نظرة على الإبادة الجماعية الشركسية / الإبادة المنهجية في قباردا (4) – من كتاب “شركيسيا: ولدت لتكون حرة” للكاتب عادل بشقوي

حضرات القُرّاء الأعزاء،

يتم هنا نشر جزء آخر من كتاب ”شركيسيا: ولدت لتكون حرة“ مترجم الى اللغة العربية، وسيتبع ذلك نشر أجزاء أخرى فيما بعد

عادل بشقوي


16 نوفمبر/تشرين الثاني 2021

نظرة على الإبادة الجماعية الشركسية

الفصل الرّابع

الإبادة المنهجية في قباردا (4)

PHOTO-2021-11-15-20-40-28

في 14 أبريل/نيسان، وبحجة حماية الفلاحين، غزا بولغاكوف قباردا وأحرق كل شيء في طريقه. كما أنه سرق كمية هائلة من الماشية. على الرغم من أن بلوتو يذكر أنّها كانت خمسة وعشرين ألف رأس، فقد ذكر القباردي في شكوى واحدة فقط إلى سانت بطرسبورغ أنّ من بين البضائع والحاجيات التي لاذ بلغاكوف بالفرار بها أربعة وأربعون ألف رأس من الأغنام وستة آلاف رأس من الماشية وأكثر من مائة طن من العسل.525

كانت شهيتهم سقفها السماء لحرق وتدمير جميع بيوت ومنازل الشركس ومزارعهم ومبانيهم العامة. وشمل ذلك جميع القرى والبلدات التي يمكن الوصول إليها: ”كما زعم التقرير أن قوات بولغاكوف أحرقت ما يقرب من عشرة آلاف منزل وأكثر من مائة مسجد وألف مزرعة. حتى لو افترض المرء أن هذه الشكوى تضاعف الأضرار الفعلية، إلا إنها لا تزال تمثل خسارة معوِّقة“.526

ليس من المنطقي تصور الوحدات العسكرية النظامية التي تسيء استخدام الوظيفة الأصلية المخصصة لها. بل على العكس من ذلك، فقد تصرفوا مثل المرتزقة. لم يتم الالتزام بمعايير العمل الأخلاقية. لم يردعهم القانون ولا شيء يمنعهم من الأعمال الشائنة. لقد تصرّفوا وفقًا لمعيار التنمر. إنهم لا يحجمون عن القيام بمهمتهم في إبادة السكان الأصليين.

ونتيجة لغارات بولغاكوف، توفي الآلاف من الناس من الجوع والتعرض للظروف القاسية والطاعون (الذي تفاقم بالتأكيد بسبب نقص الطعام والمأوى). ثم واصل بولغاكوف حملته إلى غرب شركيسيا، حيث دمّر كل القرى التي استطاع تدميرها وحاصر الناجين حتى تضوّروا جوعًا أو انصاعوا للعوامل المؤثّرة.527

لقد أثبتت الأحداث أنه كان هناك، من الجانب الروسي، بعض الأفراد الذين تقلدوا مناصب عسكرية رفيعة أو صغرى في الدولة الروسية ممن لديهم ضمير حي. وفي الوقت نفسه، أدانوا الأفعال غير المسؤولة التي تتعارض مع القوانين والأعراف والمبادئ الإنسانية. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يمكن وصفهم بهذه الصفة لم يتمكنوا، خلال سنوات الحرب المفروضة، من فرض تأثير حاسم وإيجابي.

ولم يكن من الممكن منع أو وقف كل التحديات. فاستمرت الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت ضد الشركس وغيرهم من القوقازيين في النمو والتزايد مثل كرة الثلج.

من أجل هذا الدمار الذي لحق بقباردا، أوصى تورماسوف (Tormasov) بتقليد الأوسمة لبولغاكوف. رفض وزير الدفاع باركلي دي تولي (Barclay de Tolly) الطلب قائلاً: لقد وصلت إلينا شائعات مختلفة دفعت {الإمبراطور} إلى الإستنتاج بأن الجنرال بولغاكوف استخدم في تهدئة المتمردين، درجات مفرطة من الوحشية والقسوة تتجاوز حدود مسؤوليته. إذا صدّق المرء التقارير، فإن الحملات ضد القباردي والجبليين في كوبان تتكون من النهب المستبد لمنازلهم وحرقها؛ هذه الأعمال الوحشية، التي دفعت هؤلاء الناس إلى حافة اليأس، لم تؤد إلا إلى إثارة كراهيتهم لنا، كما أن تعاملاته مع الشعوب المجاورة أدت إلى خلق الكراهية ضدنا أكثر من إحلال السلام في تلك المنطقة.528

كانت نتيجة متوقعة أن يكون هناك بعض المسؤولين الذين قد يغيرون موقفهم حسب ظروف معينة. ربما كان الوضع العام أو التأثير الرسمي المحيط. هذا لا يغير من الطبيعة الجوهرية للمسألة التي نجمت عن السياسات القمعية الروسية. يُظهر الاستنتاج السابق أن النتيجة التي قصدها الروس كانت القضاء على أكبر عدد ممكن من الشركس، وفوق ذلك احتلال وطنهم وتهجير الباقين خارج وطنهم.

غيّر تورماسوف نبرته، مدعيا الآن أنه كان دائما معارضا لغارات بولغاكوفالعقابية“. ولهذا النهب والسلب لقباردا، حيث اتهم بولغاكوف بالابتزاز. وبعد التحقيق، أُطلق سراح أتاجوكين من الحجز وأُعفي بولغاكوف من القيادة بتهم الاختلاس والرشوة وإساءة استخدام السلطة والعديد من التهم الأخرى.529

بدت التطورات في بعض الأحيان وكأن هناك تغييرًا في المعايير يلوح في الأفق. استمروا في تغييرنهج العصا والجزرة، مما يعني مرونة في معايير الاطراء والعقاب. نتيجة لذلك، أصدر بعض المسؤولين العسكريين أوامرًا للوحدات العسكرية في مناطق معينة لفتح أو إغلاق المخارج لتمكين الشركس من العبور إلى مواقع محددة محمية من قبل الروس أو القوزاق لأغراض تبادل السلع أو التجارة.

كان ذلك بمثابة تخفيف للحصار، والذي كان يتذبذب باستمرار، بأن يُخفف، أو يُشدد بسبب التأثيرات المحيطة: ”تم استبدال تورماسوف بِنيكولاي رتيشيف (Nikolai Rtishchev)، الذي فعل كل ما في وسعه لإصلاح العداء الذي زرعه بولغاكوف، وأيد وفدًا من القباردي للسفر إلى سانت بطرسبورغ للتفاوض وتسهيل التنازلات القليلة التي سمحت بها الحكومة الروسية“.530

يدخل تخفيف الحصار ضمن السياسة الروسية غير الثابتة لتنفيذ أساليب تعديل الضغط على عموم السكان: ”لقد سُمِح للقباردي بعبور خط الحجر الصحي للتجارة في مدن القوزاق وأعاد حقهم في استغلال حقول الملح في القوقاز، والذي كان قد تم تعليقه من قبل تورماسوف“531

كان تغيير الإجراءات العسكرية المتخذة ضد السكان الأصليين تنفيذاً للتعليمات الصادرة عن القيادة العسكرية الروسية في القوقاز. واستهدفت تمرير وتنفيذ التعليمات التي لم تنفذ إلا في ظل الهدوء. وبمجرد تلبية الحاجة، سيتم إصدار تعليمات أخرى.

