ومن ثم اعادتهم الى دولهم بعد ان تهدا الاوضاع الامنية والسياسية، فيما المواطن المقيم لا يتمتع باي حقوق وليس له الحق بالحصول على اي نوع من الاغاثة في الوقت الذي تعتبر روسيا الاقليات مواطنين عائدين الى دولتهم.“ هو يعرف أن يذكر ”العرف الدولي“، لكنه يتعامى عن أن حق الأمة الشركسية الأصيلة في العودة إلى وطنها مُصان وهو مضمون ومكفول وفق القوانين والأعراف الدولية، ولا يسقط بالتقادم أي بمرور الوقت. في حين يقول المثل الدارج أنه ”مهما شرّقْتَ أو غرّبْتَ فلن تجِدَ خيراً من الوطن“.

رابط المقال المذكور


Share Button

أضف تعليقاً