المراوغة
عادل بشقوي
10 / 7 / 2026

تُعرّف المراوغة (Evasion)، وفقاً لقاموس “ميريام–ويبستر“، بأنها ”فعل أو حالة التَّملُّص“، أي تجنب المواجهة أو الاشتباك المباشر. إنها فن أو أسلوب لتفادي الصدام؛ وغالباً ما يتم ذلك بأساليب تتّسِم بالمكر أو الارتباك، وفي ظروف مُصممة خصيصاً لطمس المسؤولية.
منذ احتلال شركيسيا وضمها، دأبت السلطات الحاكمة على استخدام آليات التملص لتجنب مواجهة القضايا الجوهرية التي تؤثّر على الشعب الشركسي بمختلف أماكن تواجده وخلفياته. وفي هذا السياق، لا تُعد المراوغة مجرد فعل سلبي، بل أسلوباً متعمّداً لتجنب المواجهة المباشرة أو التفوق بذكاء على الخصم، سواء في المجالات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية.
إن هذا النهج المراوغ تجاه القضية الشركسية وتداعياتها ليس أمراً تافهاً أو عديم الأثر؛ فقد شكّل المشهد العام للحياة الشركسية، سواء أثناء الحرب الروسية–الشركسية أو بعد انتهاء القتال رسمياً في 21 مايو/أيار 1864. لقد عُزل السكان الأصليون داخل كيانات استيطانية استعمارية غير شرعية؛ خضعت في البداية لإدارات عسكرية تحولت لاحقاً إلى هيئات شبه مدنية، لكنها ظلت خاضعة تماماً لسيطرة الأجهزة الأمنية التابعة لجهاز الأمن الفيدرالي.
تُشكل هذه المراوغة تكتيكاً –أو فناً– تستخدمه السلطات الحاكمة لإضفاء طابع ”شبه طبيعي“ على الوضع مع السكان الأصليين للمنطقة. ولم يكن هدفهم يقتصر على الاستيلاء على الوطن فحسب، بل شمل أيضاً تطبيع العلاقات مع الشركس الذين بقوا فيه، وإجبارهم على التكيف مع واقع مفروض.
لقد واجه المواطنون الشركس الذين بقوا في وطنهم أشكالاً من المعاملة تُعد من أقسى ما يمكن أن يتحمله البشر؛ إذ استغل المحتلون السكان الأصليين عبر الخداع والتلاعب. وفُرضت عليهم صيغة من السياسات الممنهجة والمُدبّرة، أجبرتهم على قبول الاحتلال وأدواته وقوانينه الجائرة، في عملية أشبه بـ ”الترويض“ –كما تُروَّض الخيل.
وشملت عملية التطبيع هذه أبعاداً سياسية وثقافية واقتصادية طالت كافة جوانب الحياة، لضمان بقاء المجتمعات الشركسية –المتفرقة في أنحاء وطنها– خاضعة لحكم استبدادي. وتجاهلت هذه السياسات حاجة الشركس للعيش كمجتمع موحد ضمن حيز جغرافي متماسك، أو الحفاظ على وحدتهم السياسية، أو حتى الحفاظ على روابطهم الاجتماعية والثقافية الأساسية. بعد التطرق إلى أسلوب المراوغة الذي يتبعه المحتلون، لا بد أيضاً من الإشارة إلى المراوغة التي يمارسها وكلاؤهم؛ أي أولئك الذين يعملون ضمن حكومات الكيانات المحلية ذاتية الحكم –أو إلى جانبها– والمُقامة في الجزء المحتل من ”شركيسيا“ في شمال غرب القوقاز.
وينخرط بعض الأفراد في مراوغة عقيمة، وهي ممارسة تكشف حقيقتهم بسهولة؛ فبدلاً من الإقرار بأن الحقيقة تقترن بالجرأة، يتجنبون مواجهة القضايا الحقيقية والملِحّة. وغالباً ما يُنظر إلى هذا السلوك على أنه نفاق أو عدم نزاهة؛ إذ يلجأ الكثيرون إلى أساليب المراوغة استباقاً للمساءلة، ظناً منهم أن هذا التجنب الأخرق سيحميهم من التدقيق والرقابة، في حين أن أفعالهم تُفضح بسهولة وتُعرف على حقيقتها: محاولات عقيمة للتهرب من المسؤولية.
باختصار، تعمل هذه الشخصيات المؤثرة –التي تتحرك من مواقع ثقافية واجتماعية وسياسية متنوعة– ضد مصالح وحقوق الأمة ذاتها التي تنكروا لها ورفضوا تاريخها. وبدلاً من تمكين أبناء جلدتهم من المطالبة بحقوقهم المشروعة واستردادها وفقاً للقوانين والأعراف الدولية، فإنهم يغلّبون مصالحهم الشخصية والأنانية.