وعمل عن كثب مع الزعيم القباردي بشي كوتشوك جانخوت (pshi Kuchuk Janhote) لإقامة علاقات سلمية بين القباردي وجيرانهم الأوسيتيين، الذين أجبرهم الروس على الهجرة إلى قباردا (وهو المصير الذي عاناه الأوسيتيون مرارًا وتكرارًا طوال القرن التاسع عشر). وخلال فترة عهد رتيشيف، انخفضت الأعمال العدائية ببطء، على الرغم من عدم توقفها بأي حال من الأحوال. في غضون ذلك، واصل أتاجوكين العمل كوسيط بين القباردي والروس حتى وفاته عام 1812. 532

ليس من المقبول منطقيًا الاعتقاد بأن جنرالًا في الإمبراطورية الروسية سيختار أو يرعى سياسات تتعارض مع الأوامر الثابتة الصادرة إلى القيادة العامّة: ”في هذا الصراع الوحيد بين أتاجوكين وبولغاكوف، يمكننا أن نرى العديد من المشكلات التي ابتليت بها العلاقات الروسيةالشركسية وأدت مباشرة إلى الإبادة الجماعية في عام 1864. لم يكن بولغاكوف آخر قائد ميداني يخدع الإدارات في سانت بطرسبورغ من أجل الحصول على إذن لتنفيذ أجندته الخاصة“.533

ليس جديرًا بالثقة الاعتقاد بأن قائدًا يفلت من العقاب بتجاهله لتعليمات عسكرية أو لسياسة الدولة فيما يخص شريحة أو شعب أو أمة بعينها. الشّخصنة وفقًا لرؤية الفرد غير ملائمة. يؤدي ذلك التناقض إلى الإضرار بصورة وسمعة الدولة والسياسات الموحّدة. إن غطرسة الجنرالات وجهلهم وعنادهم ونزعاتهم الفردية ليست مقبولة بالمعايير التي يجب على الضباط أن يحافظوا عليها.

تشكّلت عقلية القيادة العسكرية في القوقاز من قبل أُناس تصرفوا كما لو كانوا مسؤولين عن بلدهم، وهو ما لا يمكن للغرباء فهمه. وازدراءًا لرؤسائهم في سانت بطرسبورغ، اختلقوا أيّة رواية تناسب احتياجاتهم. وعلاوة على ذلك، فإن وجهة نظر تسيتسيانوف (Tsitsianov) التي تم تبنيها  هي أن الغزو كان الخيار الوحيد القابل للتطبيق للسيطرة على المنطقة.534

شجعت هذه العمليات العشوائية على ترسيخ حالة الفوضى في صفوف الهيئات الرسمية الروسية. لقد أوجدوا جوًا من عدم الثقة بين الوحدات العسكرية الروسية في القوقاز والموظفين المدنيّين. هكذا كان تعاملهم وكذلك عاملوا شعوب القوقاز الذين كان عليهم أن يقاسوا من نتائج وجود الوحدات العسكرية الروسية التي مارست فظائعها.

كما سنرى، عندما استخدم المسؤولون المدنيون الأساليب السلمية، قام القادة العسكريون بتقويض مكانتهم من خلال تقديم التماس إلى سانت بطرسبورغ وشن غارات على شركيسيا لزرع العداء. استمر هذا طوال ستينيات القرن التاسع عشر، عندما قام القائد الميداني نيكولاي إفدوكيموف (Nikolai Evodkimov) بتعمُّد تخريب محاولة سانت بطرسبورغ الأخيرة للتوصل إلى تسوية مع الشركس.535

يعتبر ممارسة الإرهاب وارتكاب الجرائم ضد الأبرياء مسعى اعتياديًا وحتى تقليدًا مهنيًا. السؤال الذي يُطرح في هذا السياق. من الذي منح القادة والجنرالات الروس حق القيام بكل هذه الأعمال غير المستساغة ضد الأمة الشركسية والأمم الأخرى في منطقة القوقاز وما وراءها؟

كان بولغاكوف أيضًا أول قائد روسي يستخدم تكتيكات قد تُعتبر اليوم إبادة جماعية. كان حصاره بداية الاستراتيجية الروسية المتكررة لتجويع السكان وإجبارهم على الخضوع. وبالمثل، فإن غاراته في عام 1810 لم تكن تهدف إلى معاقبة القباردي بل القضاء عليهم.536

