إحياءً لذكرى الإبادة الجماعية والتهجير الشركسي / تأملات بعين ثاقبة / 21 مايو/أيار — يوم الذكرى الشركسية العالمية

إحياءً لذكرى الإبادة الجماعية والتهجير الشركسي / تأملات بعين ثاقبة / 21 مايو/أياريوم الذكرى الشركسية العالمية


عادل بشقوي

21 مايو/أيار 2026


إحياء ذكرى الإبادة الجماعية والتهجير الشركسي — 21 مايو/أيار من علياء النسر، تغدو الذاكرة رؤية؛ فشعبٌ أُلقيَ ذات يومٍ في غياهب المنفى، لا يزال ينهضُ في رحاب الذكرى. وتظلُّ الشّعلةُ متقدةً، تُنيرُ الدربَ من الضّياع إلى العدالة، ومن الصّمتِ إلى الحقيقة.


في الحادي والعشرين من شهر مايو/أيار من كل عام، يتوقف الشّركس في شتى أنحاء العالم إجلالاً لجرحٍ لم يندمل تماماً بعد؛ ألا وهو الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي اللذان أطفآ نور وطنٍ بأكمله، وشتّتا شمل أمةٍ عبر القارات. ومن منظورٍ يُحاكيعين نسريحلّق على علوٍ شاهق، لا تبدو أحداث عام 1864 مجرد مآسٍ معزولة، بل تتجلى كذروةٍ لمشروعٍ إمبرياليٍ مُدبَّر، سعى إلى محو شعبٍ بأكمله عبر اقتلاع جذوره من أرضه، وطمس هويته القوميّة، وتبديد مستقبله، حتّى إلى حد تزوير التاريخ. ومع ذلك، فإن هذه النظرة الشاهقة ذاتها تكشف أيضاً عن أمرٍ عجز مهندسو ذلك الدمار عن توقعه: ألا وهو صمود أمةٍ رفضت أن تتلاشى، وحملت ذاكرتها ولغتها ومطالبها الأخلاقية عبر الأجيال. وعليه، فإن إحياء ذكرى الحادي والعشرين من مايو/أيار لا يقتصر على الحداد على ما فُقِدِ وسُلِب فحسب، بل يمثل أيضاً إعادة تأكيدٍ لما بقي صامداً، ولما لا يزال يتعين استعادته.

تطرح هذه المقالة حجةً مفادها أن إحياء ذكرى الحادي والعشرين من مايو/أيار ليس مجرد فعلٍ من أفعال التذكر، بل هو إعادة تأكيدٍ ضروريةٍ للحقيقة التاريخية في مواجهة استمرار الإنكار، والتشويه، واللامبالاة الجيوسياسية. فمن خلال إعادة النظر في أحداث الإبادة والتهجير عبر عدسةعين النسرالشاهقة، يمكننا تتبّع القوى الهيكلية التي مهدت الطريق لتدمير بلاد الشركس (شركيسيا)، ورصد التداعيات المستمرة التي خلّفها ذلك على أمتها المشتتة، واستجلاء الالتزامات الأخلاقية التي تقع على عاتق المجتمع الدولي في يومنا هذا. إن الغاية من هذا التأمل مزدوجة: فهي تهدف أولاً إلى تسليط الضوء على آليات الحذف التي صاغت ملامح الماضي، وثانياً إلى ترسيخ دعائم وعيٍ شركسيٍ عالميٍ يُصرّ إصراراً راسخاً على تحقيق العدالة، ونيل الاعتراف، والحفاظ على الهوية القومية. ومن خلال هذا المسعى، لا تكتفي المقالة بتقديم الحادي والعشرين من مايو/أيار باعتباره يوماً للحداد فحسب، بل تضعه أيضاً في مصاف الدعوات المنادية بالوضوح، والوحدة، وتحمّل المسؤولية التاريخية.

لا تُعدّ هذه محاولةً لتشويه سمعة روسيا؛ بل هي إقرارٌ بأن الأنظمة الروسية المتعاقبة، منذ عهدإيفان الرهيب، لم تترك مجالاً يُذكر للشك حول طبيعة سياساتها. فعلى مر القرون، عجزت الدولة الروسية عن إخفاءأو تبريرالأنماط المنهجية المرتبطة بسلوكها الإمبريالي والاستعماري؛ تلك الأنماط التي تجسّدت في الغزو، والدمار، وانتهاك حقوق الشعوب والأمم الصغيرة والضعيفة والمُسالمة، التي تقف إمكاناتها المحدودة في تناقضٍ صارخ مع الموارد الهائلة والقوة العسكرية التي امتلكتها الإمبراطورية الروسية وخلفاؤها.

إن ما يثير السخط حقاً هو تلك الدوافع الخفيةذلك البريق واللمعان الناجم عن الجشعالتي طالما تلألأت في عقول الغزاة والمحتلين والمستعمرين. وقد تُثمر مثل هذه الدوافع انتصاراتٍ مؤقتة، ولكن لفترةٍ وجيزةٍ فحسب؛ إذ إنها تصطدم في نهاية المطاف بمن يملكون الوطن حقاً، ويحملون حقوقاً مشروعةحقوقاً لن يتم التنازل عنها أبداً، مهما تعاقبت السنين.

إن الهدف هنا ليس البكاء على ما جرى، ولا الرُّكون السلبي في الماضي، وبالتأكيد ليس الاستسلام للأمر الواقع؛ بل هو السعي، عبر وسائل عقلانية ومبدئية، للتخلص من إرثٍ استعماريٍ جاثمٍ بثقله على صدورنا جميعًاإرثٌ تضرب جذوره في القتل والإبادة، وخلّف وراءه جراحاً لا تزال تنزف ولم تندمل بعد.

ومن المستحيل حجب أوجه عدم المساواة الصارخة القائمة بين القوى الاستعمارية وبين الشعوب والأمم التي اكتوت بنار النهب والسلب الإمبريالي. فقد أدى هذا الاستغلال إلى استنزاف هذه الأمم، ونهب مواردها، وزعزعة استقرار مجتمعاتها؛ وهو ما يعكس نمطاً أوسع نطاقاً، حيث يُفرز الهيمنة الإمبراطورية عواقب اجتماعية واقتصادية وبيئية عميقة تطال كل من يقع تحت وطأتها.

باختصار:

إن ما يهم حقاً هو إعطاء الأولوية لما هو جوهري وأساسي. لقد وضعت الدولة الروسية نفسها في فخٍ نصبته لنفسها، ولا مخرج منه إلا بإنهاء الاستعمار، ومنح الحرية للشعوب والأمم، واستعادة حقوقها المشروعة وفقاً للقوانين والأعراف الدولية. وفي نهاية المطاف، سيتوجب على الشعوب والأمم المستضعفة أن تضع إرادتها على المحك.

وبينما نحيي ذكرى يوم 21 مايو/أيار في كل عامٍ، فإننا نفعل ذلك إدراكاً منا بأن مجرد التذكر لا يكفي. إن إرث الإبادة الجماعية والتهجير القسري للشعب الشركسي يتطلب يقظةً وبحثاً علمياً دقيقاً والتزاماً راسخاً بالعدالة. وتُذكّرنانظرة النسرالثّاقبة بأن التاريخ ليس مجرد سجلٍ لما ارتُكب بحق أمةٍ ما، بل هو شهادةٌ حية على قدرة تلك الأمة على الصمود، وإعادة البناء، واستعادة صوتها وهويتها. فالشركس اليوم لا يقفون كبقايا ماضٍ محطم، بل كوارثٍ لإرثٍ صامد يواصل تأكيد مكانته المستحقة في هذا العالم. وعليه، فإن إحياء هذه الذكرى يتحول إلى فعلٍ من أفعال الوضوح الأخلاقيإعلانٍ بأن الحقيقة لا يمكن طمسها، وبأن الهوية لا يمكن إخمادها، وبأن السعي نحو العدالة يظل واجباً ومصيراً في آنٍ واحد. وتكريماً للماضي، نُعزّز العزيمة لصياغة مستقبلٍ يليقُ بمن فقدناهم، وبمن يواصلون النضال من أجل الاعتراف والكرامة والحرية.

Share Button