اتجاهات العلاقات الشركسية-الجورجية

اتجاهات العلاقات الشركسية-الجورجية

بقلم: عادل بشقوي

28 أكتوبر/تشرين الأول 2019

IMG_1744

الصداقة الحقيقية هي إحدى أكثر العلاقات جاذبية واحترامًا والتي تحدث بين شعبين أو أمتين مختلفتين (أو أكثر). يمكن أن يكون ذلك في حالة عابرة للقارات، لكن تكون أكثر صلابة إذا كانت الشعوب ضمن نفس الإقليم (القوقاز في هذا المثال). ويمكن وصف التاريخ المشترك بين شعوب القوقاز بأن هناك صراعات تحدث على نطاق ضيق. في حين أن الحروب على هذا النحو لم تحدث قط بين شعبين من شعوب القوقاز (باستثناء عندما يكون هناك طرف أجنبي (ثالث) متورط في التحريض و/أو المشاركة المباشرة).

لم يثبت الماضي مطلقا أن الجانبين قد دخلوا في صراعات حقيقية، خاصة وأن الشركس والجورجيين اعتنقوا الديانة المسيحية ابتداءً من القرن الثالث الميلادي.

الأخذ في عين الاعتبار ومعالجة المسائل المهمة التي تؤثر على هذين الشعبين ومعالجتها، سهّلت معالجة الأولويات التي تؤثر بشكل مباشر على الموقف المتعلق بالمسائل الحاسمة، مثل القضية الشركسية.

افتتحت المؤتمرات والاتصالات والحوار مع الالتزام بالوقار الباب للتعبير عن الصداقة الحقيقية والبرامج المشتركة بينهما، دون تأثير لطرف ضد الآخر.

يتم التشابه في الثقافة والفن والأدب والموسيقى والرقص الشعبي والزي الوطني. هناك بعض التشابه في الكلمات ومعانيها مثل:

الإتيكيت الجورجي – الخابزه الشركسية

تمادا الجورجية – تحمادا الشركسية

ناهيك عن كرم الضيافة ، والكرم ، والوفاء بالوعود والعهود، والتحلي بعقلية القوقاز.

دعوني ألقي بعض الضوء على الموضوع بإيجاز من خلال المراحل التالية:

الماضي –

تعد الحضارتان الشركسية والجورجية من أعرق حضارات أمم القوقاز، وهما عنصران رئيسيان في فسيفساء وحضارة القوقاز. يعكس هذا المثال واقع الحضارات الرائدة القديمة التي ساهمت في تعزيز الحضارة الإنسانية.

”يمتد الإيمان عميقا في جذور جورجيا، وغالبًا ما يفوق أي تحديات تواجهها الأمة في تاريخها الطويل. أصبحت المسيحية دين الدولة منذ القرن الرابع في بعض أجزاء جورجيا. وفي القرن الخامس، ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الجورجية. يعود تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة إلى ما يتراوح بين القرنين الخامس والعاشر“. [1]

كلا الأمتين كانتا هدفا لطموحات وجشع الغزاة الأجانب. وتتميزان بخصائص التعايش ومقاومة الغزاة عبر التاريخ، وصولا إلى الإخضاع القيصري الروسي في القرن التاسع عشر.

الملاحم النارتية الجورجية: يشارك الشراكسة مع الجورجيين في بعض أجزاء جورجيا الملاحم النارتية، والتي تتكامل في ثقافات القوقاز وحتى متوافقة معها. ”إن ملاحم النارتيين هي قصص بطولية، وهي قديمة للغاية ومتنوّعة. إنها تحدث في جميع أنحاء شمال القوقاز، بين الشيشان والإنغوش والأوسيتيين والشراكسة وأقاربهم، وحتى بين الكارتفيليين الذين يتحدثون لغة سفان والجبليين الجورجيين في أقصى شمال جورجيا“.[2]

الماضي القريب –

لم ينضم الجورجيين تمامًا بشكل طوعي، مثلهم مثل الشراكسة إلى الإمبراطورية الروسية، وذلك على عكس المزاعم الكاذبة والدعايات والمعلومات الخاطئة. ”لم تنضم جورجيا إلى الإمبراطورية الروسية بمحض إرادتها. لكن في عام 1801 ضمت روسيا مملكة كارتلي-كاخيتي، وبعد ذلك، ضمت روسيا أيضا الممالك والإمارات الأخرى في جورجيا“.[3]

بينما بقيت شركيسيا تحت الحكم الروسي، كانت جورجيا قادرة على الاستقلال لأكثر من عامين بقليل؛ لكن كان هناك احتلال دموي آخر يبدو في الأفق. ”25 فبراير/شباط 1921 هو أحد التواريخ المأساوية والمؤلمة في تاريخ جورجيا. في هذا اليوم، فقدت جورجيا مرة أخرى استقلالها المكتسب حديثًا الذي استمر أقل من ثلاث سنوات. بعد فترة وجيزة من تحرير نفسها من حكم الإمبراطورية الروسية الذي استمر أكثر من قرن من الزمان وإعلان استقلالها في مايو/أيار من عام 1918، غزا الجيش الأحمر جورجيا في فبراير/شباط من عام 1921“.[4] وتكررت محاولة التوغل الأخيرة في 10 أغسطس/آب 2008. ”كان للرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي، الذي شغل منصب رئيس الاتحاد الأوروبي، دورا فعّالا في إقناع جورجيا وروسيا بالموافقة على خطة سلام في الفترة من 15 إلى 16 أغسطس/آب“.[5] وبالتالي اضطرت القوات الروسية للانسحاب من الأراضي الجورجية.

