على روسيا الاعتذار عن حروب الإبادة الجماعية لتحسين سمعتها
عادل بشقوي
10 أغسطس/آب 2025

مقدمة
لم تلطخ سمعة روسيا على الساحة العالمية بأفعالها الحالية ضد أوكرانيا ودول أخرى فحسب، بل برفضها المستمر مواجهة جرائم ماضيها. من وديان القوقاز المحروقة — حيث غزت الإمبراطورية الروسية الوحشية شركيسيا وأممًا أخرى في حروب إبادة جماعية وتدمير وتهجير قسري — شنت روسيا حملة استمرت لأكثر من قرن. استمرت الحرب الروسية – الشركسية 101 عامًا، وبلغت ذروتها باحتلال شركيسيا بالكامل وإخضاعها وضمها القسري من قبل الدولة الاستعمارية الروسية.
ومن بين الفظائع اللاحقة قطارات الترحيل التي مزقت شبه جزيرة القرم والشيشان، وتوحش ضد أممٍ بأكملها في حملات إبادة ومحو شنتها كل من الإمبراطورية الروسية والسوفيات. لم تكن هذه مآسي معزولة — بل كانت حروب إبادة جماعية مدروسة ومتواصلة. ومع ذلك، لم تُقدّم روسيا حتى يومنا هذا أي اعتذار، أو اعتراف، أو تصفية حساب. في عالم تُعدّ فيه المساءلة التاريخية حجر الزاوية للمشروعية الأخلاقية، فإن الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤًا. وإذا سعت روسيا إلى إصلاح سمعتها، فعليها أن تبدأ بالحقيقة. والحقيقة تبدأ بالاعتذار.
لا يمكن إنكار مسؤولية روسيا التاريخية وإرثها من العنف ضد الشعوب والأمم المهمّشة أو التهرّب منها. إن تجنّب المساءلة لن يحميها من التكلفة الأخلاقية أو المعنوية وتكلفة تشويه السمعة المترتبة عن الصمت. وبصفتها الوارث القانوني لأنظمة الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي، يجب على الدولة الروسية الاعتذار عن حروب الدولة الروسية الاستعمارية وحروب الإبادة الجماعية للبدء في إصلاح مكانتها الإقليمية والعالمية. فلا مفرّ من المساءلة.
نظرة تاريخية على حملات الإبادة الجماعية
إنّ حجم الإبادة وحروب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الأنظمة الروسية عبر التاريخ مذهل. وتكشف الوثائق الأرشيفية عن خطط ممنهجة دبرها قادة ميدانيون وجنرالات رفيعو المستوى، بالتنسيق مع السلطات التنفيذية، ونفذها الجيش والميليشيات والمرتزقة.
في حين أُبيدت العديد من الأمم الصغيرة تمامًا، تُقدم الأمثلة الموثّقة حقائق وأرقامًا موثوقة:

• الإبادة الجماعية الشركسية (القرن التاسع عشر): مع انتهاء الحرب الروسية – الشركسية في 21 مايو/أيار 1864، أُبيد نصف الشعب الشركسي — حوالي مليوني نسمة. ورُحِّل 90٪ ممن نجوا إلى الإمبراطورية العثمانية، ويعيش أحفادهم اليوم في أكثر من 30 دولة. أما الـ 10% المتبقية، فقد شتتها الاحتلال العسكري وراء نهر كوبان.
• الحروب الشيشانية: خلال حرب القوقاز في القرن التاسع عشر، وحرب الشيشان الأولى (1994) والثانية (1999)، فقدت الأمة الشيشانية ما يقرب من مليون شخص.
• ترحيل تتار القرم (1945-1956): أُبيد عشرات الآلاف وتمّ نفي معظمهم إلى سيبيريا.
• المجاعة الكبرى — هولودومور (1932-1933): عُرفت على نطاق واسع بأنها إبادة جماعية أوكرانية، وقد تفاقمت هذه المجاعة من صنع الإنسان بسبب المراسيم السياسية التي استهدفت أوكرانيا تحديدًا. [1]
ساهمت سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها روسيا في تدمير البلدات والقرى، وأدت الهندسة الديموغرافية إلى استبدال السكان الأصليين بمستوطنين موالين لروسيا. في البداية، تم إيواء هؤلاء المستوطنين في حصون عسكرية، كانت بمثابة مواقع أمامية لعمليات عسكرية وحشية وممنهجة تهدف إلى توسيع السيطرة الإقليمية.
