الذاكرة الشركسية بأصوات جورجية
بقلم: عادل بشقوي
24 أغسطس/آب 2026

لطالما تجاوزت قصة شركيسيا حدودها الجغرافية، فهي لم تقتصر على ذاكرة أحفادها فحسب، بل حملتها أيضًا الأدبيات والضمير والخيال الثقافي إلى الأمم المجاورة. ولا يتجلى هذا الأمر بوضوح أكبر مما هو عليه في جورجيا؛ حيث وجدت أصداء المعاناة والتهجير والصمود الشركسي مكاناً لها في كل من الشعر الكلاسيكي والتأملات المعاصرة. وخلال عرضي لكتابي الثاني ”المعجزة الشركسية“ في المركز الثقافي الشركسي في تبليسي في 28 يناير 2020، عادت هذه الأصداء لتتردد من جديد؛ أولاً عبر قصيدة جورجية تاريخية تتناول المآسي المشتركة في منطقة القوقاز، ثم عبر مقال صحفي حديث تفاعل مع عرض الكتاب بوضوح عاطفي مذهل. وتكشف هذه الأصوات مجتمعةً مدى تغلغل الذاكرة الشركسية في السردية الجورجية، مشكّلةً جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويصل بين شعبين يجمعهما التاريخ.
الأدب الجورجي والحكاية الشركسية
تُشكل قصيدة ”غانيشاشفيلي“ (Ghanishashvili) شاهداً على عمق ارتباط المأساة الشركسية بالذاكرة الثقافية لجورجيا؛ إذ تعكس أبياتها الجراح المشتركة في القوقاز — من حروب وتهجير وصمود — وتكشف كيف أدرك الكتاب الجورجيون منذ زمن بعيد معاناة جيرانهم الشركس باعتبارها جزءاً من قصتهم الإقليمية المشتركة. ومع ذلك، كان أكثر ما أذهلني خلال عرضي للكتاب في تبليسي هو استمرار صدى هذه الموضوعات وتأثيرها في وقتنا الحاضر؛ فقد تجلى المشهد العاطفي الذي صوّرَتْهُ القصيدة مرة أخرى — وبشكل غير متوقع وقوي — في تأمُّل صحفي جورجي حديث كتب تعقيباً على الحدث. وكما أن القصيدة تنطق بلسان الماضي، فإن المقال الصحفي يعبر عن الحاضر، مما يبرهن على أن الذاكرة الشركسية لا تزال حية في الأصوات الجورجية، وتنتقل عبر الأجيال ليس فقط من خلال الأدب، بل أيضاً عبر الفكر المعاصر والتفاعل الوجداني الصادق.
الحرب والتهجير
مُخيل غانيشاشفيلي (Mukheil Ghanishashvili)
الترجمة الحرفية عن الجورجية: السيدة تسيتسي غابيسكيريا (Ms. Tsitsi Gabeskiria)
صياغة شعرية منقحة بواسطة الذكاء الاصطناعي (Copilot)
تمّت الترجمة من الإنجليزية إلى العربية من قبل كاتب هذا المقال
في البدء، انقضّ الروس على الشركس،
مُسلطين أنظارهم نحو القوقاز،
ومُفتّشين في أعشاش النسور،
حاملين شتاء الحرب إلى أعالي الجبال.
صراعٌ جائرٌ وغير متكافئ
طال أمده لسنوات في ساحات المعارك.
بدأت أنهار الدماء تتدفق،
وقلبت معاولُ الموتِ أديمَ الأرض.
صارت الرصاصة الشركسية أسطورة،
وقطعَت سيوفهم بحدّة الفولاذ.
لكن الأبطال احترقوا في مهب الريح والنار،
وغُطّيت بلداتهم (قراهم) بعباءة من الدخان.
عاماً تلو الآخر، ومعركةً تلو المعركة،
ورغم قتالهم بشجاعة وشرف،
سقط الفرسان (الشركس) تحت نصل العدو،
ولفّهم الزمن برداء الموت الثقيل.
أما أولئك الذين أفلتوا من ذلك الجحيم،
ومن حالفهم الحظ في البقاء على قيد الحياة،
فقد طردهم الروس من ديارهم،
وأشاروا لهم بالطريق نحو الدولة العثمانية.
كان الطريق معركة، والبحر معركة—
وكأن العالم بأسره قد تآمر ضدهم.
كان الموت يلاحق خطوةً بخطوة
أولئك الشركس المطرودين من أرضهم.
ومع ذلك، صمدوا كحزمٍ من السهام،
رافعين أبصارهم دوماً نحو السماء.
ومن شواطئ بعيدة،
يحنّ المهاجرون إلى وطنهم.
أعلم أن يوماً سيأتي يفتح فيه كتاب التاريخ
صفحاته تحت ضوء الشمس؛
حينها ستنهض أشبال الأسود،
وتُعين “شركيسيا” العظيمة على النُّهوض من جديد.
(https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251681386)
من الأدب إلى الذاكرة الحية
تتحدث قصيدة غانيشاشفيلي بلسان الماضي، لكن أبعادها الوجدانية عادت للظهور—بشكل غير متوقع وقوي—في الحاضر. فخلال عرضٍ قدمتُه في تبليسي بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 2020، نشرت صحيفة جورجية مقالاً تأملياً تردد فيه صدى الموضوعات ذاتها: المعاناة والصمود والأمل. لم يكن المقال تقريراً رسمياً، بل استجابة أدبية كُتبت بنثر رمزي ومتقطع، نجح في تجسيد الثقل العاطفي للحكاية الشركسية. (https://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251681375)
وقد تضمّن المقال سطرين بارزين يمكن اقتباسهما حرفياً:
”لقد رأيت فقط
العالم من الجانب السيئ.“
وبعد ذلك:
”سأريكم
العالم من الجانب الأفضل.“
تكشف هاتان العبارتان عن تحول عميق: من الظلام نحو الفهم، ومن المأساة نحو الأمل. وتُظهران أن السردية الشركسية، حين يُجهر بها في جورجيا، توقظ شيئاً عميقاً ومألوفاً: إدراكاً لتاريخ مشترك، وجراح مشتركة، وصمود مشترك.
تأمل جورجي معاصر
ووصف النص الصحفي التجربة الشركسية عبر استعارات: الجراح، والتِّرحال، والعواصف، والبحث عن الحقيقة. وتحدثت عن المنفى، والحنين، وصمود شعب نجا ”كحزم من السهام“. لم يكن النص سرداً تاريخياً بل استجابة عاطفية؛ محاولة لاستيعاب ثقل المعاناة الشركسية ومعنى بقائها.
وبهذه الطريقة، يصبح هذا التأمل المعاصر رفيقاً لقصيدة غانيشاشفيلي؛ إذ تتحدث إحداهما من الماضي، بينما تتحدث الأخرى من الحاضر. ومعاً، تبرهنان على أن الذاكرة الشركسية ليست غريبة على جورجيا، بل هي جزء من نسيجها الثقافي.
ذاكرة مشتركة، ومستقبل مشترك
يكشف تلاقي هذه الأصوات الجورجية —أحدها من الأدب والآخر من التأمل المعاصر— عن حقيقة تتجاوز الحدود: التاريخ الشركسي ليس تاريخاً شركسياً فحسب، بل هو حكاية يدركها ويستحضرها ويُجلّها أولئك الذين شهدوا أصداءها في أرجاء القوقاز.
وتُظهر استجابة جورجيا لـ ”المعجزة الشركسية“ أنّ السردية الشركسية لا تزال حاضرة بقوة، ليس كمأساة بعيدة، بل كذاكرة حيّة. وفي هذه الأصوات الجورجية، يجد الماضي حياة جديدة، مذكِّراً إيّانا بأن قصة شركيسيا لا تزال تتكشف فصولها، ولا تزال حاضرة في الذاكرة، ولا تزال قادرة على إلهام التضامن بين الشعوب.



