نظرة على الإبادة الجماعية الشركسية / من كتاب “شركيسيا: ولدت لتكون حرة” للكاتب عادل بشقوي

حضرات القُرّاء الأعزاء،

يتم هنا نشر جزء آخر من كتاب ”شركيسيا: ولدت لتكون حرة“ مترجم الى اللغة العربية، وسيتبع ذلك نشر أجزاء أخرى فيما بعد

عادل بشقوي


12 أكتوبر/تشرين الأول 2021

نظرة على الإبادة الجماعية الشركسية

الفصل الرّابع

 

PHOTO-2021-10-12-10-23-51

ارتكبت القوات الروسية الغازية جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق الشعب الشركسي، والتي تعتبر جرائم ضد الإنسانية، يعاقب عليها القانون الدولي، والتي لا تسقط بالتقادم. كان لهذه المآسي تداعيات مدمرة وخطيرة ومؤلمة حيث أثرت التّبِعات على إجمالي سكان شركيسيا بكل أطيافهم، والعنصر الملح الذي يحتاج إلى الاهتمام والمعالجة هو لغة الأديغه التي تبدو، في ظل الوضع الحالي، انها تنزلق نحو فجوات عميقة من الانقراض. ترتبط اللغة ارتباطًا وثيقًا بالعناصر الضرورية للحفاظ على الثقافة الشركسية وما يرتبط بها، مثل الأدب والنثر والشعر والدراسات والفنون والعلوم والأرشفة والحِرَف اليدوية والصناعات التقليدية. من المهم أن يعترف الروس والمجتمع الدولي بالإبادة الجماعية، وحق العودة، واستعادة الحقوق المشروعة، خاصة تلك المتعلقة بحق تقرير المصير على أساس الشرعية الدولية.

في 15 مارس /آذار 2013، نشر والت ريتشموند مقالًا بعنوانالإبادة الجماعية المنسية في روسياعلى شبكة أخبار التاريخ. وقد سلط المقال الضوء على السنوات المأساوية للحرب الروسيةالشركسية. وأشار إلى الممارسات التي مارستها الوحدات العسكرية الروسية والقادة المجرمون ضد الشركس ووطنهم. كان ذلك جزءًا من نواياهم الشريرة لتدمير جميع عناصر الأمة التي عانت من الجشع والغزو الإستعماري.

جاءت الحملة الأكثر تدميراً في شتاء عام 1822، عندما أحرقت قوات إيرمولوف (Ermolov) المنازل والطعام ونهبت الماشية، تاركة الناس يموتون من الجوع والعوامل الجوية المحيطة. في كثير من الأحيان، جرى ذبح قرى بأكملها. ترك هياج إيرمولوف منطقة قباردا الصغرى بأكملها، التي كانت موالية دائمًا لروسيا، خالية تمامًا من السكان. وواصل إرمولوف تدميره لقباردا حتى عام 1827. ونتيجة لذلك، انخفض عدد سكان قباردا من 300 ألف في عام 1790 إلى 30 ألفًا فقط في عام 1830. 394

إن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها روسيا ضد الأمة الشركسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية من حيث أساليب الوحشية، في نطاق القوات العسكرية التي نشرتها لهذا الغرض، وفي المدة الزمنية التي استمرت في تحقيقها. الحرب الروسيةالشركسية . . . كانت جزءًا من عملية تلك الإبادة الجماعية. كان طرد المواطنين الشركس من أراضيهم الأصلية واستيطان القوزاق فيها، (الذي شهدناه) خلال الحرب الروسيةالشركسية، بداية المرحلة الأخيرة من استكمال تلك الإبادة الجماعية المخطط لها جيدًا والمنفذة بشكل منهجي.395

لقد أظهر الروس عنادهم، وذلك يعكس ضغينة عميقة الجذور ضد كل ما هو في القفقاس وفي شركيسيا. إنهم ينسون أو يتجاهلون أن العدالة يجب حتمًا أن تتحقق، وستستعيد جميع الأطراف حقوقها. لكن الأمر المؤسف هو أن بعض الناس يحتفظون بعلاقات صداقة قوية مع أولئك الذين لا يدركون أن الشركس لديهم وطن شركسي. إنهم يحرمونهم من حقهم في ممارسة حقوقهم المشروعة وحقهم في وطنهم، وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 396 وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، 397 وحتى وفقًا للقوانين الروسية. إن النظر في وجود قضية يجب الدفاع عنها بكل الطرق والوسائل المشروعة يتطلب جهدًا شاقًا، ولا يُغض الطرف عن ذلك لأن من يفقد وطنه يخسر كل شيء؛ ”الحق سوف يسود، وما بقي {مع مرور الوقت} سوف يزول”.

