القلم الذي تحدّى الصمت: إرث راسم رشدي
الحبر والمنفى: تاريخ الذاكرة الشركسية
عادل بشقوي
15 أغسطس/آب 2025

مقدمة
هناك طرق عديدة للبدء بتسليط الضوء على إرث هذه الشخصية المرموقة، التي تُعدّ هويتها الشركسية ووطنها — اللذان وصفهما بـِ”المُنتهَكيْن“ — موضوعاتٍ محورية في أعماله. تمسك راسم رشدي بقناعاته، تاركًا وراءه إرثًا يعكس شخصيته الثقافية والفكرية التي لا غنى عنها. وتُسلّط كتاباته الضوء على تجربة الشتات بتفاصيلها الدقيقة، وتُقدّم رؤيةً ثاقبةً لشخصيةٍ شكّلتها أنماطٌ فريدةٌ من الفكر والعاطفة والسلوك ودماثة الخلق.
كان راسم رشدي أكثر من مجرد كاتب، بل كان حارسًا للذاكرة، وصوتًا لأمةٍ مُشتّتة، ومؤرخًا للحقائق التي حاولت الإمبراطوريات إسكاتها. من خلال أسلوبه البليغ والتزامه الراسخ بالهوية الشركسية، حافظ على قصص ونضالات وروح شعب كاد تاريخه أن يُمحى. في زمنٍ كانت فيه الوثائق نادرةً والبقاء الثقافي غير مؤكد، أصبح عمل رشدي شريان حياة، يربط الأجيال عبر الحدود واللغات والمنفى. وتسعى هذه المقالة إلى تكريم إرثه، واستكشاف مساهماته، والتأمل في الأهمية الدائمة لكلماته في رحلة الصمود الشركسي المستمرّة.

السيرة الذاتية
اعتمد الكاتب والمؤرّخ والمفكر الشركسي راسم رشدي تسميةً شائعةً بين الشركس، وهي استخدام اسمه الأول إلى جانب اسم والده أو جده. ووفقًا لابنه، نبيل رشدي دوبراق، فإن اسم عائلتهم الشركسي الأصلي هو دبراك (يُنطق دوبراك باللغة الشركسية)، وينحدر من قبيلة حتقواي أو حتوقاي، التي كانت تقطن سابقًا الجزء الشمالي الغربي من شركيسيا على ضفاف نهر كوبان. وامتد موطن الحتقواي بين نهري بشيش وبيلايا.
يروي نبيل رشدي دوبراق أن والد راسم، المُكنّى رشدي، وُلد في القاهرة في أواخر ستينيات أو أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر. رُحِّل جده، حسين رسمي دوبراق، – على الأرجح مع فرد آخر من العائلة — إلى تركيا، ثم انتقل في النهاية إلى مصر، حيث عاش في منزل شريف باشا، رئيس وزراء مصر آنذاك، وهو شركسي الأصول. ويشير نبيل إلى أن ”التواصل مع أيٍ من عائلة دوبراق في تركيا كان قد انقطع“.
يُذكر راسم رشدي كناشط سياسي، ومدافع متحمس ومبدع عن حقوق وطنه المشروعة. لقد عانى شعبه من الغزو والاحتلال والدمار والعنصرية والإبادة الجماعية والتهجير القسري على يد الإمبراطورية الروسية. وبصفته شخصية عامة، يتردد صدى إرثه بعمق في الهوية الشركسية وفي الحفاظ على ثقافتها. درس رشدي الهندسة الكهربائية في بريطانيا، وتألّق صوتًا بارزًا بين مثقفي الشتات الشركسي، مساهمًا في النهضة القومية والثقافية في ثلاثينيات القرن الماضي. كرّس نفسه للترجمة ونشر المقالات والوثائق والكتب عن الثقافة والتاريخ والقضايا السياسية الشركسية.
وكان ابنه نبيل قد نشر التعليق التالي على فيسبوك:
”وُلِد راسم رشدي في عام 1917 في طبريا، فلسطين، التي كانت آنذاك تحت الحكم العثماني. وفي أوائل الخمسينيات، سحبت الحكومة المصرية القومية جنسيتنا المصرية، وبعد فترة من انعدام الجنسية، أصبحنا لبنانيين. ثم هاجرنا إلى الولايات المتحدة في نهاية عام 1959، وأصبحنا مواطنين أمريكيين. عمل راسم رشدي في وزارة الخارجية الأمريكية وتقاعد منها. وتوفي في فولز تشيرش (Falls Church)، في ولاية فرجينيا (Virginia)، في عام 1986، ودُفن في الإسكندرية، في ولاية فرجينيا. لديه أربعة أبناء (أنا البكر) وابنة، وحوالي اثني عشر حفيدًا“. [1]
كانت هجرة رشدي إلى الولايات المتحدة في شهر أكتوبر/تشرين الأوّل 1959، في بداية فصل جديد من حياته. وعمل في وزارة الخارجية الأمريكية حتى التقاعد، وتوفي عن عمر يناهز 69 عامًا.


تحليل
يهدف هذا المقال إلى تعريف جمهور أوسع بإرث راسم رشدي، وتحليل أثره الأدبي والثقافي في تاريخ شركيسيا وشمال القوقاز. وتعتمد كتاباته على المنطق، إذ تُحلل المواضيع المعقدة إلى مكوناتها الأساسية لكشف حقائق أعمق. ومن خلال نهج منتظم، نجح في التحقق من صحة الأحداث وتوضيح المعاني، مما يسمح للقراء بكشف حقائق مُثبتة بالأدلّة.
تتسم أعمال رشدي بروح قومية شركسية قوية، وتعكس دراسة دقيقة، تكاد تكون علمية، للحقائق التاريخية. ويكشف دمجه بين الهوية الشخصية والقوميّة عن عمق ولائه لأمته ووطنه.
في كتابه ”هذه أمتي: شركسي يتحدث عن شعبه“، يكتب رشدي: ”عندما يتعلق الأمر بتاريخ الشركس، فإننا نتحدث عن واحدة من أنصع صفحات التاريخ البشري، وفي الوقت نفسه واحدة من أكثرها بؤسًا وشقاءً. فمنذ القرن السادس عشر، سطّر الشركس صفحات تاريخهم بدمائهم دفاعًا عن حرية وطنهم وسلامة معتقداتهم. ليس هذا ما يحزننا، بل يؤلمنا أكثر أننا أُجبرنا على مغادرة وطننا … ذُكِرنا في كتب المؤرخين اليونانيين القدماء، مثل هيرودوت وسترابو وسلوقس. أطلقوا على الشركس أسماءً مختلفة، مثل سركيس وكركات وكركاس“. ويتابع: ”كان بعض مؤرخي بيزنطة يُطلقون على بلاد الشركس اسم {قزاديخيا}، ولعلّ هذه الكلمة الأخيرة مُشتقة من القوقاز. وقد ذكر البستاني في الموسوعة، الجزء الأول، ص 440، أن مؤرّخي العصور الوسطى كانوا يُطلقون عليهم اسم ”سيراكس“، حيث أشاد جميع هؤلاء المؤرخين بأدب الشركس القدماء وخصالهم الحميدة، حتى أن هوميروس، المؤرّخ والشاعر اليوناني القديم، جعل بلادهم مسرحًا لملحمته الشهيرة ”الإلياذة“، كما تروي أساطير الإغريق القدماء أن إله النار، بروميثيوس، نُفي إلى القوقاز وأُلقي القبض عليه هناك“. [2]
إحياء ذكرى
تُقدم حياة راسم رشدي وأعماله صورةً نابضةً بالحياة لمؤرخ وكاتب شركسي شكّلت هويته الفكرية والوطنية إرثًا مميزًا. وترتكز رواياته التاريخية على الذاكرة الموثقة، لكنها مقدمة بوضوح جذاب وعمق عاطفي.
تُوثّق كتاباته الظروف القاسية التي عانت منها الأمة الشركسية — من نزوحٍ ومحنٍ وتآكلٍ ثقافي — مع التركيز على الصمود والفخر وقوة الهوية القوميّة الرّاسخة. ومن خلال منظورٍ واقعيٍّ مُفعمٍ بالأمل، أرشد رشدي القراء إلى مواجهة العقبات وتصور مستقبلٍ متجذرٍ في الكرامة والعودة.

تؤرخ كتاباته الظروف القاسية التي عانت منها الأمة الشركسية —النزوح والشدائد والتآكل الثقافي— مع التركيز على المرونة والفخر والقوة الدائمة للهوية الوطنية. ومن خلال عدسة واقعية ومفعمة بالأمل، وجه رشدي القراء لمواجهة العقبات وتصور مستقبل متجذر في الكرامة والعودة للوطن.
فقد نشر تسعة كتب، بعضها باللغة الإنجليزية والبعض الآخر باللغة العربية. وتعكس هذه العناوين اتساع اهتماماته ورؤيته الشاملة، وعمق التزامه بالحفاظ على التراث الثقافي:
الإسلام والحرية الفكرية، القدس، 1963
مأساة أمة، القدس، 1939
هذه أمتي – شركسي يتحدث عن شعبه، القاهرة، 1947
مصر والشركس، القاهرة، 1948
جان: رواية شركسية، القاهرة، 1949
عبد الحميد: ظل الله على الأرض، لألما ويتلين، ترجمة راسم رشدي، 1950
كارمن، بروسبر مريميه، ترجمة راسم رشدي، 1950
طرابلس (ليبيا): الماضي والحاضر، طرابلس، 1953
الكويت والكويتيون — دراسات في ماضي الكويت وحاضرها، بيروت، 1955
امتد التزام رشدي إلى ما هو أبعد من مجرد الكتب. وكما يشير أحد المصادر:
“لم يكتفِ الكاتب المناضل بنشر الكتب المذكورة فحسب، بل اتجه إلى رفع الوعي القومي الشركسي من خلال إصدار وتوزيع منشورات ومقالات تدعو إلى عدم نسيان الوطن الأم واللغة والعادات والأخلاق الشركسية. كما دعا إلى عمل مدروس يُرسم بعلم وإيمان ومثابرة لتحقيق عودة حرة ومشرفة وآمنة إلى أرض الأجداد“. [3]

الخلاصة
كان راسم رشدي، بلا شك، مؤرخًا للذاكرة الشركسية. وقد أثرى عمله الأرشيف الأدبي الشركسي في وقت كان لا يزال في مراحله التكوينية — سواء في الوطن تحت الحكم السوفيتي أو في جميع أنحاء الشتات قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.
لم تقتصر كتاباته على التاريخ الشركسي فحسب؛ بل وثّق أيضًا الأماكن التي استقر فيها الشركس بعد النزوح، مقدمًا رؤية ثاقبة حول هوياتهم ومجتمعاتهم المتطورة.
للحفاظ على إرثه، علينا أن نعيد النظر فيما أنجزه في أصعب الظروف. تميّزت رحلته بالمثابرة والوضوح والشعور العميق بالواجب. قدّم توثيقًا دقيقًا وصادقًا، لا يزال يُلهم من يسيرون على خطاه، أولئك الذين يُعْلون من شأن القضية الشركسية ويُعمّقون الوعي بنضالها المُستمر.
***************************
المراجع:
