تمجيد الاستعمار: كوبان مثالًا

تمجيد الاستعمار: كوبان مثالًا

عادل بشقوي

26 أبريل/نيسان 2026


(AI-generated via Microsoft Copilot)

أعادت النقاشات السياسية الأخيرة حول مستقبل مناطق روسيا إحياء سرديات استعمارية قديمة، لا سيما فيما يتعلق بما يسمّىكوبان.“ وقدّم مؤتمر عُقد في كييف مؤخّرا في أبريل/نيسان 2026 دراساتٍ تصوّر عشر دول محتملة لما بعد روسيا، من بينها كوبان، دون استشارة السكان الأصليّين الشّركس الذين ضُمّت أراضيهم قسرًا وأُعيد تشكيلها من قِبل الإمبراطورية الروسية. وكان قد أُنشئ الكيان الإداري المعروف باسمكوبانفي عام 1860 من قِبل السلطات العسكرية الروسية بعد حملة وحشية من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري. إن التعامل مع هذا الكيان المصطنع كمنطقة تاريخية شرعية يمحو الجرائم التي أدّت إلى إنشائه.

إن تصوير المؤتمر لمنطقةكوبانباعتبارها منطقة قوية اقتصادياً يتجاهل الظلم الجوهري الذي قام عليه تأسيسها؛ حيث أنّكوبانهو في الأصل اسم لنهر وحوض مائي شركسي يحدد الحدود الشمالية لبلاد الشركس. وقد جاء تحوّلها إلى مقاطعة روسية في أعقاب حربالأرض المحروقةالتي دمّرت المجتمع الشركسي وأدّت إلى التهجير القسري لسكانه. وإن أي تحليل معاصر يتبنّى هذه الحدود الاستعمارية دون تمحيص يُخاطر بإضفاء الشرعية على تلك الهياكل ذاتها التي شُيِّدت على أساس الاغتصاب والتجريد من الحقوق.

تكتسب هذه المسألة أهمية لافتة للنظر، لا سيما عند النظر إليها في سياقها الراهن؛ إذ تبدو العديد من الأصوات ذاتها التي تدين الغزو الروسي لأوكرانيا غير مكترثة بالتاريخ الموازي للعدوان الروسي ضد الشركس وغيرهم من شعوب القوقاز. ويكشف هذا السخط الانتقائي عن معيار مزدوج مثير للقلق: فبينما يُعترف بمعاناة بعض الأمم، يتم تجاهل معاناة أمم أخرى أو إلقاؤها في طي النسيان. إن الجرائم التي ارتُكبت بحق أوكرانيامن احتلال، وضم أراضٍ، وهندسة ديموغرافيةتُعد مرآة تعكس الجرائم التي اقترفت ضد بلاد الشركس (شركيسيا) في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، لا تزال بعض الأطراف تتعامل مع مسمّىكوبانباعتباره فئة حيادية أو مشروعة، مما يساهم في إدامة إرث الإمبريالية الروسية.

إن استمرار هذه الأطر الاستعمارية لا يُعد مجرد مسألة أكاديمية فحسب، بل تترتب عليه تداعيات حقيقية تمس الكيفية التي يجري بها تصور ملامح المستقبل في مرحلة ما بعد الإمبراطورية. فقبول شرعية الكيانات التي نشأت على أنقاض الإبادة الجماعية والاحتلال يقوّض حقوق الشعوب الأصلية، ويُضفي طابعاً من التطبيع على النتائج المترتبة على العنف الاستعماري. ولا يسع الفكر السياسي الناضج أن يقرّ مثل هذه البنى المصطنعة، كما لا يمكنه أن يقبل للآخرين ما لن يقبله أبداً لوطنه هو.

من جانبهم، دعم الشركس باستمرار نضال أوكرانيا ضد العدوان الروسي، مُدركين فيه نفس الطموحات الإمبريالية التي دمرت أمتهم. ويعكس اعتراف أوكرانيا بالإبادة الجماعية الشركسية في يناير 2025 هذا الفهم المشترك. ومع ذلك، حتى مع تعمّق التضامن، لا تزال بعض الجهات الخارجية تُروج لأطر تتجاهل حقوق الشركس وحقائقهم التاريخية.

ويُجسّد الترويج لـكوبانكدولة مستقلة مستقبلية هذا النهج الانتقائي تجاه الحرية. فهو يتجاهل حقيقة إبادة أو طرد السكان الأصليين للمنطقة، وضم أراضيهم بشكل غير قانوني. ومثل هذه المقترحات تُخاطر بأن تُصبح أدوات دعائية تُعزز، دون قصد، الروايات الاستعمارية الروسية بدلًا من تفكيكها.

وتُناقض الأدلة التاريخية هذه الروايات. فخريطة صادرة عن وزارة الحرب البريطانية في عام 1855 بعنوانشركيسيا والأراضي الروسية الواقعة شمال كوبانتُصوّر المنطقة بوضوح قبل الاحتلال الروسي، مُؤكدةً على الطبيعة المصطنعة للتقسيمات الإدارية اللاحقة. ويتطلّب استعادة الدقة التاريخية الاعتراف بهذه الحقائق والانخراط في حوار حقيقي بين الشعوب المتضررة من الاستعمار.

وفي نهاية المطاف، يتطلب معالجة هذه القضايا الالتزام بالمبادئ القانونية الدولية، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يُمكن أن يكون إنهاء الاستعمار الحقيقي انتقائيًا. بل يجب أن يُواجه جميع أشكال الاحتلال والضم والهندسة الديموغرافيةالماضية والحاضرةدون استثناء.

الحرية الانتقائية ليست حرية حقيقية

منذ بداية العدوان الروسي على أوكرانيا، أكد الشعب الشركسي بشكل قاطع دعمه لمقاومة أوكرانيا الثابتة للسياسات التوسعية الروسية. وهم يدركون أن هذه الممارسات الاستعمارية المعاصرة تعكس المظالم التاريخية التي ألحقتها الإمبراطورية الروسية بشركيسيا وسكانها.

تُشكل دراسةكوبانالمنشورة مادةً تبدو وكأنها تُستخدم كدعاية وأداة للترويج للروايات الإمبريالية والاستعمارية الروسية، لا سيما في المناطق التي تعرض سكانها الأصليون للإبادة ثم ضُمت أراضيهم. ولا تزال هذه القضية دون حل حتى يومنا هذا. ومن غير المعقول أن يقبل أي شعب أو أمة وقعوا ضحية للعدوان الاستعماري الروسي طواعيةً بمفهومالحرية الانتقائيةالمشكوك فيه.

وفي هذا الصدد، يمكن لميثاق حقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة أن تكون بمثابة الحكم الفصل. وكما نُصَّ عليه فياتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها“: ”يُعاقب الأشخاص الذين يرتكبون جريمة الإبادة الجماعية أو أياً من الأفعال الأخرى المعددة في المادة الثالثة، سواء كانوا حكاماً مسؤولين دستورياً، أو موظفين عموميين، أو أفراداً عاديين“.

Share Button