حبر ودماء وصمت: كفاح شركيسيا ضد الإبادة الجماعية / أصداء المنفى: الأمة الشركسية وإرث الإبادة الجماعية في روسيا

سلسلة لقاءات أوكرانيا التاريخية / اللقاء الثامن:

روابط تجمع” — إنعكاس في علاقات تتار القرم وأوكرانيا وارتباط شركسي حاسم

التاريخ: 27 سبتمبر/أيلول 2025

مكان الإنعقاد في جامعة ويليام باترسون/ منطقة واين، نيوجيرسي


حبر ودماء وصمت: كفاح شركيسيا ضد الإبادة الجماعية

أصداء المنفى: الأمة الشركسية وإرث الإبادة الجماعية في روسيا

عادل بشقوي

27 سبتمبر/أيلول 2025


فارس شركسي وحيد، يلوح في الأفق على خلفية البحر الأسود المظلم بسبب العاصفة، يتلاشى شاطئه في الضباب. يحمل في طياته ثقل المنفى والكرامة والتحدي. يستحضر المنفى والطمس والصمود. / أُنتج بالذكاء الاصطناعي عبر كوبيلوت / مايكروسوفت.


تمهيد

يسعدني أن أشارك في هذا اللقاء المبارك،  الذي يعقد في ضوء العدوان الروسي على الحدود الشرقية لأوروبا“. يأتي هذا الحدثضمن سلسلة اللقاءات الأوكرانية التاريخية الثامنة: ”روابط تَجْمَعْ“ — تأمُّلات حول العلاقات بين تتار القرم وأوكرانيا وصلة شركسية مصيريّة، الذي تستضيفه جامعة ويليام باترسون،في  نيوجيرسي.

آملين أن تفتح هذه الفعالية الباب أمام تعاون وتنسيق أوسع بين الشركس وتتار القرم والأوكرانيينثلاث أمم مرتبطة بالذاكرة والمقاومة والسعي لتحقيق العدالة.

وتُعتبر الإبادة الجماعية الشركسية أسوأ إبادة جماعية ارتُكبت في القرن التاسع عشر. وبغض النظر عن سلسلة حملات الإبادة الجماعية، فقد اتّسمت بالجهود الوحشية التي بذلتها روسيا لإخفاء جرائمها وفظائعها في شركيسيا وغيرها.

المقدمة

إن سمعة روسيا على الساحة الدولية ملطخة ليس فقط بأفعالها الحالية ضد أوكرانيا وأمم أخرى، بل أيضًا برفضها المستمر لمواجهة جرائم ماضيها. من أودية شركيسيا المحروقةحيث غزت الإمبراطورية الروسية الفظّة شركيسيا وأُممًا أخرى في حروب إبادة جماعية وتدمير وتهجير قسريشنت روسيا حملة استمرت 101 عامًا، وهي أطول حرب خاضتها روسيا في تاريخها على الإطلاق. فبلغت الحرب ذروتها باحتلال شركيسيا بالكامل وإخضاعها وضمها القسري للدولة الاستعمارية الروسية.

بحلول القرن التاسع عشر، كانت شركيسيا قد نزفت بالفعل: جبالها صامتة، وشعبها مشتت، وذكراها مدفونة تحت وطأة الغزو الإمبريالي. وهذا يُرسّخ الخطاب في سياق تاريخي من الإهمال والظلم، ويدعو إلى التأمل في الأصول المنسية والفظائع الأخلاقية. فقد حصدت الحرب الروسيةالشركسية أرواحًا لا تُحصى، قبل وقت طويل من صياغة المحامي البولندي رافائيل ليمكين لمصطلح الإبادة الجماعية في عام 1944 في كتابه حكم المحور في أوروبا المحتلة. [1]

إبادة أمة عريقة الجذور

بعد الحكم المغولي الذي استمر منذ عام 1237، وعقب تفكك القبيلة الذهبية، برزت روسياوخاصةً موسكوفي وإماراتهاتدريجيًا كقوة إمبريالية وحشية. وبعد أن عانت من الغزو، اتجهت نحو الخارج، فاحتلّت وضمّت الشعوب المجاورة بقبضة من حديد. خضع بعضها مباشرةً؛ وأُجبر البعض الآخر على دفع الجزية.

منذ بداية حروبها الاستعمارية، انخرطت إمارة موسكوفي الكبرى بشكل كامل في الإبادة الجماعية وغيرها من أشكال الإبادة لتأسيس وإدامة إمبراطورية قائمة على العنف. وعلى مدار الأنظمة المتعاقبة، ارتكبت روسيا إبادة جماعية ضد عشرات الشعوب والأمملكل منها ندوبها الخاصة، ولكل منها تاريخها المُصْمت.

يتطلب تورط روسيا الممتد لقرون في جرائم الإبادة الجماعية تحليلًا واضحًا ومبسطًاليس فقط لفهم الحقائق، ولكن لمنع الإفلات من العقاب. فبينما تواصل روسيا تجاهل القوانين والأعراف الدولية، تظل غارقة في العنصرية والكراهية، في تناقض صارخ مع التزاماتها الأخلاقية والقانونية.

وتقف الأمة الشركسية أول ضحية لسياسة الإبادة الجماعية التي انتهجتها روسيا الاستعمارية.

تجارب شركيسيا

إن حجم حروب الإبادة التي ارتكبتها الأنظمة الروسية مذهل. فقد أدت الإبادة الجماعية الشركسية، التي نُفذت خلال الحرب الروسيةالشركسية (1763-1864)، إلى إبادة نصف السكان الشركسأي حوالي مليوني نسمةبحلول 21 مايو/أيار 1864. ورُحِّل 90% ممن نجوا إلى الإمبراطورية العثمانية. ويعيش أحفادهم اليوم في أكثر من 30 دولة. أما الـ 10% المتبقين، فقد هُجِّروا قسرًا على يد السلطات العسكرية المحتلة، بعيدًا عن البحر الأسود وما وراء نهر كوبان.

أرادت روسيا شركيسيا بدون الشركس

يطالب الشعب الشركسي الأصلي باستعادة حقوقه المشروعة. وكما أكد والت ريتشموند: ”من المهم أن يعترف الروس والمجتمع الدولي بالإبادة الجماعية، وحق العودة، واستعادة الحقوق المشروعةوخاصة تلك المتعلقة بحق تقرير المصير المستند إلى الشرعية الدولية“. كما وصف السنوات المأساوية للحرب الروسية الشركسية، مفصلاً الممارسات الإجرامية للوحدات العسكرية الروسية وقادتهاوكلها جزء من نية متعمدة لتدمير كل عنصر من عناصر حياة أمة عانت من الجشع والغزو الإمبراطوري. [2]

اللغة والثقافة

كيف يمكن للمرء أن يتخيل أنه بعد عقود من المنفى، يواصل أكثر من 7 ملايين شركسيموزّعين على عشرات البلدانأن يحافظوا على تراثهم الثقافي وهويتهم الوطنية؟ على الرغم من عيشهم في مجتمعات متنوعة ثقافيًا منذ القرن التاسع عشر، ظل الشركس ثابتين على التزامهم بالحفاظ على لغتهم وتقاليدهم وكرامتهم.

إن الحفاظ على اللغة والثقافة الشركسية أمر أساسي لصون الحقوق الإنسانية والوطنية. كما هو مذكور في الفقرة التالية:

الهدف الرئيسي هو منع انقراض اللغة والثقافة الشركسية. فإذا تراجعت اللغة أو انحسرت أو ضاعت (لا قدر الله)، فإنها ستُهدد وجود الأمة الشركسية المنكوبة وبقائها ومستقبلها. فيجب تركيز الاهتمام على الحفاظ على أهم مقومات بقاء الشركس كشعب له احترامه وله إرث حضاري مميز“. [3]

المستعمرون الروس: إرث من الوحشية والإنكار

  أصبحت شركيسيا ضحية منسية لما يُسمى بإمبراطورية الشر. قبل أوكرانيا، وقبل الشيشان، كانت هناك شركيسيا.