نشر البروفيسور نايكو جافاخشفيلي من جامعة إيفاني جافاخشفيلي / تبيليسي الحكومية مقالا عن الرأي العام الجورجي المعاصر في أواخر القرن التاسع عشر، وذكر:

”لقد وجدت مأساة الشعب الشركسي تعاطفًا شديدًا من جانب الممثلين التقدميين للجمهور الجورجي في ذلك الوقت. وتجدر الإشارة إلى أن الجورجيين كانوا دائما يكنون احتراماً عميقا للشعب الشركسي. هذا هو السبب في أن التاريخ البطولي ومعاصرتهم للشعب الشركسي، وعلى وجه التحديد التهجير وتداعياته الخطيرة على نطاق واسع في كلا وسائل الاعلام المطبوعة والروائية. كانت وسائل الاعلام الجورجية المطبوعة في الفترة بين الستينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر نشطة على وجه الخصوص“.[6]

”أثنت المقالات المنشورة في الصحف الجورجية على الشراكسة البواسل بوصفهم محاربين شجعان، وهو المشهد الذي نشر الخوف في روسيا“.[7]

”اعتُبِرَتْ مذكرات الشاعر الجورجي الشهير والشخصية العسكرية المعروفة غريغول أوربلياني (Grigol Orbeliani) {1804 – 1883} رحلتي من تفليس إلى سان بطرسبرغ واحدة من أفضل قطع النثر الموضوعي الجورجي. كُتبت اليوميات في الفترة بين 1831 – 1832، عندما قام الشاعر، وهو في طريقه إلى سانت بطرسبرغ، بزيارة قباردا. تحتوي اليوميات على بيانات جديرة بالملاحظة حول طريقة الحياة للقباردي في ذلك الوقت ، الذين هم من الشركس. وقد أشاد المؤلف بطابع الناس المتّسِم بحبهم للحرية واتصافهم بالشهامة“. ”[8]

الحاضر –

من المناسب أن نذكر في هذا الحدث غير المسبوق، سير وتقدم الاعتراف الجورجي بالإبادة الجماعية الشركسية:

تم عقد مؤتمرين شركسيين في تبليسي عام 2010 (مارس/آذار ونوفمبر/تشرين الثاني) تحت عنوان ”الأمم المغيّبة، المجابهة للجرائم: الشّركس وشعوب شمال القوقاز بين الماضي والمستقبل“.

في شهر مارس/آذار 2010، قام نشطاء شركس يشاركون في المؤتمر الشركسي الأول في تبليسي، بتوقيع خطاب رسمي ينادي بالاعتراف بالإبادة الجماعية الشركسية.

أتاحت السلطات الجورجية الفرصة للشركس الوصول إلى الوثائق المحفوظة في الأرشيف الجورجي في تبليسي.

بعد أربعة عشر شهراً، أقرت اللجان البرلمانية الجورجية المختصة مشروع قرار يعترف بمذبحة الشركس وترحيلهم في القرن التاسع عشر. وفي العشرين من شهر مايو/أيار من عام 2011، صوّت البرلمان الجورجي على مشروع قرار أسفر عن الموافقة على الاعتراف بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي لحق بالأمة الشركسية في القرن التاسع عشر.

في 21 مايو/أيار 2012، تم افتتاح نصب تذكاري لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية الشركسية في منتجع أناكليا في جورجيا على ساحل البحر الأسود، وهو أحد الموانئ البحرية التي استخدمت لترحيل الشركس إلى الإمبراطورية العثمانية. وفي نفس الوقت، أقيمت فعاليات أيام الثقافة الشركسية. [9] [10]

تأسس المركز الثقافي الشركسي في تبليسي، والذي يرأسه الآن البروفيسور ميراب شوخوا. ويتعيّن علينا أن نذكر البحث الرصين بعنوان: ”تاريخ المشكلة، وتأريخ الأحداث، والاستنتاج العلمي“،[11] الذي أعده وقدمه إلى البرلمان الجورجي. ويعتبر البحث واحدا من الركائز الرئيسية التي كان البرلمان الجورجي مقتنعًا بها للاعتراف بالإبادة الجماعية الشركسية. توضح هذه البادرة ذات المغزى المعاني السامية التي يستنتجها التعبير، ”الصديق وقت الضيق“.[12]

