مؤتمر في البرلمان الليتواني يُمثّل نقطة تحوّل في الحركة الوطنية الشركسية

مؤتمر في البرلمان الليتواني يُمثّل نقطة تحوّل في الحركة الوطنية الشركسية

18 فبراير/شباط 2026

بقلم بول غوبل (Paul Goble)

ترجمة: عادل بشقوي

18 فبراير/شباط 2026



يُشكّل مؤتمر فيلنيوس، الذي عُقد في ديسمبر/كانون الأول 2025، نقطة تحوّل في تاريخ الحركة الوطنية الشركسية، ليس فقط لاجتماع ممثلي المجتمعات الشركسية مع برلمانيين من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بل والأهم من ذلك، فقد أصبح هذا الاجتماع نموذجًا يُحتذى به للجهود الشركسية في أماكن أخرى لمواجهة الحرب الإعلامية التي تشنّها موسكو ضدّ أمّتهم، ولتوحيد أكبر وأكثر الشعوب تفرُّقًا بين القوميات غير الروسية التي تقع أراضيها ضمن حدود الفيدرالية الرّوسيّة الحالية.

إذا تم الاعتراف على الفور بالأهمية الرمزية لمؤتمر فيلنيوس ليس فقط من قبل المشاركين ولكن من قبل المراقبين، فإن التأثير العملي لهذا الاجتماع لم يتأخر، إذ سارع نشطاء آخرون في بلد آخرأذربيجان هذه الحالةفي التحرك للاعتراف بتصرفات الدولة الروسية ضد الشركس باعتبارها عملاً من أعمال الإبادة الجماعية، ويشير خبير شركسي بارز إلى كيف يمكن لاجتماع فيلنيوس أن يساعد في توحيد الأمة الشركسية المنقسمة وإظهار ما يجب القيام به حتى الآن بينما تسعى تلك الأمة لاستعادة مكانتها اللائقة في العالم.


*الصورة أعلاه مأخوذة من موقعمينفال” الالكتروني الأذربيجاني، وتتناول محنة الشركس.


لطالما أثارت المؤتمرات الدولية حول الإبادة الجماعية للشركس انتقادات أحيانًا من قبل البعض، لأن الأحداث التي تركز عليها وقعت في القرن التاسع عشر، على الرغم من أن آثار تلك الأعمال، بالإضافة إلى تحركات الإبادة الجماعية الجديدة التي تقوم بها الدولة الروسية، ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. إلا أن اجتماع فيلنيوس يُظهر أن هذه الانتقادات في غير محلها. فجورجيا و أوكرانيا لم تعترفا فقط بالأفعال الروسية ضد الشركس باعتبارها إبادة جماعية، بل إن هذا الاعتراف ساهم في دعم الحركات الشركسية وغيرها من الحركات القومية داخل حدود الفيدرالية الروسية.


زعيم المعارضة الشيشانية أحمد زكاييف في فيلنيوس


بدلاً من ذلك، يُعدّ الحديث عن الإبادة الجماعية في حالة الشركس وسيلةً لبناء جسور التواصل مع شعوب أخرى وقعت ضحيةً لأعمال الإبادة الجماعية الروسية. لم يكن الأذربيجانيون ليشاركوا في ذلك الاجتماع أو يتحدثوا بتلك الطريقة عن الإبادة الجماعية الشركسية لولا معاناتهم من مآسٍ مماثلة في تاريخهم الوطني. ويُظهر ذلك أن النشطاء الشركس الذين يُركّزون على الإبادة الجماعية يسيرون على الطريق الصحيح، وأن جهودهم تُتيح للشركس فرصةً للتوحد خلف قضيتهم مع شعوب أخرى عانت من الإبادة الجماعية، في المقام الأول على يد الدولة الروسية، لكن على نطاق أوسع أيضاً. فالمغزى واضح: يمنح هذا النهج الحركة الشركسية سبيلاً للخروج من العزلة التي وجدت نفسها فيها أحياناً، وقد يكون أكثر فاعلية من التعبئة الشركسية الناجحة للغاية التي رافقت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014، والتي أصرّت موسكو على إقامتها على أرض كانت في السابق مسرحاً لحملة الإبادية الجماعية ضد الشركس.


متوفر للشراء هنا


أما الدرس الآخر المستفاد من مؤتمر فيلنيوس، فقد استخلصه عادل بشقوي، أحد المشاركين في ذلك الاجتماع، وهو مؤرخ بارز متخصص في تاريخ شركيسيا والشركس، والمحرر الذي لا غنى عنه للموقع الإلكتروني الرّئيسيالعدالة لشمال القوقاز“. في كلمته التي عنونها “إسكات صوت الشتات الشركسي، تحدث بشقوي عن سعي موسكو الدؤوب، قبل وأثناء وبعد الحقبة السوفيتية، لمنع الشركس من التّوحُّد والتّحدُّث بصوت واحد إلى أصحاب النوايا الحسنة في جميع أنحاء العالم.

من بين كافّة ضحايا الإمبريالية الروسية، كان الشركس الأكثر تفرُّقًا، حيث طُرد 90% منهم من وطنهم نتيجة الإبادة الجماعية الروسية الخالصة، أما الـ 10% المتبقيين في الوطن فقد انقسموا بسبب الهندسة الإثنية السوفيتية التي تسعى إلى تدمير الأمة بتقسيمها إلى أجزاء. فبدلًا من أمة شركسية موحدة، هناك الأديغه والشركس والقباردي، الذين يتمتعون بنوع من السيادة، وجماعات أخرى أصغر حجمًا لا تتمتع بها. في الواقع، جميعهم شركس، لكن موسكو تدرك أنه إذا أدركوا ذلك وطوروا وسائل التواصل فيما بينهم، فإن النظام القمعي الروسي في شمال القوقاز سينهار.

التوقعات

لقد حظيت روسيا بميزة كبيرة في حربها الإعلامية ضد الشركس. فمن بين سبعة ملايين شركسي في الخارج، لا يعرف الكثيرون منهم اللغة الشركسية، بل يتحدثون العربية أو التركية أو لغات أخرى؛ ومن بين 700 ألف شركسي في الوطن، ورغم أن الأمم الثلاثالمعترف بهاتتحدث لغات متقاربة، فقد تم تشجيعهم على اعتبار أنفسهم شعوبًا مختلفة. ويُؤمل في نهاية المطاف أن يتمكن جميع الشركس من العودة إلى شركيسيا المُستعادة، وأن يُنمّوا التقاليد العريقة للغة الشركسية. لكن هذا هدف طويل الأمد.

أما على المدى القريب، فهناك حاجة إلى شيء آخر، وهو ما يُشير إليه كلام بشقوي. ما تحتاجه الحركة الشركسية الآن، كما أظهر اجتماع فيلنيوس، هو منفذ إعلامي شركسي مشترك يستطيع جميع الشركس اللجوء إليه، ثم التبديل بين اللغات التي يعرفونها اليوم، واللغات العالمية التي يمكن للآخرين استخدامها للتعرف عليهم، وشركيسيا التي سيستعيدونها في نهاية المطاف.

إن إنشاء مثل هذا المنفذ الإعلامي لن يكون بالأمر الهين، فمهام تجميعه وتحريره ضخمة، ومهام الترجمة ليست بالهينة أيضاً، لكنها المهمة التالية البديهية للحركة الوطنية الشركسية، وهي مهمة إذا ما أُنجزت ستُنهي الاستعمار الروسي نهائياً، وتُنهي تاريخ الإبادات الجماعية التي ارتكبها أينما سيطر، وستضمن ازدهار الشركس وبلادهم ولغتهم. ونظراً لما يمكن تحقيقه، كما أوحت فيلنيوس، فهذه هي المهمة التي ينبغي على الشركس وأنصارهم توجيه جهودهم إليها الآن.

المصدر:

https://www.saratoga-foundation.org/p/conference-in-lithuanian-parliament?utm_source=substack&publication_id=3073942&post_id=187893572&utm_medium=email&utm_content=share&utm_campaign=email-share&triggerShare=true&isFreemail=true&r=2ybb27&triedRedirect=true

Share Button