يتصدر الشركس الدفاع عن آخر معاقل الفيدرالية والحكم الذاتي في روسيا

مؤسسة ساراتوغا (The Saratoga Foundation)

منظور أوراسيا (Eurasia Outlook)

يتصدر الشركس الدفاع عن آخر معاقل الفيدرالية والحكم الذاتي في روسيا

8 يوليو/تموز 2026

بقلم: بول غوبل (Paul Goble)

ترجمة: عادل بشقوي

24 يوليو/تموز 2026



على الرغم من عدم امتلاكهم جمهورية خاصة بهم، فقد تصدر الشركسسواء في شمال القوقاز أو في مجتمعات الشتات بالخارجمشهد الدفاع عن أحد آخر مظاهر الفيدرالية والحكم الذاتي في روسيا: ألا وهو حق الكيان الفيدرالي في إبداء رأيه بشأن أي تغييرات تطرأ على حدود جمهوريته. ورغم أهمية الجهود الشركسية وإثارتها للإعجاب، فمن شبه المؤكد أنها لن تمنع موسكو من إلغاء البنود التي تحمي حقوق سكانقباردينوبلكاريافي السيطرة على حدودهم؛ إلا أن هذه الجهود ستساهم في الوقت ذاته في حشد الشعب الشركسيسواء داخل هذا الكيان الفيدرالي أو خارجهودفع حركات قومية أخرى لتبني هذه القضية، وهو تطور تخشاه موسكو أكثر من خشيتها لتحركات أي جمهورية أو منطقة بمفردها.

وبالنظر لهذه المخاوف المتعلقة بهذا التحرك وغيره من المؤشرات التي توحي بعودة صعود الحركة القومية الشركسية، لجأت موسكو إلى استخدام أسلوب قديم ومعهود لديها؛ حيث سعت لتقويض تلك الحركة عبر بث البلبلة والارتباك في صفوف الشركسالبالغ تعدادهم 700 ألف نسمة داخل الحدود الحالية للفيدرالية الروسية، وأكثر من سبعة ملايين في الخارج، ولا سيما المقيمين منهم في تركيا والشرق الأوسط.

ففي أوائل شهر يونيو/حزيران، وجهت عشر شخصيات معارضة بارزة فيقباردينوبلكاريا” –ينتمي معظمها إلى المكون السكاني المهيمن من القباردي (الشركس)- نداءً إلى برلمان الجمهورية لرفض دعوة من مكتب المدّعي العام للجمهورية تهدف إلى حذف كافة الإشارات الواردة في دستور الجمهورية والمتعلقة بحق الجمهورية وشعبها في ضمان السلامة الإقليمية لجمهوريةقباردينوبلكاريا، وذلك بعد أن وافقت سلطات الجمهوريةالتي تخضع لإملاءات موسكوعلى اتخاذ هذه الخطوة. وعلاوة على ذلك، نص البيان على أنالقرار الذي اتخذه البرلمان معيب للغاية ويشكل خطراً على مستقبل جمهورية قباردينوبلكاريا ككيان مكوِّن للفيدرالية الروسية. ونحن نصر على الحفاظ على الضمانات الدستورية لوضع الجمهورية ككيان له سيادة ولسلامته الإقليمية“.



علاوة على ذلك، أعلن البيان أنه: ”بينما يضمن رئيس الفيدرالية الروسية سلامة أراضي الفيدرالية الروسية كدولة اتحادية موحدة، فإن هذا لا يمنع الكيانات المكوِّنة للإتّحاد من إدراج ضمانات لسلامة أراضيهاكجزء لا يتجزأ من الدولة الموحدةفي دساتيرها الخاصة“. وبناءً على ذلك، يتابع بيان العشرة: “إن إزالة الأحكام التي تُرسّخ مبدأ سلامة الأراضي من دستور جمهورية قباردينوبلكاريا هو الجانب الأكثر تدميراً في التعديلات المقترحة. فإذا أُلغي البند المتعلق بحرمة أراضي الجمهورية، سيكتسب المركز الفيدرالي السلطة القانونية لتغيير حدود الجمهورية من جانب واحد“.

ويشيرون إلى أنمثل هذا التطور قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك نقل أراضٍسكنها القباردي والبلكار وغيرهم من الشعوب لقرونإلى الكيانات المكونة المجاورة للفيدرالية الروسية. إنّ إلغاء أو إعادة رسم حدود المناطق الوطنية القائمة تاريخيًا تحت ذريعةمصالح الفيدرالية؛ وفقدان الجمهورية لأمنها الدستوري الأخير ضد أي تغييرات تعسُّفية في هيكلها الإقليمي وفقًا لتقدير المركز الفيدرالي. ويختتمون بيانهم بنقطتين: أولًا، يقولون: ”لا يمكننا السماح للقانون الأساسي لجمهورية قباردينوباكاريا بالصمت حيال مسألة حرمة أراضي الجمهورية. فهذه ليست مسألة قانونية شكلية، بل مسألة تتعلق بوجود الجمهورية نفسها ككيان وطني إقليمي“. ثانيًا، يشيرون إلى أنالنية لإزالة الأحكام المذكورة من دستور جمهورية قباردينوبلكاريا ليست حدثًا معزولًا، بل هي جزء من جهد ممنهج يبذله المركز الفيدرالي بهدف تقويض الوضع الخاص للجمهوريات داخل الفيدرالية الروسية، وهي استراتيجية مُتّبعة على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية“.

