القضية الشركسية: بين التضامن والتقويض
رموز، وحركات، ونضال من أجل العودة
عادل بشقوي
28 يوليو/تموز 2025

مقدمة
في الطبيعة، غالبًا ما تستلزم العناصر البيولوجية والبيئية التعايش والتكافل فيما بينها — علاقات تتبادل فيها الكائنات الحية المختلفة المنافع وتصبح لا غنى عنها لبعضها البعض. قد تكون هذه الروابط لا يمكن إيقافها، أو السيطرة عليها، بل قد تكون قاتلة لكلا الطرفين. ويفرض التكافل نفسه:
• بين البشر والكائنات الحية مثل البكتيريا والنباتات
• بين النباتات والنباتات الأخرى
• بين الحيوانات والنباتات
• بين الحيوانات والحيوانات الأخرى
تتخذ العلاقات والتفاعلات أشكالًا متعددة، تتراوح من التطفل والتعاون إلى التنافس. التكافل هو المصطلح الشامل لأي علاقة بين كائنين حيين مختلفين. [1] مقايضة المنفعة أو تبادلها، وهو فرع من التعايش، حيث يصف الأنواع التي تعمل معًا لتحقيق منفعة متبادلة فيما بينها. [2]
وبالمثل، يمكن توسيع نطاق هذا التشبيه ليشمل المجتمعات البشرية. فغالبًا ما تنشأ مصالح ومنافع متبادلة بين الأفراد أو الكيانات أو المؤسسات أو الجمعيات، وقد تصل أحيانًا إلى حدّ درجة من الإنصهار العضوي أو التقارب. وقد تُجبر هذه العلاقات الأطراف على اتباع نمط مُحدد من التفاعل.
التوافق مع الواقع
يتجذر الضمير الوطني الشركسي في قيم الانتماء الحقيقي والمسؤولية الجماعية، وهو يُعلي من شأن الوحدة وحرية الاختيار وحق تقرير المصير. فخلال الأوقات العصيبة، تعهد الشركس بالتضامن والصمود الدائمين. واستمر الاحترام الأخوي من حقبة الحرب الروسية الشركسية إلى يومنا هذا، بما في ذلك العلاقات بين مجتمعات الشتات والوطن الأم.
ومع ذلك، ظهرت محاولات عرضية من قِبل أفراد من خلفيات محددة، غالباً ما يقودون كيانات موسمية أو فصليّة بألقاب جذابة. وتسعى هذه الكيانات أحياناً إلى التعايش والمنفعة المتبادلة بطرق تتعارض مع المصالح القومية. ويتم تعيين أو توجيه بعض الأفراد عمداً من قِبل جهات فاعلة غير مرئية — أشخاص أو كيانات أو سائقين من المقعد الخلفي — تظل وراء الكواليس.
ثأر الضحايا
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن ”الشاعر والشخصية العسكرية الشهيرة غريغول أوربيلياني (1804-1883) يُعدّ من قدم أفضل أعمال النثر الوثائقي الجورجي. وكُتبت مذكراته بين عامي 1831 و1832“. وقد وصف الشركس بأنهم ”شعبٌ مُحبٌ للحرية، ناضل ضد روسيا من أجل حريته لسنوات طويلة، قمع وأذلّ وقهر جميع سكان قباردا، لكن روسيا لم تستطع أن تُميت حب الحرية في نفوسهم. إنهم دائمًا على أهبة الاستعداد للقتال، ويبحثون دائمًا عن فرصة لتحرير وطنهم من الروس“. [3]
في نفس السياق، ”فإن الجمع بين تحدّي شيفتشينكو الشِّعري ونضال سكان الجبال ضد الهيمنة الإمبريالية يُشكّل جسرًا قويًا بين السرديات الأوكرانية والشركسية“. [4] لطالما كان هدفهم إطلاع العالم على المآسي والظلم الذي لا ينتهي والذي عانوه وما زالوا يعانونه.
ويُذكر أن أول كتاب طُبِع ونُشر في الأردن عن التاريخ الشركسي صدر في عام 1927، بعنوان ”السنة الأخيرة من حروب الشركس من أجل الاستقلال“. ويعكس هذا الكتاب نيةً واضحةً لتوثيق ونشر مصير أمة قاومت قوى الغزو الوحشية لعقود. [5]
تُرجم الكتاب من الرّوسيّة إلى العربية، ويتضمن مقدمةً موقّعةً من جمعية دراسات مقاطعة أديغيا والمتحف التاريخي والإثنوغرافي لأديغيا. وأشار المترجم إلى أن النص الروسي الأصلي طُبع لأول مرة في عام 1865 في الملحق الأسبوعي لصحيفة ”ماق“، بعد عام واحد فقط من انتهاء الحرب الروسية الشركسية. ويروي الكتاب أحداث السنة الأخيرة من حرب الاستقلال، التي هُجّر خلالها الشركس من وطنهم بموجب اتفاق بين روسيا وتركيا، وإحجام القوى الأوروبية عن التّدخل.
اندماج وتعايش المجتمعات الشركسية في الوطن والشتات

من الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن الشركس، المشتتين في منطقة جغرافية واسعة من العالم، لم ينسوا وطنهم قط. فقد انصبّ اهتمامهم وتطلعاتهم دائمًا على إبقاء شعلة الحرية متّقدة. وقد عملوا بلا كلل أو ملل لتوثيق ونشر تاريخ أمتهم بعد الترحيل القسري — رحلة بلا عودة اتّسمت بإجراءات صارمة حالت دون العودة.
لطالما أبدى الشركس في الشتات اهتمامًا مستمرًا، كلما أمكن ذلك، بمصير أسلافهم — سواء في الوطن أو أثناء النزوح. وتهدف جهودهم إلى توعية الآخرين وإيجاد سبل للتغلب على عواقب الغزو والاحتلال والدمار والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والنفي القسري.
الأيقونة الشركسية: كوبا شعبان

وُلد كوبا شعبان في يناير/كانون الثاني عام 1890 في مقاطعة كوبان التابعة لشركيسيا، في شمال القوقاز، وتوفي في يناير/كانون الثاني عام 1974 في باترسون، في ولاية نيو جيرسي في الولايات المتحدة الأميركية. كان كاتبًا ومؤرخًا وكاتب مسرحيات شركسيًا غزير الإنتاج، اشتهر بدفاعه الدؤوب عن وطنه الأم وعن الثقافة الشركسية. وشملت مساهماته الأدبية جميع الفروع الأدبية تقريبًا — مسرحيات وشعر وروايات ومقالات وأعمال تاريخية. ومن أبرز إبداعاته ”معارك الشركس“ و“تهجير الشركس“ و”قواعد اللغة الشركسية“ و“الأبجدية الشّركسيّة“. [6]
عاش كوبا شعبان معظم حياته فقيرًا، ومع ذلك ظل منارة للاعتزاز الشركسي والقيم الإنسانية. وكرّس جهوده الفكرية والشعرية لكل من الحالة الإنسانية الأوسع والقضية القوميّة الشركسية. فطوّر استراتيجيات لغوية وتربوية للحفاظ على اللغة الشركسية وتعليمها، بما في ذلك تعديلات باستخدام الأبجدية اللاتينية وكذلك العربية للوصول إلى تعليم الشركس الناطقين بلغات مختلفة.
كان شخصية بارزة — جسرًا فكريًا بين الشركس في الوطن والشتات. قادته رحلته من شركيسيا إلى نالتشيك، ثم إلى ميونيخ في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ثم إلى تركيا والأردن وسوريا، وأخيراً إلى فرنسا وجامعة السوربون في باريس في عام 1959 حيث عمل هناك مساعد بروفيسور، وبحث في صلات اللغة الشركسية باللغات الأخرى. في عام 1963، استقر في مدينة باترسون بولاية نيو جيرسي في الولايات المتحدة الأميركيّة، حيث أمضى سنواته التسع الأخيرة. أتقن لغات متعددة، ودرّس اللغة الشركسية عبر قارات العالم، ونشر ستة كتب باللغة الشركسية.
فعلى الرغم من فقره المادي، كان شعبان غنياً ببصيرته اللغوية والعلمية. طوّر أساليب للحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها، بما في ذلك ”الأديغه خابزه“ — منظومة العادات والتقاليد والأخلاق الشركسية. وجسّد عمله تعريف إدوارد تايلور الأساسي للثقافة: ”ذلك الكلّ المُركَّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف، وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع“. [7]
لجنة تحرير شمال القوقاز: مهد الحركة القوميّة الشركسية
تأسست لجنة تحرير شمال القوقاز في عام 1965 في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحقبة السوفيتية، وبشكل رئيسي على يد مؤسسين من الشركس. كانت مهمتها تعزيز التواصل بين شعوب شمال القوقاز وكشف الجرائم التي ارتكبها الاستعماريون الروس ضدهم. [8]
كان العديد من الرواد الأوائل للحركة القومية الشركسية لاجئين فروا من الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية بفترة وجيزة. فبعد مرورهم بدول مثل الأردن، هاجروا في نهاية الأمر إلى ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية. وتواصل هؤلاء النشطاء مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي لرفع مستوى الوعي بشأن الاحتلال والاستعمار السوفياتي للقوقاز.