وعند تناول خصائص أربع قبائل شركسية وهي (ناتخواي، وشابسوغ، وأبزاخ، وأوبيخ)، فيكون النّص: ”نتيجة لذلك، وبحلول القرن التاسع عشر، فاق عدد أفرادها عدد أفراد القبائل الشركسية الأخرى مجتمعة. هؤلاء هم الأطراف الذين رفضوا الاستسلام للمطالب الروسية، فقرّرت القيادة العسكرية الروسية القضاء عليهم بأي ثمن“.398

الأرقام ترصد الأحداث التي وقعت:

في هذا الاستنزاف الطويل نتيجة للحرب، عانى الشركس من خسائر فادحة في الأرواح البشرية، وصلت إلى 800 ألف قتيل، وسقطت بلادهم في حالة خراب. تم القضاء على العديد من القبائل تمامًا واقترب البعض الآخر من حافة الانقراض. تم القضاء على أفراد قبيلة الشابسوغ، الذين كان عددهم حوالي 300000 قبل الحرب، عن آخرهم على وجه التقريب. الناجون الثلاثة آلاف، وهم أجداد سكان منطقة شابسوغ الحاليين، إما أنّهُم عبروا نهر كوبان فرارًا أو أنّهُم وجدوا ملاذاً في الجبال والغابات. وقد تم نفي سكان آخر قرية للشابسوغ، وهي تخاغبش (Tkha-ghapsh)، وعددهم حوالي 140 نسمة، إلى سيبيريا.399

يُذكر أنجميع أفراد قبيلة الأوبيخ الذين كان يبلغ تعدادهم حوالي 30.000، اختاروا الهجرة بدلاً من إعادة توطينهم في منطقة كوبان“. بالإضافة إلى ذلك، يُذكر أنهذه ربما تكون أقسى واقعة إبادة جماعية غير معروفة في التاريخ حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ويقدر عدد سكان شمال القوقاز الذين غادروا إلى الإمبراطورية العثمانية بين عامي 1859 و 1881 بنحو مليوني شخص. كانت الظروف سيئة للغاية وتوفي ما يصل إلى 20٪ منهم بسبب سوء التغذية وتفشي الأمراض“.400

فبدلاً من التهجير إلى الإمبراطورية العثمانية، قبل بعض السكان مرارة مغادرة مكان معيشتهم للنزوح إلى السهول الواقعة في شمال وطنهم الأصلي.

أولئك الذين بقوا في القفقاس، والبالغ عددهم بين 150 – 200 ألف، تم تجميعهم لإعادة توطينهم في السهول الشمالية للقوقاز حيث كان من السهل السيطرة عليهم. الطرد الجماعي للأبزاخ (Abzakh) والبيسلاني (Beslanays)، الذين شغلوا الجزء الأوسط من شركيسيا، ما يعني أن سكان شمالغرب القفقاس تم فصلهم أو تجزئتهم جسديًا (هيكليًا) إلى ثلاث كيانات رئيسية.401

تؤكد الحقائق حصول تطهير لساحل البحر الأسود من الشركس وإعادة توطينهم في اماكن أخرى من قبل الآخرين: لقدتم تطهير الساحل الشماليالشرقي للبحر الأسود تمامًا من الوجود الشركسي. أصبح وطن الشركس الأصلي مؤاتٍ للاستعمار السلافي وللقوزاق“. جاء ذلك بعد قتل الشركس أو إجبارهم على الابتعاد عن وطنهم التاريخي، حيث تلى ذلك تقسيم الأمة: ”لقد كانت ممارسة كلاسيكية وشريرة للمبدأ الميكافيلي {فرّق تسد}. ومن الجدير بالملاحظة أنه خلال الحكم السوفيتي، كان من المقرر إنشاء أربعة كيانات في شمالغرب القفقاس ضمن هذه التقسيمات“.402

وفي الوقت الحاضر، تُبذل محاولات لتحويل الأحداث التاريخية إلى مسار رجعي ارتدادي باستخدام حقيقة أن العالم كله يغلق أعينه وآذانه، تاركًا الشركس وحقوقهم المشروعة في وضع يمكن وصفه بأنه موضع لامبالاة لحرية أمة مضطهدة،  لا يزال وطنها محتلًا منذ أكثر من 152 عامًا.

وفقًا لمايكل روثبرغ (Michael Rothberg)، هناك فهم واسع النطاق للذاكرة الجماعية باعتبارها صفقة خاسرة تعمِّق فهم الذاكرة على أنها تنافسية: ”من الأمور الأساسية لمفهوم الذاكرة التنافسية مفهوم المجال العام كمساحة محددة مسبقًا ومحدودة تنخرط فيها المجموعات القائمة بالفعل في صراع حياة أو موت“. إن لم يكن هذا الفهم للذاكرة التنافسية حرفياً فهو صراع حياة أو موت، ويتوافق هذا الفهم للذاكرة التنافسية من نواح كثيرة مع السياقات الروسية الأوسع وكذلك مع السياقات الشمالية القوقازية بشكل أكثر تحديدًا.403

نقل موقع أديغي هيكوم (Adyghe Hekum) وماكصوت شركيسيا (Mak—Voice of Circassia) نقلاً عن كافكازيا نيت (kavkasia.net) كمصدر مطلع ونشر أن وكالة الأنباء الجورجية (Georgian News Agency) {GHN}404 ذكرت بأنروسيا طلبت بشكل قاطع من جورجيا في المفاوضات الجورجيةالروسية التنصل من الاعتراف بالإبادة الجماعية الشركسية ووقف الترويج للموضوع“. ووفقًا لمصادر أخرى، فإن روسيا ترغب أيضًا في إزالة النصب التذكاري الذي أقيم في منتجع أناكليا (Anaklia) على شاطئ البحر الأسود، في جورجيا، تخليداً لذكرى ضحايا الحرب غير المتكافئة وغير العادلة التي دارت بين مئات الآلاف من الجنود المدربين تدريباً جيداً ومرتزقة الإمبراطورية القيصرية الروسية من جهة ضد الأمة الأصلية لشركيسيا من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى احتلال الوطن الشركسي بأكمله بعد حرب وحشية استمرت لما يقرب من مائة عام، مع كل العواقب الكارثية المرتبطة بها.

حتى لو كان هذا صحيحًا، ورضخ الجورجيون لضغوط الدولة الروسية عليهم، فإن ذلك لن يغير الحقائق والوقائع. ويُلزم المنطق الدولة الجورجية بالالتزام بالقواعد الأخلاقية من خلال عدم السماح بالانسحاب من وعودها وعهودها، والتي يجب أن تلتزم باحترام الدولة لنفسها وكرامة شعبها، وهو ما يخضع للإختبار في هذا المثال الحي. إن عدم اتباع المبادئ الأخلاقية من شأنه أن يجعل القضية تبدو وكأنها تستجيب للمطالب الروسية؛ والإملاء على الآخرين على ما يجب عليهم فعله وماذا يقولون، بطريقة تُظهر أنهم في الصدارة وعلى رأس الأحداث، بطريقة تمنح أنفسهمترخيصًا بعدم الاحترام“.

وزعم المقال أن كبار المسؤولين الجورجيين السابقين قد حثوا الشركس على رفض السماح لجورجيا بإعادة النظر في الاعتراف بالإبادة الجماعية بسبب الضغط الروسي المفروض على الحزب أو على الائتلاف المنتخب حديثًا الذي شكل الحكومة الجورجية الحالية. المنطق يفرض عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجورجيا. يحاول آخرون التدخل في الشؤون والسياسات الجورجية لأن الحكومة والبرلمان الجورجيين يتحملون المسؤولية والالتزام الأخلاقيين على حد سواء، ليس فقط لدعم الحقوق المشروعة للشركس، لكن أيضًا لاحترام الالتزامات الجورجية فيما يتعلق باحترام الذات وتحديدًا تجاه أمم القفقاس الأخرى.

لقد استفادت أطراف مختلفة من العواقب الكارثية بنسب متفاوتة، لكن بالتأكيد، كان الشركس هم الخاسرون.

لقد أنقذت هذه المأساة ثلاثة أطراف. احتل الروس القفقاس الجامح وطردوا منه الشركس العنيدين. خلال الـ 140 عامًا التالية، لم يواجهوا أي تحدٍ خطير لهيمنتهم في شمالغرب القفقاس. اكتسبت تركيا رعايا عسكريين استخدمتهم لزيادة قوتها العسكرية المتضائلة. الطّرف الثالث الذي ضغط بقوة لإحضار الشركس إلى السيادة العثمانية كان بعض أمراء الأديغه المنفيين الذين كانوا في أمس الحاجة إلى الرعايا للحكم والحصول على السُّلطة.405

يتبع…

Share Button

أضف تعليقاً