من الغريب في الأمر مشاهدة موقف هؤلاء القادة المتغطرسين الذين ركّزوا خيالهم على القضاء على الآخرين: ”فبدلاً من حصر هجماته في عدد قليل من القرى المتاخمة للمناطق الروسية، أخذ جيشه إلى قلب قباردا ودمر كل شيء في طريقه، وترك الآلاف بلا مأوى ويتضورون جوعا“.537

إن احتلال أوطان الشعوب مرتبط بالكيان الغاصب الذي أباد الملايين من السكان الأصليين من أمم مختلفة. كان الزُّعماء والقادة الروس دائمًا موضع إطراء ويتم إحياء ذكراهم. اعتبرهم الغزاة بائسين. إنَّهُ من السخافة بمكان أن يُعامل هؤلاء الضحايا بالإساءة في ظل غزو أوطانهم، في حين أن الواقع ينظر ويشير إليهم على أنهم ضحايا.

من ناحية أخرى، كان بولغاكوف آخر قائد في القفقاس يُعاقَب على فظائعه. لن يقوم خلفاؤه فقط بارتكاب أعمال إرهابية أكثر فظاعة ضد الشركس مع الإفلات من العقاب، بل وسيتم تكريمهم بانتظام ودفعهم إليها.538

من المفيد ومن المنطقي استخلاص الدروس من الأعمال العدائية الروسية التي تعاملت بطريقة وحشية وبغيضة، مع أولئك الذين آمنوا بقبول الأمر الواقع (حيث لم توفر القوانين والأعراف الروسية الحماية اللازمة لأولئك الذين استسلموا لدعم الاحتلال). فكيف سيتعامل المعتدون مع أولئك الذين لم يخضعوا للتهديدات الروسية، بل أصروا على المطالبة بحقهم الطبيعي في الحرية والاستقلال؟

كانت المشاكل التي واجهها أتاجوكين أيضًا نموذجية وعادية بالنسبة للشركس الذين فهموا حجم التهديد الذي تشكله روسيا عليهم، والذين سعوا إلى حل سلمي. كرهت القيادة العسكرية الروسية كل صانعي السلام هؤلاء وفعلت كل ما في وسعها لإحباط جهودهم. وبالمثل، فإن العديد من الشركس لا يثقون في مواطنيهم الذين سعوا لتحقيق السلام مع روسيا، وقد عملوا على تقويض مصداقيتهم في شركيسيا.539

استلزم القضاء والقدر أن يتعامل الشركس مع ما حدث لهم وما عانوا نتيجة لذلك. المصائب والمآسي التي حدثت لهم، حدثت بسبب الطموحات الروسية والسياسات الخرقاء: ”سيكون هذا هو مصير كل ما يسمى بتهديدات الشركس المسالمين من قبل الجانب الروسي والهجمات من الجانب الشركسي“.540

لقد أدار الروس آذانًا صماء وبالغوا في عدوانيتهم. وفي عدة مناسبات، أعلنوا عن جدول أعمالهم ونشروا نواياهم الحقيقية وهدفهم النهائي. كان هدفهم الحقيقي هو احتلال الأرض وارتكاب الإبادة الجماعية ضد السكان أو ترحيل الأمة بأكملها.

والأهم من ذلك، تم رفض جميع المقترحات المقدمة من شخصيات مثل أتاجوكين والتي تمسّكت بالموقف الشركسيبأنهم أرادوا أن يكونوا جيرانًا جيدين مع الروس، وليسوا رعايا للقيصرمن قبل كل من قيادة القوقاز وسانت بطرسبورغ. في هذا الصدد، اتحدت كل من القيادة المدنية والعسكرية في الاعتقاد بأن الشكل الوحيد المقبول للسلام هو الاستسلام غير المشروط للشركس أو القضاء عليهم.541

يتبع…

Share Button

أضف تعليقاً