لم تكن وحشية النظام عرضية، بل كانت منهجية. همشت السياسات العنصرية والفاشية، وأبادت، وطهّرت عرقيًا، وضمت قسرًا شعوبًا وأُممًا بأكملها رغماً عنها.
قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، أبدت دول قليلة اهتمامًا بالاعتراف بالفظائع التي ارتُكبت بحق عشرات الأُمم المُستعبدة. تم تجاهل هذه الأعمال من احتلال عسكري واستعماري وإبادة جماعية وضم إلى حد كبير. فشلت الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، في دعم هذه الشعوب في سعيها إلى الحرية وحق تقرير المصير.
فقط عندما أصبحت طموحات روسيا لا يمكن إنكارها، بدأ البعض في الاستماع. على الرغم من الجهود العديدة التي بذلتها هذه الأُمم في الماضي للفت الانتباه إلى محنتها، إلا أن دعواتها قوبلت بالإهمال. وتحظى مطالبهم بالحرية وتقرير المصير بدعم من أطر دولية، مثل لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار [2] وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. [3]
سياسات الإنكار والتحريف التاريخي
لطالما تجنبت روسيا المساءلة من خلال الرقابة والدعاية والتحريف التاريخي. وليس من المستغرب أن نشهد الدولة الروسية تُزيّف تاريخها، رغم الحقائق الدامغة التي يعرفها الضحايا والمجتمع الدولي. وتُشنّ حرب دعائية لا هوادة فيها ضد كل من يجرؤ على كشف هذه الفظائع.
حتى الضحايا وأحفادهم يُحرمون من حق استخدام المصطلحات الدقيقة. ويُعامل المحتلون السكان المحلّيّين كغرباء في وطنهم. ففي مايكوب، على سبيل المثال، قُدّم الشركس إلى المحكمة لمجرد مطالبتهم بالاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية الشركسية وحقهم في العودة إلى وطنهم. وكانت ”جريمتهم“ استخدام كلمة ”إبادة جماعية“.
أثار ذلك استفزاز السلطات الروسية المحلية، التي تسعى إلى فرض روايتها وطمس الحقيقة التاريخية. ولا تزال تُنكر وقوع إبادة جماعية ضد الأمة الشركسية، رغم أن القانون الدولي والوثائق الأرشيفية الروسية تؤكد حقيقتها.
سوابق عالمية للاعتذار والتعويض
هناك أمثلة عديدة لدول اعترفت بجرائم الإبادة الجماعية والمآسي التي ارتكبتها ضد شعوب وأُمم أخرى. وقد أصدرت هذه الدول اعتذارات رسمية، وعرضت تعويضات، واتخذت خطوات نحو المصالحة. ولم تقتصر أعمال الندم هذه على تكريم الضحايا فحسب، بل ساهمت أيضًا في استعادة المصداقية الأخلاقية والسمعة الدولية. من بين هذه الأمثلة:
• اعتذرت ألمانيا رسميًا عن جرائمها في الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك الهولوكوست والفظائع التي ارتكبت في بولندا وكريت وأفريقيا.
• تم الاعتراف رسميًا بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا في ناميبيا (1904-1908) ضد شعبي هيريرو وناما في إعلان مشترك مع ناميبيا في عام 2024.
• أصدرت نيوزيلندا اعتذارًا رسميًا وغير مشروط في البرلمان عن الإساءة الواسعة النطاق للأطفال والبالغين المعرضين للخطر في رعاية الدولة والكنيسة.
• اعتذرت كندا رسميًا لخمسة من الأمم الأولى أنيشينابغ عن سوء الإدارة التاريخي وآثاره الدائمة.
المحكمة العسكرية الدولية: نقطة تحول في مسار العدالة
لعب موقف دول قوى الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها دورًا محوريًا في إرساء قيم العدالة والمساءلة. وأصبحت المحكمة العسكرية الدولية نموذجًا غير مسبوق للعدالة العالمية. وكما أشار متحف الهولوكوست التذكاري الأمريكي:
”خلال الحرب، حذّر الحلفاء ألمانيا ودول المحور الأخرى مرارًا وتكرارًا من عزمهم على معاقبة المسؤولين الحكوميين أو العسكريين أو مسؤولي الحزب النازي المسؤولين عن أفعال إجرامية“. [4]
أرست هذه المحكمة أسس آليات المساءلة المستقبلية، وأظهرت إمكانية محاسبة مرتكبي الفظائع الجماعية.
الاعتراف كضرورة حضارية
تعكس الدول التي تتمسك بالقوانين والأعراف الدولية قيم الحضارة الإنسانية. وتكشف أعمال الاعتراف والاعتذار عن قدرة المجتمع على الإنعكاس الأخلاقي والوعي العاطفي. إنها تُرسي أسسًا للتعافي والمصالحة والاحترام الدّولي.
تُعدّ ثقافة التذكر في ألمانيا مثالًا قويًا على ذلك. فمع مرور الوقت، تطور هذا النهج من الإنكار إلى القبول الواسع للمسؤولية التاريخية عن الحرب العالمية الثانية والمحرقة: ”لقد تغير نهج ألمانيا في التعامل مع دورها في الحرب العالمية الثانية والمحرقة على مر السنين، بدءًا من عدم الرغبة في مناقشة الذنب وقبوله، وصولًا إلى ثقافة تذكر راسخة“. [5]
أمثلة على الاعتذارات الرسمية وأفعال النّدم
• الجمعية الطبية الألمانية (2012): اعتذرت عن الفظائع التي ارتكبها الأطباء في ظل الحكم النازي، مُقرةً بدعمها المُتحمس للأيديولوجية النازية.
• رينهولد هانينغ (2016): اعتذر حارس سابق في معسكر اعتقال أوشفيتز علنًا، مُعربًا عن خجله وحزنه لدوره في القتل الجماعي.
• بولندا (2023): طلب الرئيس الألماني فرانك والتر شتاينماير الصفح عن الجرائم المُرتكبة خلال الحرب العالمية الثانية، مُحيّيًا ذكرى انتفاضة غيتو وارسو.
• تنزانيا (2023): اعتذر رئيس ألمانيا عن جرائم القتل التي ارتكبت في الحقبة الاستعمارية، والتقى بأحفاد زعيم أُعدم خلال ثورة ماجي ماجي.
• اليونان (2024): طلبت ألمانيا الصفح عن مجازر النازيين في كاندانوس، في جزيرة كريت، خلال الحرب العالمية الثانية.
• ناميبيا (2024): اختتمت ألمانيا وناميبيا مفاوضاتٍ للاعتراف بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الإمبراطورية الألمانية في جنوب غرب أفريقيا.
• أستراليا (2025): وجدت لجنة يوروك للعدالة أن المستعمرين البريطانيين ارتكبوا إبادة جماعية ضد السكان الأصليين الأستراليين في فيكتوريا، مما أدى إلى انخفاض عدد السكان بمقدار ثلاثة أرباع خلال عقدين من الاستعمار.
تُظهر هذه الأمثلة أن الاعتذار ليس ضعفًا، بل قوة. إنه فعل أخلاقي يُقر بالمعاناة، ويُعيد الكرامة، ويُبني الجسور بين الأمم والشعوب. وعلى النقيض من ذلك، تُواصل روسيا إنكار تاريخها بشأن الإبادة الجماعية، وقمع ضحاياها، وتزوير ماضيها. فإذا سعت إلى إصلاح سمعتها، فعليها اتباع مسار الحقيقة والاعتراف والاعتذار.
التناقض برفض روسيا المستمر
جميع الأمثلة المذكورة آنفًا — أعمال الاعتراف والاعتذار والتعويض — تتوافق مع القوانين والأعراف الدولية. وهي تُمثل تناقضًا صارخًا مع رفض روسيا المُستمر لمواجهة إرثها الإمبريالي والاستحواذي والإقصائي. دأبت الدولة الروسية على إنكار مسؤوليتها عن الإبادة الجماعية والتهجير والغزوات الاستعمارية التي ارتكبتها ضد جيرانها وشعوبها الأصلية. فمن الشركس إلى الأوكرانيين والشيشان وغيرهم، رفضت روسيا الاعتراف بجرائمها، ناهيك عن الاعتذار أو تقديم تعويضات. ورغم تزايد الضغوط الدولية، بما في ذلك الإجراءات القانونية في محكمة العدل الدولية بشأن مزاعم الإبادة الجماعية في أوكرانيا، [6] [7] تواصل روسيا تحريف الحقائق التاريخية وإنكارها وتشويهها. فعلى سبيل المثال، يُجسّد رفضها الاعتراف بالمجاعة الكبرى (هولودومور) كإبادة جماعية نمطًا أوسع من التحريف التاريخي والتهرب الأخلاقي. [8]
ما هي أهمّيّة الإعتذار: التّرميم الأخلاقي والدبلوماسي والثقافي
• يُعزز الاعتراف بالفظائع والإبادة الجماعية المصالحة وبناء الثقة والتعافي الثقافي. كما يُساعد الضحايا على الحفاظ على احترامهم لذاتهم وكرامتهم الوطنية.