وسرعان ما انضم قادة أكثر من أربعين منظمة شركسية في تركيا سريعًا إلى هذا الاحتجاج، ما حوّل مشكلة داخلية صغيرة إلى مشكلة دولية، وجعل الشركس في طليعة هذه المقاومة. وفي دلالة على مدى قلق موسكو حيال هذا الأمر، تم حذف صفحة الويب الأصلية التي تضمّنت هذه البيانات؛ ولكن يمكن الاطلاع على مناقشة لمضمون مناشداتهم هنا.

لا توجد أمة غير روسية داخل الفيدراليّة الرّوسيّة لديها عدد أكبر من أفرادها المقيمين في الخارج من الشركس، ولا توجد أمة أخرى قادرة على حشد أبناء وطنها في الخارج بهذه السرعة عندما تنتهك موسكو لحقوقهم أو حقوق غير الروس الآخرين داخل حدود الفيدراليّة الرّوسيّة الحالية. في الواقع، تمنح هذه القاعدة الخارجية الداعمة الشركس قدرة أكبر بكثير على الدفاع عن أنفسهم والنهوض ليس فقط بقضاياهم، بل بقضايا غير الروس الآخرين أيضًا، وهو سبب رئيسي يجعل الأمة الشركسية من أوائل الشعوب التي قد تفلت من سيطرة موسكو مع استمرار تفكُّك الفيدراليّة الرّوسيّة. (للاطلاع على مناقشة هذا الاحتمال، انظر إلى حجة هذا الكاتب في موقع نافذة على أوراسيا {Window on Eurasia}، تاريخ 1 ديسمبر/كانون الأوّل 2024).

آفاق المستقبل

بالنظر إلى خطورة الوضع، فليس من المستغرب أن ترد موسكو على هذا التطور، وغيره من مؤشرات تنامي النشاط الشركسي، بإغلاق المواقع الإلكترونية التي تُروّج للقضيّة الّشركسيّة. كما أعادت تفعيل إحدى وسائلها المعهودة والمجرّبة لإثارة البلبلة، وذلك عبر إنشاء تنظيمات ووسائل إعلامية جديدة تهدف إلى تقويض الوحدة الشركسية.

مرة أخرى، سعت أجهزة الأمن الروسية إلى الترويج لفكرة أن الشركس والأبخاز شعب واحد، وهي فكرة لا أساس تاريخي لها، يرفضها الشركس المطّلعون، لكنها قد تكون مقنعة لعدد كافٍ منهم لتقويض معارضيها وعزل غير الروس عنها. ويدعم هذا الاستنتاج بقوة لجوء موسكو، في الأسابيع الأخيرة، إلى تجنيد العديد من نفس الأشخاص الذين استخدمتهم قبل أولمبياد سوتشي 2014، لتقويض المعارضة الشركسية لإقامة هذه المسابقات الدولية في الموقع الذي اقترفت فيه القوات القيصرية إبادة جماعية للشركس. وبذلك، ضاعفت هذه الحادثة الإضرار في الذكرى المائة والخمسين لتلك الفظائع. (يُدين الكاتب بالفضل للمؤرخ الشركسي البارز عادل بشقوي لتنبيهه إلى هذا التكرار).

لم تنجح موسكو في إجهاض المعارضة الشركسية لأولمبياد سوتشي؛ ويتفق معظم المراقبين على أن قرار بوتين بإقامة الألعاب على هذهالأراضي الملطخة بالدماءقد ارتدَّ سلباً وبشدة على الكرملين. كما أتاح هذا الأمر للشركس اكتساب نفوذ، ليس فقط في أوساط المكونات غير الروسية الأخرى داخل الحدود الحالية للفيدرالية الروسية، بل أيضاً لدى الحكومات والخبراء في الغرب. ورغم أن الأحداث الجارية حالياً في جمهورية قباردينوبلكاريا قد تفتقر إلى ذلك الزخم الدرامي على المدى القصير، إلا أنها قد تُسجَّل كخطوة مهمة نحو استعادة جمهورية شركسية في شمال القوقاز، ونشوء كيانات أخرى غير روسية تتحرر من هيمنة.

https://www.saratoga-foundation.org/p/circassians-take-lead-in-defending

أخبار شركيسيا

Share Button