الشركس يعززون مكانتهم كأكثر الحركات غير الروسية تنظيماً في روسيا
الناشر: مؤسسة ساراتوغا (The Saratoga Foundation)
بقلم: بول غوبل (Paul Goble)
12 ديسمبر/كانون الأوّل 2025
ترجمة: عادل بشقوي
12 ديسمبر/كانون الأوّل 2025
على مدى العقد الماضي على الأقل، هيأ الشركس أنفسهم ليكونوا أول أمة غير روسية تقود ما يُرجح أن يصبح مسيرة تحرر للشعوب المستعمرة حاليًا من نير حكم مسكو. وقد عززت الأشهر الاثنا عشر الماضية هذه الاحتمالية، ويعود ذلك في معظمه إلى تضافر ثلاثة مصادر للقوة المميزة للشعب الشركسي في نضاله ضد الاحتلال الروسي: التحركات المتزايدة نحو توحيد الشتات الشركسي الذي يبلغ تعداده سبعة ملايين نسمة على أساس مناهض لروسيا، وتوسيع نطاق تعاون النشطاء الشركس في الجمهوريات الثنائية القومية المتبقية وفي أماكن أخرى مع ممثلين عن قوميات أخرى، وتنامي العلاقات بين كلا الطرفين مع دول حول العالم ملتزمة بالعدالة واستقلال الشعوب الخاضعة لقمع موسكو. هذا المزيج، ولا سيما تكثيفه خلال العام الماضي، هو أمر لم تقترب منه أي أمة غير روسية أخرى داخل حدود الفيدرالية الروسية الحالية.
أولاً وقبل كل شيء، لطالما تمتع الشركس بميزتين رئيسيتين: جالية قوامها في الشّتات سبعة ملايين نسمة، و 700 ألف نسمة داخل حدود الفيدرالية الروسية، المنقسم إلى ثلاث جمهوريات ذات أغلبية شركسية في شمال القوقاز، وهي: قباردينو–بلكاريا، وأديغيا، وكراشيفو–شركيسيا. هذا يعني أن موسكو، في سعيها للسيطرة على الحركة القومية، مضطرة لخوض معركة على جبهتين، وهو أمرٌ برع فيه كل من الشتات والسكان في الوطن على حد سواء، وجعلتهم خبرتهم في ذلك أكثر عداءً لموسكو ومؤيدين للاستقلال.
… على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية، أصبحت الجماعتان الشركسيتان أكثر براعة في مواجهة التغلغل الروسي وجهود التضليل، وتشكلان الآن أمة واحدة على أتم الاستعداد لمواجهة موسكو، بما في ذلك أول تجمع على الإطلاق للشركس السوريين في دمشق منذ سقوط نظام حافظ الأسد، مدعوماً بالجالية الشركسية الكبيرة في تركيا، والتي يُقدر عدد أفرادها بما بين 3 و5 ملايين نسمة.
ثانيًا، أكثر من معظم القوميات غير الرّوسية الأخرى في الفيدرالية الروسية، اضطر الشركس، بفعل الظروف والتقاليد، إلى التعاون مع جماعات أخرى غير روسية. وللسيطرة على الشركس، وضعت الدولة السوفياتية الكثير منهم في جمهوريات ثنائيّة القوميّة، لا تزال اثنتان منها قائمتين، وهما قباردينو–بلكاريا وكراشييفو–شيركيسيا. وبينما كانت موسكو تأمل أن يؤدي ذلك إلى تقسيم الأمّة الشّركسيّة وإبقائها على خلاف مع جيرانها، فقد حدث العكس. إذ يعترف القبارديون والشراكسة بأغلبية ساحقة بانتمائهم إلى الشركس؛ وقد تعلم قادتهم، بحكم الضرورة والتقاليد الشركسية، العمل مع غير الروس بشكل أوثق مما هو عليه الحال مع معظم غير الروس. وفي العام الماضي، أصبح هذا النمط أكثر وضوحًا. (للاطلاع على أحدث الأمثلة على ذلك، يُرجى مراجعة الرابط التالي والمصادر المذكورة فيه: (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2025/10/kbr-officials-struggle-to-damp-down.html).
