حفلة بوتين
بالنسبة لروسيا، فإن استضافة دورة الألعاب الأولمبية الشّتوية يمكن أن يثبت انها عادت إلى الظّهور أخيرا كقوة عالمية. ولكن منتجع سوتشي المطل على الشاطئ – هدفا للمتمردين الاسلاميين فيما يدّعى بأنّه موقعاً للإبادة الجماعية — هو المكان غير المستساغ لتنظيم الاحتفال.
أجرى التقرير: بريت فوريست (Brett Forrest)
ترجمة: عادل بشقوي
30 ديسمبر/كانون الأول 2013
(الجزء الأول)
فاليري إنوزيمتسيف (Valery Inozemtsev) يصعد مساراً جبلياً عالياً من خلال الطين المتموج الناتج. كان يتسلق مروراً بعنبر سكن دورة الالعاب الاولمبية، وإلى ما وراء بيتاً ريفياً جديداً مترامي الاطراف لبيروقراطيي موسكو وشاحنات تنقل الحصى وحزم من قضبان الصّلب–عبر كل الأشياء التي لم تكن هنا من قبل. عاش إنوزيمتسيف في هذه القرية التي كانت هادئة في السابق وهي كراسنايا بوليانا (Krasnaya Polyana) في شمال القوقاز الروسي لمدة نصف قرن، منذ ما قبل أن أصبحت مكان اهتمام مُلِحٍ بالنّسبة للكرملين.
و”كان هذا أفضل مكان في الإتحاد السوفياتي”، ويقول. “الطبيعة العذراء البِكْر. والآن …” يخفق صوته خافتاً في في سخط .
ويمضي إنوزيمتسيف، البالغ من العمر 73 عاماً، طويلا إلى أعلى الجبل، بخطوات الشباب. ويصل إلى غابة من أشجار الكستناء، ويتوقف لدفع قبعته البنّيّة ‘لى الخلف. يضع اثنين من أصابعه على شاربه الأبيض الكث، ثم يشير إلى أسفل الجبل إلى الرافعات وعمال البناء مشغولون في تمزيق كراسنايا بوليانا، ويقوموا بتشكيلها إلى إنجازٍ عامٍ ضخم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. “أتخيل أحيانا ان زلزالا سوف يحدث ويدمّر كل شيء”، يكمل إنوزيمتسيف. ومن خلال ضباب الجبال الشاهقة، في أعماق الجنوب لإمبراطورية كانت قوية فيما مضى، فقد دنا موعد إقامة دورة الألعاب الأولمبية.
وروسيا لم تعد إمبراطورية الآن. مثل دول أخرى عظمى وكبيرة، ومع ذلك، فإنها لا تزال تتوق لتكون واحدة. يجب أن تجد متنفسا لإلحاحها، ولأكثر من أسبوعين في شهر فبراير/شباط، سوف تحصل على ذلك. من خلال قوة الإرادة الروسية، فإن الألعاب الأولمبية الشتوية قادمة إلى مكان غير مستساغ. إن ألعاب سوتشي على ساحل البحر الأسود ستجري في الفناء الخلفي لحرب أخيرة مع جورجيا، في موقع يدعوه العديد إبادة جماعية لشعب (الشراكسة)، وفي مدار تمرد إسلامي (في داغستان، والشيشان، وإنغوشيا، وقباردينو – بالكاريا). الدولة بعثت الروح من جديد بميليشيا مخيفة، القوزاق، لتساعد على الحفاظ على الأمن الذي قد يرى البعض أن يقلبه. مزاعم الكسب غير المشروع تسري على نطاق واسع، ودرجات الحرارة العالية تهدد تساقط الثلوج اللازم للمنافسة، ودعا نشطاء للمقاطعة بسبب تشريعات يسنها البرلمان الروسي. وردا على ذلك حظر بوتين الاحتجاجات و المسيرات في سوتشي خلال الألعاب .
وكونها منتجعاً على امتداد شواطئ البحر الأسود، استقطبت سوتشي الأثرياء في عهد القيصر نيكولاس الثاني (Tsar Nicholas II)، ثم القادة السوفيات والعمال الشيوعيّين، لمجمّع للمصحّات أنشئ للتخفيف من الآثار السيئة لفصول شتاء الشمال. هذه الأبنية هي الآن غير مجدية وفي طور التفكك، وسعف النخيل السلافية تنبعث على زبائن أكثر قادمين من الأقاليم في واحدة من المدن شبه المداريّة الروسية القليلة. وعلى الرغم من أن سوتشي تستضيف هذه الألعاب الأولمبية، إلا أن، المنافسات الفعلية سوف تقام في مكان آخر. ستجري منافسات التزحلق على الجليد في أدلر (Adler)، 17 ميلا الى الجنوب على طول الساحل. وسوف تكون مسابقات التزلج في كراسنايا بوليانا (Krasnaya Polyana)، وتقع على بعد 29 ميلا الى الشرق باتّجاه سلسلة جبال القوقاز.
وعلى نحوٍ وثيق فقد تم بناء كل منشأة للألعاب من الصفر–حلبات الجليد في أدلر، ومضمار التزلج وقرى جبليّة متماثلة في كراسنايا بوليانا، والسكك الحديدية والبنية التحتية التي تربط وتمكّن. السعر الرسمي الحالي هو 50 مليار دولار وربما تم التبخيس في ذلك. وحتى مع هذا، فإن أولمبياد سوتشي قد تكلف أكثر من أي ألعاب أخرى جرت من قبل. مع العديد من مليارات من الدولارات استحضرت كالسحر وأخذت بعيدا، وهذه ليست خطة العمل المُحْكمة أكثر من أي وقت مضى. ولكن ذلك ليس من أسس العمل في شيء.
كما أنها ليست في الأساس مسألة رياضيّة. والهدف من هذا الحدث أن يكون تتويجا لإنجازات بوتين، وهو القائد الذي يعتقد كثير من الروس أن العناية الإلهية أرسلته ليقود روسيا بعيداً عن هزائمها وفضائحها. وزُرعت بذرة هذه الألعاب في ذهنه منذ أكثر من عقد من الزمان .
طريق مفرد باتّجاهين يمر من خلال الوادي الّذي تشكّل من العديد من قمم جبال القوقاز في كراسنايا بوليانا. فقط قبل بضع سنوات كانت هذه قرية متواضعة للتزلج لبضعة آلاف من الناس، ووداعتها تحمى من الحشد خارج مكان التزلج المحلي، وهو مكان منعزل وفق ضبط داخلي وانهيارات دورية. وهذا كله انتهى الآن مع البناء الضّخم وال20000 من العمال المهاجرين الذين وصلوا لإعادة تشكيل القرية. مزيداً من العودة في الزمن، شهد هذا الوادي تدمير أناسٍ كانوا في طي النسيان من قبل العالم الخارجي إلى أن بعثت دورة الالعاب الاولمبية إحياء ذكراهم .
وفي أعلى طريق جانبي بعد ظهر أحد أيام الشتاء، يجلس أستيمير جانتيميروف (Astemir Dzhantimirov) في المنزل، في انتظار رئيسه في العمل لارساله في مهمّة عمل. يعمل جانتيميروف لمصلحة الغاز في المدينة، غورغاز (Gorgaz)، ويقوم بتركيب اسطوانات جديدة، وإصلاح القديمة منها ومهنته ليس ما يميزّه، وكذلك، لا أنفه البارز ولا أسلوبه الصريح. جانتيميروف، وهو إسم عائلته الذي انتهى اليه بعد أن تم ترويسه (أصبح روسياً)، هو روسي فقط بالمواطنة، ولكن هذا ليس ما يجعله يبرز من بين العديد من العمال الذين غمروا الوادي. هو شركسي، والشركس مجموعة عرقية أجهز عليها تقريباً من المنطقة قبل 150 عاما، عندما اجتاح جيش القيصر سكان الجبال. انه يعيش مع زوجته و ثلاثة أطفال في الطابق الثاني من منزل صغير. الغرف المتشابكة المتعدة هي في حالة جيدة، وهادئة كما تميل الأسرة إلى الواجبات المنزلية والأعمال الرّوتينيّة .