”حصلت ملاحم النارتيين، وهي إحدى أقدم الملاحم الشعرية في القوقاز، على حياتها الثانية وذلك عبر عروض مسرحية على مسرح شوتا روستافيلي وجامعة جورجيا للأفلام الحكومية. قامت مجموعة من الممثلين الشباب بأداء القصص القديمة عن الشجاعة والصداقة والحب باللغتين الجورجية والأوسيتية“.[13]

أقيم مهرجان لشعر القوقاز مؤخرًا في أناكاليا في الفترة من 20 إلى 23 سبتمبر/أيلول 2019، وذلك بمشاركة بعض شعوب القوقاز منها الشعب الشركسي. [14]

آفاق المستقبل –

يكمن المستقبل الواعد لشعوب القوقاز في تضامنها وتعاونها وحوارها المباشر فيما بينها. سيمكن ذلك من حل وتسوية أي خلاف على الإطلاق، دون تدخل أجنبي. وسيساعد على اتخاذ الخطوات المناسبة والشجاعة والحكيمة من أجل الولوج الى المستقبل بثقة وأمل وسلام.

وخلال إحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية والترحيل القسري، ”قال بابونا دافيتيا (Papuna Davitaia)، وزير الدولة الجورجي السابق لقضايا الشتات، إن هذا [النصب التذكاري] هو خطوة مهمة نحو تضامن القوقاز، مضيفًا أن الدولة الجورجية أصبحت الآن قادرة على تنفيذ سياسة القوقاز والانخراط مع شعوب شمال القوقاز“.[15]

الخاتمة

لذلك أؤكد من جديد أن الإرادة الصلبة للحفاظ على الصداقة الحقيقية بين الشراكسة والجورجيين، والتي أثبتت متانتها وديمومتها. من الواضح أن هناك إمكانية لحل أية مشكلة بين شعوب القوقاز دون تدخل الغرباء، على أمل أن تكون هذه الصداقة نموذجًا ومثالًا تتبعه جميع الشعوب والأمم في القوقاز.

وأود أن أذكر الاقتباسات الملهمة التالية عن الراحل نيلسون مانديلا:

في فبراير/شباط 1985، وردًا على عرض بالإفراج عنه إذا نبذ العنف، قال مانديلا: ”الأحرار فقط هم من يستطيعون التفاوض؛ فالسجناء لا يستطيعون إبرام أي عقود أو اتفاقات. وحريتك وحريتي لا يمكن أن تنفصلا“.[16]

كما كتب في فبراير/شباط 1975: ”الصعوبات تكسر البعض، لكنها في الوقت نفسه، تصنع آخرين،  ليس هناك فأس بالقدر الكافي من الشدة،  للنيل من روح وعزيمة الإنسان الذي لا يكف عن المحاولة، مُسلّحا بالأمل الذي يغرس فيه الثقة في إمكانية النهوض في نهاية المطاف“. [17] [18]

*******************************************

المراجع

[1] (http://georgiatoday.ge/news/7177/Christianity-in-Georgia%3A-The-Resilience-of-a-Faith-%26-Nation)

[2] (Nart Sagas from the Caucasus by: John Colarusso)

[3] (https://www.mythdetector.ge/en/myth/falsification-history-1801-georgia-joined-russia-its-own-free-will)

[4] (https://www.georgianjournal.ge/society/32243-february-25-1921-heroic-georgians-who-fought-against-russias-red-army.html)

[5] (https://fas.org/sgp/crs/row/RL34618.pdf)

[6] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251662239)

[7] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251662239)

[8] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251662239)

[9] (Page 443, Circassia: Born to Be Free, by Adel Bashqawi)

[10] (https://books.google.jo/books?id=iVM6DwAAQBAJ&pg=PT291&lpg=PT291&dq=the+first+Circassian+Conference+in+Tbilisi+on+March+2010&source=bl&ots=L-fgSFkrXX&sig=ACfU3U0a73E5pglYPMvq8KYSLe9TGZU7qQ&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiWsZ7K7YLlAhXVQhUIHS2BACYQ6AEwAnoECAcQAQ#v=onepage&q=the%20first%20Circassian%20Conference%20in%20Tbilisi%20on%20March%202010&f=false)

[11] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251673396)

[12] (https://www.phrases.org.uk/meanings/a-friend-in-need.html)

[13] (https://www.ge.undp.org/content/georgia/en/home/presscenter/pressreleases/2018/young-actors-perform-nart-sagas-in-georgian-and-ossetian-.html)

[14] (https://www.youtube.com/watch?v=tvLZ1BfkZTA&app=desktop&fbclid=IwAR2NYTOOb_bpT1gYGK_b08YOn3GSvutT5UWhDtnQR18dxmKOaWqGAxcLr_Q)

[15] (Page 444, Circassia: Born to Be Free, by Adel Bashqawi)

[16] (https://www.quotes.net/quote/41800)

[17] (https://www.abahe.uk/negotiation-and-conflict-resolution-enc/96868-%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6.html)

[18] (https://www.facebook.com/notes/mouvement-rachad-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/%D8%A8%D8%B9%D8%B6-%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%87-%D9%86%D9%8A%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%8A%D9%84%D8%A7/579215238819400/)

Share Button

أضف تعليقاً