ثالثًا، أدرك الشركس أن بإمكانهم تحقيق أهدافهم ليس فقط بالتعاون مع غير الروس داخل الفيدرالية الروسية، بل أيضًا مع الدول الداعمة لهم في المجتمع الدولي. ومن بين هذه الدول الأردن، حيث توجد فيه جالية شركسية كبيرة، وتركيا، التي توجد فيها جالية شركسية أكبر. لكن الأهم من ذلك كله، هو تواصل الشركس وتعاونهم مع دولتين كانتا خاضعتين لحكم موسكو: أوكرانيا وليتوانيا. وقد نجح النشطاء الشركس في تأمين اعتراف كييف بتهجير الشركس من شمال القوقاز في عام 1864 باعتباره إبادة جماعية، والتزامها بالسعي للحصول على دعم من دول أخرى حول العالم للقيام بالمثل. ولعل الشركس أصبحوا خلال العام الماضي الأكثر نشاطًا في التعاون مع أوكرانيا. وقد ساهمت الجهود المبذولة للتواصل مع الشعوب غير الروسية في تنشيط الحركة.
علاوة على ذلك، حقق الشركس تقدماً ملحوظاً في بناء علاقات مع البرلمان الليتواني (سيماس)، حيث سيستضيف البرلمان في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول مؤتمراً دولياً في فيلنيوس بعنوان ”الإبادة الجماعية الشركسية في سياق التاريخ والسياسة المعاصرة“. وينظر الشركس إلى هذا الحدث كنقطة تحول في نضالهم. وكما يقول الناشط الشركسي كاسيه كيك، فإن هذا الاجتماع ”يمثل، ولأول مرة، اعتراف دولة — عضو في الاتحاد الأوروبي — بأهمية المأساة الشركسية، فضلاً عن إنشاء منتدى دولي لمناقشة الإبادة الجماعية والمنفى والعدالة التاريخية التي استمرت لأكثر من 160 عاماً“. ويمثل هذا ”لحظة يستطيع فيها الشتات الشركسي التحدث بصوت واحد، لا متفرقاً، وليس على المستوى المحلي فحسب، بل على مستوى السياسة العالمية والقانون الدولي“.
ويتابع قائلاً: ”بالنسبة للكرملين، يُمثل هذا الحدث إشارة مؤلمة. فقد تجاهلت موسكو القضية الشركسية لعقود، وحاولت طمس ذكرى الإبادة الجماعية بعبارات مثل {الظروف المأساوية} و{التعقيد التاريخي}. لكن هذا المؤتمر الدولي يُترجم المشكلة إلى لغة السياسة والقانون والمسؤولية الواضحة. فلم يعد هذا موضوعاً يُمكن تجاهله ببساطة“. ومن الواضح أن موسكو قلقة، وقد اتخذت بالفعل سلسلة من الإجراءات لمواجهة هذا التصاعد في النشاط الشركسي والدعم الذي يحظى به حول العالم.
وبالطبع، كثّف الدعائيون الروس حملتهم ضد ”الانفصاليين“ الشركس. لكن الأخطر من ذلك، أن السلطات الروسية تعمل على تقسيم الأمم الأعضاء في الجمهوريات الثنائية القومية، وإرسال بلطجية قوميين روس من اليمين المتطرف إليها لإثارة الفتن هناك. (للاطلاع على خلفية هذه السياسة، انظر (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2024/10/extreme-right-russian-community.html).
لكن كما هو الحال غالبًا مع جهود بوتين القمعية، من المرجح أن تأتي هذه التحركات بنتائج عكسية في العام المقبل، ليس فقط لأنها ستدفع الشركس إلى بذل المزيد من الجهود لتوسيع الروابط بين الشتات والوطن، والعمل مع غير الروس داخل الفيدرالية الروسية، والحصول على دعم من الدول التي تزداد اهتمامًا بدعم القضية الشركسية. وهذا يعني ما حدث بالفعل. من المرجح أن يكون ما حدث في عام 2025 أكثر أهمية بالنسبة لما سيحدث في الوطن الشركسي في عام 2026 مما يعتقده حتى أكثر الشركس تفاؤلاً وأصحاب النوايا الحسنة الآن.
المصدر:



