القابضون على الجمر
الصبر والثبات في مواجهة المعاناة
عادل بشقوي
4 اغسطس/آب 2026
في كل عصر، يوجد أفراد يرفضون التخلي عن مبادئهم، حتى عندما يكون ثمن التمسك بها حارقا كالجمر المتقد. يقفون شامخين في لحظاتٍ يكون فيها الحق غير مريح، والعدالة متأخرة، والهوية مهددة. هؤلاء هم الذين يحملون عبء التاريخ بعزيمة لا تلين، ليس لأنه سهل، بل لأن التخلي عنه يعني التخلي عن جوهر هويتهم. فيصبح صمودهم شهادة على قوة القناعة، وتذكيرًا بأن بعض القضايا لا تبقى حيّة إلا لأن قلةً تختار تحمل وطأة الوهج الذي لا يستطيع الآخرون تحمله.
ان هناك نفر من ابناء امتنا الصابرة، الذين رفضوا حياة المنفى والبقاء في الشتات منذ عام 1864، الذي اجبر آباءهم وأجدادهم عليه عندما احتل وطنهم وابيد وشرد السواد الاعظم من الذين بقوا على قيد الحياة. فآثروا العودة إلى الوطن بعد عقود تحت أي ظرف رغم ظروف الاحتلال والتغريب الثقافي وتهميش الهوية القومية. ورغم انهم يعودون الى وطن ممزق جغرافيا وديموغرافيا واداريا وسياسيا. انهم يعودون الى الوطن في ظروف لا يحسدون عليها، إلا أنّهم المبادرين لصياغة طريق الخلاص للعودة إلى وطن أحبهم واحبوه وبقي في هواجسهم حتى عادوا والتحقوا به وبابناء وطنهم الذين اختارهم الله العلي القدير لان يبقوا في حراسة وطن آباءهم وأجدادهم لحين عودة اقرانهم من ديار الشتات والاغتراب.
هنا، واجه العائدون واقعًا مريرًا. لقد عادوا إلى مكانٍ غيّر المحتلون طابعه تغييرًا جذريًا – الأسماء، والمراكز، والهيئات الإدارية، والأنظمة، والقوانين المفروضة – والتي كان معظمها غريبًا عن الزمان والمكان، بل وحتى عن السكان الأصليين. والأسوأ من ذلك، أُجبر العائدون على إتقان لغة المحتلين – الروسية – وأُجبر أطفالهم على الالتحاق بالمدارس والمعاهد والجامعات الروسية التي أتقنت طمس الهوية الثقافية لعشرات الشعوب والأمم غير الروسية الخاضعة، بما في ذلك الأمة الشركسية.
ومن سخريات القدر المثل الواضح في الوطن الشركسي منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا. فأبناء الوطن الذين احتل وطنهم منذ عام 1864، يتم تجنيدهم قسرا وسوقهم لحرب روسية استعمارية هم ليسوا طرفا فيها. فكيف يتم تجنيد هؤلاء الذين احتل وطنهم بالحديد والنار وابيد نصف شعبهم وهُجّر 90٪ من الذين بقوا على قيد الحياة الى الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت حيث انتهى بهم الامر أقليات خارج الوطن الأم في عشرات الدول حول العالم. وهنا يجب لفت الانظار ايضا الى الذين عادوا الى الوطن ضمن حق العودة، وبالتالي تم استغلالهم وتجنيدهم وتجنيد أبناءهم اجباريا لنقلهم الى أتون حرب الآخرين التي لا تخصهم من قريب او بعيد.
ومن الأمثلة على ذلك الأخ خالد كاراييف، وهو عائد شركسي يقيم حاليًا في نالتشيك. علم باعتقال ابنه نجم الدين عبر مكالمة هاتفية من رقم مجهول. تحدث المتصل باللغة الشركسية – في محاولة لترهيب العائلة – وأعلن أن الابن سيُرسل إلى وحدات الاقتحام. وحذر الأب من أنه لن يرى ابنه مرة أخرى ما لم يتوقف عن نشاطه الاجتماعي المتعلق بالقضايا الشركسية. وقد وضع هذا الأمر العائلة في مأزق لا تُحسد عليه.
أجارنا وإياهم من كل شر ومكروه، وأعان الله أهلنا على ثباتهم وقوة صبرهم ويقينهم بالنصر النهائي لأمتنا الآتي حتما، مهما بلغت الصعاب والتحديات.
إنهم القابضون على الجمر ويواجهون هذا العدو الشرس ومرتزقته بقلوب تفيض حبا لوطنهم وامتهم.
فهذا العدو الوغد لا يخجل من مواجهتهم وتجنيد أبنائهم وبالتالي تعريضهم وتعريض أبنائهم للأخطار أو الاصابة أو الأسر من اجل الاهداف الاستعمارية إياها. إنهم أحفاد شعب احتُل وطنه وتعرضت أمته للإبادة الجماعية والتهجير والتشتيت.
لا يسعنا هنا سوى مناشدة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لتسليط الضوء على مأساة الأمة الشركسية؛ إن شعب شركيسيا احتُلَّت أرضه، وتعرّض سكانه للإبادة والتشتت في أصقاع الأرض. وحتى أولئك الذين بقوا في وطنهم لم يسلموا من بطش المحتلين ومحاولات طمس هويتهم وثقافتهم ووجودهم القومي ذاته على أرض أجدادهم. وعليه، فإننا نطالب بتمكين الأمة الشركسية من استعادة حقوقها المشروعة، وهي حقوق لا تسقط بالتقادم.

