الغزو والقوة الساحقة: لا مبرر للإبادة الجماعية
عادل بشقوي
6 أبريل/نيسان 2026

عائلات شركسية في المنفى – نقش على طراز القرن التاسع عشر يرمز إلى الصمود وسط الدمار (AI-generated via Microsoft Copilot)
على مر التاريخ، سعت القوى الإمبراطورية إلى إخفاء أفظع فظائعها تحت عباءة ”الضرورة الاستراتيجية“. فقد استُحضر التفوق العسكري، والطموحات التوسعية، وما يُزعم أنها مقتضيات ”فن الحكم“ مراراً وتكراراً لتبرير إبادة شعوب بأكملها؛ وكأن القدرة على التدمير تمنح في حد ذاتها رخصةً للقيام بهذا العمل الشائن. ومع ذلك، فما من حسابات للقوة، ولا عقيدة للغزو، ولا أي احتكام للمصالح الجيوسياسية، قد امتلكت يوماً—أو يمكن أن تمتلك مستقبلاً—السلطة الأخلاقية الكافية لتبرير الإبادة الجماعية.
وتقف الأمة الشركسية لتكون واحدة من أكثر الشواهد التاريخية إثارةً للذهول، والتي لا تزال فصولها مفتوحةً دون حسم، على حقيقة هذه المسألة. فعلى مدار أكثر من قرن من الزمان، قاوم الشركس الزحف المتواصل للإمبراطورية الروسية عبر منطقة شمال–غرب القوقاز، مدافعين عن وطنهم ببسالةٍ نالت تقدير المعاصرين والمؤرخين على حد سواء. غير أن مكافأتهم لم تكن التفاوض أو التعايش، بل كانت الإبادة الممنهجة والتهجير الجماعي. وبحلول عام 1864، توّجت تلك العملية—التي بدأت كحملة توسع إمبراطوري—بجريمة الإبادة الجماعية: تدمير حضارة، وإفراغ وطن من أهله، وتشتيت شعبٍ بأكمله عبر القارات؛ وهي تداعياتٌ لا تزال آثارها ماثلةً حتى يومنا هذا.
يتناول هذا المقال التناقض الجوهري القائم بين منطق الغزو وبين الحدود الأخلاقية التي لا يحق لأي قوة—مهما بلغت سطوتها أو كانت ساحقة—أن تتجاوزها. كما يطرح المقال حجةً مفادها أن الإطار ذاته الذي يُستخدم فيه التفوق العسكري لإضفاء الشرعية على الإبادة يجب أن يُفكك ويُنسف؛ ليس فقط في الحالة الشركسية، بل في أي سياقٍ آخر تم فيه توظيف آلة الغزو لطمس حق أمةٍ ما في الوجود.
أينما حلّوا، يظل الشركس ثابتين على عهدهم؛ ليس فقط من خلال إحياء ذكرى ذلك اليوم الكئيب، الحادي والعشرين من مايو/أيار من كل عام (الذي يوافق ذكرى الإبادة الجماعية، والاحتلال الاستعماري، والتهجير القسري)، لتذكير أنفسهم وأمتهم بالفظائع التي ارتُكبت بحقهم وبحق آبائهم وأجدادهم، بل أيضاً من خلال العمل بلا كلل أو ملل لاستعادة حقوقهم المشروعة، التي لم يزدها مرور الزمن إلا رسوخاً. وعلاوة على ذلك، فإنهم يسعون جاهدين لتذكير العالم أجمع وإطلاعه على هذه الجرائم الشائنة وتداعياتها المستمرة. فقد ارتكبت القوات الغازية الوحشية سلسلة من الانتهاكات والتجاوزات والجرائم؛ وفي مقدمتها جريمة الإبادة الجماعية التي امتدت لأكثر من قرن من الزمان.
فقد تم إفناء ما يزيد على نصف إجمالي سكان هذه الأمة الصبورة والصامدة، في حين تم تهجير الغالبية العظمى من الناجين قسراً، وفي ظل ظروف مأساوية، إلى خارج حدود وطنهم. ولم يتبقَّ في الوطن سوى عشرة بالمائة فقط من السكان؛ ومع ذلك، فقد فُرِّق شملهم أيضاً داخل بلادهم، إذ رُحِّلوا وهُجِّروا إلى مناطق إدارية استعمارية روسية نائية، بعيدة كل البعد عن سواحل البحر الأسود. ونتيجة لذلك، تحولت الأراضي التي خُصصت لتكون أماكن لإقامتهم إلى مناطق جغرافية مجزأة ومفككة وغير متصلة ببعضها البعض؛ وهي استراتيجية متعمدة صُممت لحرمان الشركس الذين بقوا في وطنهم من أي فرصة للم شملهم وإعادة اندماجهم.
في هذا السياق التاريخي—الذي يربط بين الأحداث المأساوية في الماضي والواقع المؤلم في الحاضر—تواصل المجتمعات الشركسية في المهجر إحياء الذكرى الدورية لجريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري التي لا مثيل لها؛ وهي جريمة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها أكبر عمل من أعمال الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في القرن التاسع عشر. ”فبموجب قرارها 69/323 المؤرخ 11 سبتمبر/أيلول 2015، حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 9 ديسمبر/كانون الأوّل ليكون ‘اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية والكرامة الإنسانية وللوقاية من هذه الجريمة‘… وفي كل عام، ينظم مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية فعاليات للاحتفاء بهذا اليوم الدولي، تكريماً لضحايا الإبادة الجماعية واحتفالاً بذكرى الاتفاقية“. [1]
في العصر الحديث، تطورت القوانين والمفاهيم الدولية، وصدرت تشريعات لإرساء معايير تحكم التزام المجتمع الدولي بصون الكرامة الوطنية — تماشياً مع قوانين حقوق الإنسان — فضلاً عن الاحتفاء بهذه الذكرى وإدراك ما تنطوي عليه من أهمية. ”وتؤكد ‘اتفاقية الإبادة الجماعية‘ أن الإبادة الجماعية—سواء ارتُكبت في زمن السلم أو الحرب—تُعد جريمة بموجب القانون الدولي، وتتعهد الأطراف في الاتفاقية بِ ‘منعها والمعاقبة عليها‘ (المادة 1). وتقع المسؤولية الأساسية عن منع الإبادة الجماعية ووقفها على عاتق الدولة“. [2]
المراجع:
[1] https://www.un.org/ar/observances/genocide-prevention-day
[2] https://www.un.org/ar/observances/genocide-prevention-day