ويصف جانتيميروف كيف انه تعلم القصص الشركسية القديمة عند اجتماع الأسرة في الجنائز في منطقة شركيسك (Cherkessk)، في أعلى الجبال الى الشمال الشرقي من هنا. “كان ذلك الوقت عندما كانت أذناي في الجزء العلوي من رأسي،” كما يقول. وتحدّثت العمات والأعمام كيف وصلت جيوش القياصرة في وقت مبكر من القرن التاسع عشر (1800s)، وكيف استمرت حرب القوقاز بشكل متقطّع على مدى عقود، وكيف خسر الشراكسة الوطن وأكثر من ذلك بكثير.
عندما حقّقت روسيا انتصاراً في القوقاز، كان القياصرة ولم يكن جنرالاتهم يعرفون القليل جدا عن المنطقة، ولا عن العديد من القبائل والّلغات التي سكنت داخل الطيات الصخرية من سلسلة الجبال. وقوزاق منطقة كوبان، والمحاربين المشرّدين، وأفراد الدّوريات على أطراف الجنوب الروسي، يعرفون أفضل من اختراق المنحدرات العالية فيما ذهب آخرين للخطر الأقصى. تعرض الجندي الروسي الشارد أو الهائم على وجهه بشكل روتيني إلى عبودية في هذه المناطق، وكانت تتم مقايضتهم بين قبيلة وقبيلة أخرى مقابلاً للماعز والأعشاب والأسرى الآخرين. اكتسب الروس لقب لهذه الأراضي التكتيكية—محقّقين ما اعتبروه مصيرهم التّوسّعي– من خلال محاربة السلطان والشاه، ولكنهم فهموا أيضا أن جهدا خاصا سيكون ضروريا لجعلهم ما يمثّلون.
الشراكسة والشعوب المحلية الأخرى حاربت ضد الروس في حملة حرب عصابات حازمة، ولكن لم يكن بالإمكان كسبها. وشعر الروس بجاذبية خاصة نحو القوقاز–إلى حيوية القتال على التّخوم، وإلى الرومانسية المحرّمة لنساء القبائل الشركسية، إلى هذا المكان الفظ للبحث العاطفي، حيث الأرستقراطي من سان بطرسبرج يمكنه تجاهل القواعد التي كانت تقيّده ويصبح رجلاً جديداً تماماً. في الوقت الذي تصبح فيه هذه الجبال المكان للشعراء والكتاب أمثال ميخائيل ليرمونتوف (Mikhail Lermontov) وليو تولستوي (Leo Tolstoy). في نهاية المطاف، برهنت القدرة العسكرية الروسية الكثير عن المحاربين في الجبال، والذين رفضوا قبول عرض القيصر في العيش في سيبيريا أو الهجرة إلى الإمبراطورية العثمانية.
جعل الشركس مقاومتهم الأخيرة في الوادي الصغير الذي يسمى الآن كراسنايا بوليانا، أو الفسحه الحمراء، وهو اسم ينسبه البعض خطئاً إلى إراقة الدماء في المعركة. وذلك بعد استسلامهم في عام 1864 وتم على إثر ذلك طرد الشراكسة، وتوفي الآلاف من اللاجئين في طريقهم الى سوتشي. تم نقل الناجين لأركان مختلفة من الإمبراطورية العثمانية. توفي بعضهم على متن السفن التركية، وتم إلقائهم في البحر الأسود.
منذ الإعلان عن أن سوتشي ستستضيف الألعاب، جعل ذلك من محنة الشراكسة العناوين العالمية حيث أن نشطاء في الشتات حاولوا تسليط الضوء على ما يعتبرونه إبادة جماعية. ونظمت احتجاجات في المدن في جميع أنحاء العالم، في اسطنبول ونيويورك وعمان وفانكوفر.
“لم نذهب إلى روسيا للقتال. جاءوا هنا لقتالنا. عشنا هنا عصوراً عديدة”، يقول جانتيميروف. وقد “بدأت الحرب كلها من أجل هذه الأراضي الجميلة.” وجانتيميروف ليس ناشطاً. انه صوّت لبوتين في انتخابات عام 2012. “لقد عشنا في روسيا لسنوات وسنوات”، كما يقول. “لقد عشنا جنبا إلى جنب، وقد احترمنا بعضنا الآخر، وسنبقى في روسيا. ولكن التاريخ هو التاريخ، وليس هناك ما يضر للحديث عن هذا الامر.”
بيوتر فيدين (Pyotr Fedin) يجلس في مكتبه، ونجاح مخيب للآمال، إنّه مجرد ملّاك للأراضي بدلا من رجل الأعمال في الجبال حيث كان في السابق، ويروي قصة كيف أن سلطة الحكومة فعلت ذلك. بدأت حقبة التسعينيات للتو، وعمل فيدين ما كان يقوم به كل الرّوس الحصيفين الآخرين: لقد فتح مشروعاً تجارياً. كان آنذاك بداية عمل المشاريع الحرة، بداية ما يمكن أن تصبح عليه روسيا الرأسماليّة المعاصرة، مكاناً للتجربة والخطأ، لتشجيع النجاحات والإخفاقات المتفاقمة. كان وقتاً للإستمرايّة، لأنّه لم يكن هناك عودة الى الوراء الى ما كانت عليه الامور من قبل.
فيدين وشركائه استطلعوا قمم كراسنايا بوليانا. نظّفوا أشجار الصنوبر وأقاموا أبراجاً معدنية في مكانها. الدرايفشافت (driveshaft) من سفينة في البحر قام بتشغيل مصعد التزلج. بعد ذلك جاءت قلة من الناس للتزلج على المضمار الّذي قام فيدين بإعداده. هؤلاء الأغنياء بما فيه الكفاية الّذين لديهم مصالح برجوازية اختاروا منتجع كورشوفيل (Courchevel)، في فرنسا، وليس كراسنايا بوليانا الإقليمي.
بدأت الأمور تتغير في أحد الأيام في عام 2000، عندما استقل الرئيس الجديد، فلاديمير بوتين، مصعد فيدين إلى قمة الجبل، ثم اجتاز باقتدار طريقه إلى أسفل. كما تأكد الروس ما يمكن أن يكون عليه هذا الزعيم الجديد، عندما واجه أعدائه ورصّ صفوفه مع حلفائه، كما تضامنت روسيا، عاد بوتين إلى منحدر فيدين مرةً بعد الأخرى. قام ابن فيدين، ديما، بتعليم وزراء ومرافقين ومتنفذين كيفيّة اتقان الالتفاف، وكيفية الوقوف، وكيفية حفظ ماء الوجه حين السقوط. إن الطامحين لا تفوتهم الفرصة للإختلاط مع الرجل الذي أصبح نوعاً ما حاكماً معترفاً به في تاريخ روسيا الطويل.
نجا فيدين من العاصفة التي عصفت بالاقتصاد الروسي، في حين تساقط شركاؤه، وباعوا ما لديهم. بعد ذلك، كما أن غنائم طفرة سوق النفط رشحت من خلال المجتمع الروسي، أصبح منتجعه مربحاً. لكن فقط السذج من يحالفهم النجاح في روسيا. الأشياء التي تقوم ببنائها تجذب انتباه أولئك الذين يمكن أن يأخذوها بعيدا.
أشار التقويم إلى عام 2008، ووصلت طائرة شركة غازبروم (Gazprom) من موسكو. وكما يذكر فيدين، اقترح الرجال من أكبر شركة في روسيا، وهي الشركة الاحتكارية التي تسيطر عليها الدولة، بأن ينضم اليهم في جولة. وبلغة مقنّعة يمكن لأي شخص أن يفهمها، في حين حلقت طائرة غازبروم باتجاه الشمال فوق روستوف (Rostov)، ثم فوق فورونيج (Voronezh) وتولا (Tula)، نظر الرجال في فيدين وقالوا: “نحن نكن لك الإحترام.” وعرضوا عليه رقماً لعقد صفقة شاملة معه. عرف فيدين بأنّه لم يكن هناك أمامه شيء يمكن أن يفعله. في برج غازبروم البرّاق الدّاكن في موسكو، وقع فيدين الأوراق الّتي وضعت أمامه. “أستطيع أن أرى وجهك،” قال الرجل الّذي معه العقود. أنت حزين. “المال ليس هو ما يثير الاهتمام بالنسبة لك.” فيدين تلقّى القيمة العادلة، كما يقول، ولكن العمل الّذي كان قد أسّسه لم يعد له. “النّقود هي أوراق فقط ،” قال فيدين، موضحا اسمه على العقد. (وقال متحدث باسم شركة غازبروم في رسالة بالبريد الالكتروني ان الشركة “تم الحصول عليها بشروط تجاريّة.”)
من مكتبه يمكن أن ينظر فيدين إلى المنتجع السابق من خلال نافذة من وراءه. واضاف “انه لمن العذاب النظر الى ما يفعلونه،” كما يقول. “لقد جاءوا من موسكو، وقال: نحن نعرف كل شيء.” هو يتحدث عن الانهيارات الارضية والانهيارات الطينية والتلوث، والكسب غير المشروع والطموح السياسي .
قبل أن يكتشف رئيس تطوير القفز على الثلج والمستغنى عن خدماته، وجود مستويات مرتفعة من الزئبق في دمه (من مصدر غامض)، قبل أن تجرف موجات العاصفة عدة ملايين من الدولارات في ميناء سوتشي للبضائع، وقبل أن تحتج مجموعة الأقلية ضد عقد الألعاب في موقع ابادة جماعية مفترضة، وقبل أن تتحطّم طائرة هليكوبتر تنقل مواد بناء في موقع الحفاظ على الطبيعة، وقبل أن يفيض نهر مزيمتا (Mzymta) على ضفّتيه، وقبل أن تتسبب التشريعات الخاصّة بالمثليّين غضباً عالمياً–قبل كل ذلك، بدت أولمبياد سوتشي فكرة واعدة أكثر مما هي عليه الآن. سافر الرئيس الروسي إلى مدينة غواتيمالا في يوليو/تموز 2007. تحدث إنجليزية الخصم قبل لقاء تعقده اللجنة الأولمبية الدولية (IOC )، واثار هؤلاء الحاضرين، الذين راعوا خروجه من غابة من الحروف الساكنة الروسية. إنّها شهادة على جذب القوة الّذي حتى أولئك الذين لا يحكمهم بوتين يبدون في كثير من الأحيان مبهورين في حضوره .
وحتى الآن، وعندما منحت اللجنة الاولمبية الدولية دورة الالعاب الاولمبية الشتوية عام 2014 لسوتشي، فهي منحت روسيا حق استضافة العالم، والقرار زاد بشدة من اشتباه الدولة في الأجانب ودوافعهم.
رجل الدّوريّة القوزاقي يراعي مرافقة إثنان من رجال الشرطة خلال سيرهما عبر المحلات التجارية القليلة في قرية كراسنايا بوليانا. في زي شتوي، يبرز القوزاق: بنطلون الركوب الرمادي، حذائان طويلان أسودان للركوب، وحمالات من الجلد البني أكثر طولاً من معطف عسكري. وكأنّه كان قد وصل من زمن آخر.
القوزاق أسّسوا كراسنودار، والآن هي عاصمة المنطقة التي تجد سوتشي نفسه بها، بعد أن منحت كاترين العظمى (Catherine the Great) مباركتها لهم في القرن الثّامن عشر. قوزاق كراسنودار يميزون أنفسهم بأنّهم قوزاق كوبان (Kuban Cossacks)، نسبة إلى نهر كوبان (Kuban River)، الذي يتدفق باتجاه الشمال الغربي من جبل البروس (Mount Elbrus) في بحر آزوف (Sea of Azov). أدوا أعمالاً عنيفة وصعبة في الدفاع عن النّطاق الخارجي لروسيا ضد المغيرين الذين تقدّموا شمالا من ديار الإسلام. عاش كوبان القوزاق خارج نطاق القانون، في إطار شريعة خاصّة بهم .
بعد وصول الشيوعيين إلى السلطة، ألغيت مؤسسة القوزاق، وعلى مدى عقود عديدة تم قمع هذه الطائفة المشهورة بالفروسيّة. ولكن بحلول الوقت الذي بدأ فيه بوتين التزلج إلى أسفل جبال فيدين، قام قوزاق كوبان بإعادة تجميع أعدادهم. انهم لم يتمكنوا من البقاء فقط، بل شكلوا أيضاً هذه القوة السياسية حيث اعترفت الحكومة بحكمة احتضانهم لأيقونة وطنهم. “لقد كنا دائما وطنيين”، يقول يفغيني رازوموف (Yevgeny Razumov)، بدت بزته القوزاقية السوداء منقطة بقطرات المطر خارج مركز شرطة ريدبريك (redbrick) في كراسنايا بوليانا. “و نحن لا نزال هنا.”
وقد عاد القوزاق إلى الشوارع –مكمّلين لدوريات الشرطة الراجلة، ولفض حوادث الشجار، والّتي يبدأها هم أحيانا، وقيامهم بالفرز العرقي لغير الروس، والبحث في المشاركة، وإحياء الطّقوس القديمة. هناك 25 قوزاقياً يقوموا بالدوريات في كراسنايا بوليانا، و25 آخرين في سوتشي، و 15 في كل مطار ومحطة قطار. وهناك ما مجموعه 1500 في منطقة كراسنودار.
الكسندر تكاشيف (Alexander Tkachev)، حاكم منطقة كراسنودار هو نفسه من القوزاق، ويرتدي زي القوزاق الموحّد من وقت لآخر. انه زعيم قوي الوفاض، و كان قد أبدى تحسره على ازدياد عدد السكان القوقازيين المحليّين من المسلمين. في كلمة له بشّر بعودة القوزاق مرة أخرى إلى الخدمة، قال تكاشيف أن منطقة ستافروبول المجاورة تصرفت تقليديا باعتبارها “مصفاة” عرقية لبقية روسيا من خلال استيعاب المهاجرين القوقازيّين، لكن مع تزايد الأقليات السكانية، أضاف انه يخشى ان ذلك لم يعد ممكنا. ومشيراً إلى دور القوزاق القديم، ووضع الطائفة خارج القانون، وقال تكاشيف، إيحائياً، “كل ما لا تستطيع أن تفعله، يمكن للقوزاقي أن يقوم به.”
ويشكو النقاد من أن القوزاق هم رجعيّون. ولكن الناقد ليس مسؤولاً عن سلامة الآخرين. استمر التّمرد الاسلامي في شمال القوقاز لمدة 25 عاما، ويتبيّن أن إخضاع روسيا لهذه الأراضي لا يزال بعيد المنال .
وفي جولة بالسيارة إلى مكان إلتقاء نهري أشيبس (Mzymta) ومزيمتا (Achipse) في كراسنايا بوليانا وعبر نفق يقطر بالزّبد الرمادي على الزجاج الأمامي للسيارات. في نهاية الطريق هناك اثنان من حرس الحدود في مركز تفتيش. بطريقة ودية يشرحون أن المنفذ محظور المرور منه. ويشيرون إلى الجبل، ويقولون: “أبخازيا هناك، بعيدة ثلاثة كيلومترات.” أبخازيا هي أراضٍ متنازع عليها وهي التي انفصلت عن جورجيا في أعوام التسعينيات. وبعد فوز روسيا في حربها مع جورجيا في عام 2008، اعترفت بسيادة أبخازيا. فقط نيكاراغوا (Nicaragua) وفنزويلا (Venezuela) وناور (Nauru) وتوفالو (Tuvalu) تعترف بالمِثل باستقلال المنطقة، وهي القائمة التي قد تثير الضّحك، إلا أن أبخازيا ليست دُعابة.
انتهت ترجمة الجزء الأول
يتبع في الجزء الثاني…
المصدر: (http://ngm.nationalgeographic.com/…/sochi…/forrest-text)