وبعد حرب الأيام الستة في الخامس من يونيو/حزيران 1967 في الشرق الأوسط، كثّف هؤلاء الرواد — بدعم من مؤسسة تولستوي — جهودهم لتسليط الضوء على محنة الشركس وغيرهم من شعوب شمال القوقاز. وقد لعبت مؤسسة تولستوي دورًا محوريًا في إعادة توطين العديد من الشركس والكالميك وغيرهم من شعوب شمال القوقاز الذين نزحوا بسبب النزاع. [9]
مكّن هذا الدعم من إعادة توطين اللاجئين الشركس الذين أُجبروا على مغادرة مرتفعات الجولان بعد الحرب. ومع مرور الوقت، جذب هذا التطور المزيد من الشركس من الأردن وتركيا ودول أخرى للهجرة إلى نيوجيرسي. ونشأ مجتمع شركسي نابض بالحياة، ونما عدد أعضائه منذ ذلك الحين ليصل إلى الآلاف. وسُلِّط الضوء على أهمية باترسون، في ولاية نيو جيرسي، كمركز لإعادة توطين الشركس في مقال نُشر في عام 1973 في صحيفة نيويورك تايمز، وجاء فيه: ”لماذا هاجر الشركس إلى باترسون وضواحيها؟ أحد الأسباب هو أن مؤسسة تولستوي، وهي منظمة تعمل مع المهاجرين الروس، قد وطَّنت اللاجئين هنا في عشرينيات القرن الماضي، لأن غير الناطقين باللغة الإنجليزية كانوا يجدون عملاً في مصانع نيوجيرسي بسهولة أكبر من نيويورك والمدن الكبرى الأخرى“. [10]
السعي من أجل الحرية وحق تقرير المصير
لا تزال المبادرات الشجاعة تتحدى الدّعاية الرّوسيّة. ومن الأمثلة على ذلك الفيلم الوثائقي ”شعب من فولاذ“، الذي يروي قصة المدافعين عن مدينة ماريوبول خلال ”معركة أزوفستال الأخيرة“. وقد عُرض الفيلم، الذي روى أحداثه الضحايا أنفسهم، عالميًا، معززًا أصوات المقاومة على يوتيوب. [11}
النشاط الهادف ضروري. فغيابه يجعل الشعوب الأصلية عرضة للاحتلال العسكري والإرهاب الذي ترعاه الدولة. ولا يزال النضال من أجل الحقوق الأساسية واستعادة الأوطان المغتصبة أمرًا ملحًا.
الخاتمة
تعرب الأمم الأسيرة والمناطق المستعمرة عن امتنانها العميق للحلفاء الذين يدعمون قضيتها. هذه الجهود — المتجذرة في المنطق والعدالة ومناهضة العنصرية — تدعم استعادة الحقوق المشروعة. فعلى الرغم من الأعباء الهائلة التي تحملها الشركس منذ الغزو الروسي، لا يزال الشركس وغيرهم من الشعوب المضطهدة ثابتين على عهدهم مع أسلافهم الأبطال.
ويواصلون الدفاع عن المبادئ النبيلة لشعوبهم، مقاومين قسوة الاستعمار والدعاية المغرضة. ولا يزال تحدي روسيا للمعايير الإنسانية والقانون الدولي مستمرا، لكن لا يزال هناك أيضا صمود أولئك الذين يرفضون الصّمت.
*************************
المراجع:
[1] https://education.nationalgeographic.org/resource/symbiosis-art-living-together/
[2] https://www.nhm.ac.uk/discover/mutualism-examples-of-species-that-work-together.html
[3] https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251662239
[4] https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251685919
[5] https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251681251
[6] https://dbpedia.org/page/Kuba_Shaaban
[7] https://helpfulprofessor.com/types-of-culture/
[8] https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251672837