• يفتح الاعتراف الباب أمام الاعتذار، لا سيما للمجتمعات المُهجّرة كالشّركس. كما يُمهّد الطريق للتعويض وحق العودة تحت الحماية الدولية، وهي خطوات أساسية نحو حق تقرير المصير.
• يمكن للاعتذار أن يُحسّن العلاقات بين الشعوب، ويُقلّل من مشاعر الاستياء، ويُساعد على منع وقوع فظائع مُستقبلية. إنه عمل أخلاقي يُؤكّد على الإنسانية المُشتركة.
الطريق إلى الأمام: ما يجب القيام به
يُدرك الشركس أن على الدولة الروسية أن تكون أول من يعترف بالإبادة الجماعية الشركسية والجرائم المُماثلة ضد الشعوب المُستعمَرة الأخرى. ويجب أن يُتبع هذا الاعتراف بما يلي:
• اعتذار علني من الجناة وخلفائهم.
• جبر الضرر والتعويض المُناسب.
• تسهيل حق العودة إلى الوطن.
• استعادة حق تقرير المصير.
يناشد الشركس جميع الدول المحبة للسلام الاعتراف بالإبادة الجماعية الشركسية. وقد فعلت دولتان ذلك بالفعل:
كان إعتراف جورجيا أول إعتراف رسمي وحدث في عام 2011
كان اعتراف أوكرانيا ثاني إعتراف رسمي مع الحق في تقرير المصير، وحدث في عام 2025 [9] [10] [11]
تعكس هذه الاعترافات المعاناة المشتركة للأُمم التي نُكبت بالاستعمار الروسي. وتواصل منظمات المجتمع المدني ومجتمعات الشتات الدعوة إلى اعتراف أوسع وتحقيق العدالة. [12]
كسر حاجز الصمت: الثلاثة قرود الحكيمة
وقد اختارت بعض الدول والمؤسسات الحياد أو الصمت، تجسيداً للرمزية المتناقضة للثلاثة قرود الحكيمة — ”لا أرى شراً، لا أسمع شراً، لا أتكلم شراً“. كانت في الأصل مقولة يابانية تدعو إلى النقاء الأخلاقي، لكنّها في السياق الغربي غالبًا ما ترمز إلى الجهل المتعمد والتواطؤ. [13] [14]

الخلاصة: الحقيقة قبل الشُّهرة
المسؤولية والمساءلة لا ينفصلان. فبدون الحقيقة، تصبح السمعة أو الشهرة جوفاء — توهُّمًا يخفي الظلم بدلًا من مواجهته. الشخصية لا تُبنى على الصورة، بل على النزاهة.
إن صمت روسيا ليس قوة — بل تواطؤ وجبن. ولا سبيل لاستعادة شرعيتها الأخلاقية إلا بالاعتراف الرّسمي بالإبادة الجماعية والاعتذار الصادق. فلا بديل عن ذلك: يجب على روسيا الإمبريالية الاعتراف بجرائمها واستعادة الحقوق المشروعة لمن ظلمتهم.
*****************************
المراجع:
[1] https://www.britannica.com/event/Holodomor
[2] https://www.un.org/dppa/decolonization/en/c24/about
[3] https://www.ohchr.org/en/indigenous-peoples/un-declaration-rights-indigenous-peoples
[4] https://encyclopedia.ushmm.org/content/en/article/assessing-guilt
[5] https://www.deutschland.de/de/germany-year-usa-20182019-germanys-culture-of-remembrance
[6] https://icj-cij.org/case/182
[7] https://www.rferl.org/a/russia-ukraine-genocide-international-court-justice-un/32598114.html
[8] https://holodomormuseum.org.ua/en/news/why-does-russia-still-deny-the-holodomor/
[9] https://oc-media.org/ukraine-recognises-circassian-genocide/
