الإستقلال الشركسي / عصر ما بعد القيصرية – من كتاب “شركيسيا: ولدت لتكون حرة” للكاتب عادل بشقوي

حضرات القُرّاء الأعزاء،

يتم هنا نشر جزء آخر من كتاب ”شركيسيا: ولدت لتكون حرة“ مترجم الى اللغة العربية، وسيتبع ذلك نشر أجزاء أخرى فيما بعد

عادل بشقوي


 

09 يوليو/تموز 2021

الإستقلال الشركسي

الفصل الثاني

عصر ما بعد القيصرية

PHOTO-2021-07-08-23-29-54

كانت نهاية الحرب المدمرة في 21 مايو/أيار 1864. فقد ارتبطت بحملة دعاية شرسة مليئة بالأكاذيب الصارخة. كل هذا تسبب في نهاية المطاف بمآسي وكوارث، لكن شعلة الحرية لم تنطفئ:

ما تبقّى من الأمة الشركسية في الوطن الذين بقوا في القوقاز بعد هجرة غالبية أقاربهم إلى تركيا أصبح مصدر إزعاج لروسيا القيصرية. صحيح أن روسيا تقدمت بقواتها الضخمة إلى الأراضي الواقعة ما وراء القوقاز وعززت حكمها في القوقاز لعقود من الزمن، لكن رغم ذلك لم تنجح روسيا في إخضاع سكان جبال القوقاز بالكامل أو جعلهم رعايا روس سلميين حتى وصول النظام السوفياتي إلى السلطة.172

جعل إيمانهم بهذه المسلمات لا يدّخِرون جهدًا للتضحية بأرواحهم وبأغلى ما لديهم لعقود من الزمن للدفاع عن وطنهم، وهو ما يعني الحرية والاستقلال والحفاظ على الكرامة.

أدى سقوط النظام القيصري نتيجة للثورة البلشفية في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1917 إلى القضاء على بقايا ستة قرون من الحكم القيصري. كان سقوطها إشارة لعدد من الأمم المحتجزة في ذلك السجن الضخم المسمى بالإمبراطورية القيصرية الروسية، لتحرير أنفسهم من نير القيصر. بعد ذلك، تحرر عدد من الدول الأسيرة مثل شعوب فنلندا ودول البلطيق وبولندا وأوكرانيا وجورجيا وأرمينيا وغيرها.173

ومن السمات المهمة للشركس هي طبيعتهم: فهم يحبون ويبجِّلون العدالة والحرية والاستقلال. هذه الفضائل متجذرة في قلوبهم وعقولهم وكذلك في ضمائرهم.

كان سكان شمال القوقاز من بين تلك الشعوب العديدة التي حررت نفسها. لقد طالبوا بالحرية مع الأمم الأخرى، وساعدهم في ذلك الفوضى التي سادت في جميع أنحاء روسيا وضعف الحكومة الروسية خلال فترة ما قبل الحكم الشيوعي المعروفة باسم فترة حكومة كيرينسكي (Kerenski). أقام شمال القوقاز دولة ديمقراطية في 11 مايو/أيار 1918، بقيادة عبد المجيد تشيرموي (Abdul-Majeed Tchermoy). وهكذا تمكّنت الشعوب مرة أخرى من التمتع بحريتها بعد أن حُرمت منها في ظل الحكم القيصري الاستبدادي لمدة 54 عامًا.174

شارك الشركس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في إنشاء دولة مستقلة، حتى بالمشاركة مع شعوب أخرى في شمال القوقاز. وفي نهاية الأمر، أنشأوا اتحادًا كانوا جزءًا منه. لقد أقاموا علاقة متبادلة بين الشعوب التي كانت من ضحايا الاحتلال والاستعمار والتهجير.

فأول من اعترف باستقلال شمال القوقاز كانت الدولة العثمانية التي أرسلت جيشا يعرف باسمالجيش الإسلاميبناء على طلب القوقازيين بقيادة نوري باشا شقيق أنور باشا، وزير الحرب آنذاك. كما أرسل الأتراك جيشًا آخر تحت قيادة بعض الضباط الشركس رفيعي المستوى في الجيش العثماني، بمن فيهم يوسف عزت باشا وإسماعيل برقوق المكلف بتشكيل جيش وطني في شمال القوقاز وكان من المقرر أن يقود ذلك الجيش خلال القتال المتوقّع.175

رحب العثمانيون بإعلان بعض شعوب القفقاس إقامة دولة مستقلة بعد سنوات من الاحتلال الروسي. لكن هذا كان مجرد استغلال للظروف الجديدة التي حدثت وما ستستفيد منه الدولة العثمانية. والدليل على ذلك انه بعد إرسال بعض القوات العسكرية، كان تركيز الاحتلال العثماني على توسيع نفوذه إلى مناطق في جنوب القوقاز مثل أذربيجان وأرمينيا وجورجيا بدلاً من التركيز على منطقة شمال القوقاز أو النظر في احتياجات شعوبها.

في غضون وقت قصير، تمكن اللواء الخامس عشر بقيادة سليمان عزت تسي (Suleiman Izzat Tsey) من التقدم واحتلال باكو. وبعد قتال عنيف ضد الروس في يوم 6 سبتمبر/أيلول 1918، احتل لوائه دربند (Derbend) وبيتروفسك (Petrovsk) بعد ان كانتا تحت النفوذ الروسي. ومع ذلك، فإن تقدم تسي لم يدم طويلاً، لأن معاهدة مودروس (Mudros) سرعان ما تم إبرامها والتي أجبرت الجيش العثماني بموجبها على إخلاء القوقاز وتسليم المهام إلى الجيش القوقازي المحلي الذي تم إنشاؤه بمساعدة العثمانيين. وفي نفس المعاهدة وافقت الدولة العثمانية على هدنة مع قوات الحلفاء.176

بسبب الطموحات الإمبريالية والخيانة العثمانية، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُترك فيها الناس لمصيرهم المجهول وذلك بالتخلي عنهم. ومع ذلك، اعتمد سكان شمال القوقاز على آمال عثمانية كاذبة ووعود جوفاء تبين أنها غير صادقة على الإطلاق.

تمكنت الجمهورية التي تأسست حديثا من البقاء لفترة قصيرة فقط في ظل الطموحات الاستعمارية الروسية، والتي تطورت في قالب وشكل سوفيتيتم القضاء على الجمهورية حديثة النّشأة وأعيد احتلالها فعليًا بطريقة انتقامية وأُعيدَ تسميتها لتصبح جمهورية شمال القوقاز الجبلية.

في عام 1918، وبعد انهيار الحكم القيصري، تم إنشاء جمهورية جبلية في شمال القوقاز تضم داغستان والشيشان وإنغوشيتيا وأوسيتيا الشمالية. قمع السوفييت الجمهورية في عام 1920،  وأصبحت داغستان جمهورية اشتراكية سوفيتية ذات حكم ذاتي وذلك في عام 1921. 177

يتبع…

Share Button

اترك تعليقاً