  تركت الجرائم الروسية والعنف الاستعماري جرحًا عميقًا في تاريخ الشركس، مُبشّرةً بأكبر إبادة جماعية في القرن التاسع عشر، ارتكبتها القوات العسكرية الروسية.

  لم يكن العداء تجاه الشعوب المحتلة والمضمومة عرضيًا، بل كان منهجيًا. فقد كانت جرائم الحرب والإبادة الجماعية أدواتٍ لترسيخ الاستعمار.

  رهاب روسيا: نفورٌ واسع الانتشار من روسيا ونظامها السياسي، وخاصةً تقاليد الاتحاد السوفياتي السابق، متجذرة في التجارب الحياتية للعنف والقمع.

  لقد كرّست روسيا الإهمال التاريخي والظلم والقسوة والتهجير، حيث أدامت صدمةً تتردد أصداؤها بين الوطن الأم والشّتات.

  تُعد شركيسيا من أقدم مواقع الوحشية للإمبراطورية الروسية، حيث ارتُكبت فيها الفظائع ضد الأمة الشركسية مع الإفلات من العقاب.

  لا يزال العدوان الروسي مستمرا حتى يومنا هذامن الغزو الإمبراطوري إلى الحرب الحديثة، ويظل النمط دون تغيير.

خاتمة

تتطلب قضية الإبادة الجماعية، وتورط روسيا فيها منذ أمد طويل، اهتمامًا عاجلًا. فمنذ عهد القيصرية والإمبراطورية، مرورًا بالاتحاد السوفياتي، وصولًا إلى الفيدراليّة الروسية الحالية، ارتكبت روسيا إبادة جماعية بحق عشرات الشعوب والأمم. وتتطلب هذه الجرائم، الممتدة على مدى قرون، تحليلًا واضحًا لكشف الحقائق ومنع الإفلات من العقاب.

تُمثل جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكبت قبل اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية لعام 1951 توترًا بين الحدود القانونية والوضوح الأخلاقي. كما جاء في أحد التحليلات:

مع أن اتفاقية الإبادة الجماعية دخلت حيز النفاذ في عام 1951، إلا أن صمتها حيال الفظائع السابقة لا يمحو حقيقتها. فقد يحمي عدم تطبيق القانون بأثر رجعي الجناة من الملاحقة القضائية الرسمية، لكنه لا يحجب التاريخ عن الذاكرة، ولا العدالة عن المطالبة بها. إن معاناة أولئك الذين لقوا حتفهم قبل أن يجف حبر القرار 260 (III) أ لا يخففها غياب القانون المُدوّن، بل تتفاقم بسبب الفراغ الأخلاقي الذي كشفه. نحن لا نتحدث لتوجيه الاتهام فحسب، بل للتذكر أيضًا. وفي التذكر، نقاوم الحذف الذي لا يستطيع القانون وحده معالجته“. [4] [5]

هذه ليست مجرد دعوة للاعتراف، بل هي دعوة للتذكر، والعدالة، واستعادة الكرامة لمن كُممت أفواههم. وتواصل الأمة الشركسية، كغيرها من الأمم، مقاومة الحذف من خلال الذاكرة، والدعوة، والسعي وراء الحقيقة.

**************************

المراجع:

[1] https://www.ungeneva.org/en/news-media/news/2023/12/88277/stories-un-archive-man-who-defined-genocide

[2] [Circassia: Born to be Free, Bashqawi A., p. 146]

[3] [The Circassian Miracle, p. 443]

[4] https://core.ac.uk/download/pdf/217155927.pdf

[5] https://groong.org/ICTJ-analysis.pdf

Share Button