حرب معلومات (إستخبارات) بوتين الداخلية

حرب معلومات (إستخبارات) بوتين الداخلية

قضيت سنوات في العمل للقنوات التلفزيونية الروسية. وما رأيت من شأنه أن يُروّع الغرب

الكاتب: بيتر بومرانتسيف (PETER POMERANTSEV)

ترجمة: عادل بشقوي

150104_pomerantsev_putintv_gty

كان هناك أكثر من 20 منا جالسين حول طاولة المؤتمرات المستطيلة: مذيعين مسمرين من الشمس في قمصان من الحرير الأبيض، وأساتذة سياسة بلحى تفوح منها رائحة العرق وذوي نفس ثقيل، ومدراء إعلان في وسائل التدريب وأنا. لم يكن هناك نساء. كان الجميع يدخّنون. كان هناك الكثير من الدخان الذي أحدث عندي حكة في الجلد.

كان ذلك في عام 2002، وكنت متخرجاً للتو من الجامعة، حيث كنت أعيش في موسكو وأعمل في مركز أبحاث كان من المفترض أن يكون قد وُجد لتعزيز العلاقات السياسية الروسية – الامريكية. وكان ناشر روسي ودود أراد مني أن أعمل لحسابه دعاني إلى ما يمكن أن يكون إجتماعي الأول في موسكو. وهكذا انتهى بي الأمر محاطاً بجهابذة وسائل الإعلام الروسية ومنطوياً بعيدا في الطابق العلوي من اوستانكينو (Ostankino)، وهو مركز تلفزيون الحقبة السوفياتية وكبش الفداء لدعاية الكرملين — مركز استوديوهات أكبر القنوات التلفزيونيّة في البلاد. وهنا، تجتمع عقول موسكو الخاطفة للأبصار في جلسة عصف ذهني أسبوعية ليقرّروا ماذا ستذيع اوستانكينو.

في جانب آخر من الطاولة جلس أحد أكثر مذيعي التلفزيون السياسيين شهرة في البلاد. كان نحيلاً وتحدث بسرعة يعتريها بحّة في الصّوت حيث قال: “نحن نعلم جميعا بأنّه لن يكون هناك سياسة حقيقية”. واضاف “لكن يجب إعطاء مشاهدينا الشعور بأنّ شيئا ما يحدث. إنهم بحاجة إلى أن يبقوا مستمتعين”.

وتساءل: “بماذا يجب أن نتلهّى؟” “هل يجب علينا مهاجمة النّخبة؟ من هو العدو هذا الاسبوع؟ يجب أن تشعر السياسة وكأنه فيلم”!

وبعد أكثر من عقد من الزمان، يبدو هذا الفيلم وعلى نحو متزايد بأنّهُ مُكفهر ومثير للقلق. أول شيء تفعله الميليشيات الروسية عندما تسيطر على بلدة في شرق أوكرانيا هو الاستيلاء على أبراج التلفزيون وتحويلها الى قنوات للكرملين. بعدها بفترة وجيزة، يبدأ السكان المحليين بالتشدق عن الفاشيين في كييف والمؤامرات الامريكية المبهمة لتطهير الناطقين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا. انه ليس فقط ما يقولون ولكن كيف يقولونه بحيث يسبّب إزعاجاً كبيراً: جنون الإرتياب الملتوي وغير العقلاني، وذلك في نظريات مفصّلة جداً وغير منطقيّة ولا يمكن للمرء أن يجادلهم بها.

ويقول رئيس دعاية الكرملين ديمتري كيسيليف (Dmitry Kieselev) ذلك حتى قبل أن تبدأ القنابل بالتساقط عليهم: “حرب المعلومات هي الآن الأسلوب الرئيسي للحرب”، “تحضيراً للعمل العسكري.” وروسيا بوتين جيدة جداً في ذلك، من خلال المزج بين أقذر آليات العلاقات العامة، وتقنيات غسيل الدماغ الرائدة في حرب العمليات النّفسيّة للطوائف الدينيّة وتقاليد الكى جي بي (KGB) الوافرة لتقدم تلفزيون فرانكشتاين الّذي يسيطر على السكان في محيطه، يخضع الدول المجاورة ويهاجم الغرب.

وهو يشكل مخاطر جديدة. وأنا أعلم عن ذلك، لأنني رأيته ينمو.

***

خلال الحقبة السوفياتية كان التلفزيون شأنا مشوقاً. وكانت هناك خمس قنوات، على الرغم من أن العديد من المناطق لم تستقبل سوى اثنين منها، “الأوّل يظهر باستمرار مقتطفات من خطب الزعيم”، الّذي أصبح أضحوكة شائعة، “والثاني يظهر باليه بدون توقّف”. وفي الإنقلاب المضاد للبيريسترويكا الّذي حدث في عام 1991، عندما حاول المتشددون الشيوعيون إعادة الإستيلاء على السّلطة من الإصلاحيين في استهلال دراماتيكي لانهيار الإتحاد الّسوفياتي، عرضت إحدى القنوات التلفزيونيّة رواية بحيرة البجع بدون توقّف. ولكن حديثا في القضاء على ديمقراطية التسعينيات من القرن الماضي، الّتي أصبحت تلقب “ديرمقراطية (dermocracy’)”  أو “الديمقراطيّة السّيّئة (shitocracy)” من قبل النقاد الروس، انتقل التلفزيون لمركز السياسة، حيث اكتسبت النخبة السيطرة على القنوات التلفزيونية الرئيسية للعب لعبة صانع الملك، في عصر أصبحت فيه الشّعبيّة والصورة بشكل مفاجئ تهم.  

وبمجرد تولى فلاديمير بوتين الرئاسة في عام 2000، سيطر على التلفزيون، وقام باعتقال ونفي النّخبة الذين وقفوا في طريقه. في بلد يضم تِسع مناطق زمنية ويشكل سُدس كتلة اليابسة في العالم، ويمتد من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، من القطب الشمالي إلى صحاري آسيا الوسطى، حيث لا يزال الناس في قرى بمستوى قرى القرون الوسطى يسحبون المياه من آبار خشبية بشكل يدوي، ومن خلال البلدات التي فيها مصنعاً واحداً، وعودةً إلى الزجاج القاتم وناطحات السحاب التي بنيت باستعمال الفولاذ في موسكو الجديدة -التلفزيون هو القوة الوحيدة التي تستطيع أن توحّد وتحكم وتربط الناس.

إنّهُ التلفزيون الذي يعلن الكرملين من خلاله من هم السياسيين الّذين “سيسمح” لهم بآن يكونوا معارضة عميلة له، وما ينبغي أن يكون عليه تاريخ البلاد والمخاوف والوعي. في مركز العرض البارز هو الرئيس بوتين نفسه، فهو لا شيء أكثر من مجرد أنه يتكون من مجموعة من عناصر الصورة الملونة (pixels) على الشاشة، ويتحول بسرعة إلى فنان التمثيل بين أدواره كجندي، وعاشق، وصياد عاري الصدر، ورجل أعمال، وجاسوس، وقيصر، وسوبرمان. “الأخبار هي عبق البخور الذي نبارك فيه أعمال بوتين، الّتي جعلته الرئيس”، ذلك ما أراد منتجي التلفزيون وآلات الدّعاية وتكتيكات الخداع والإستغلال يودّون إعلامي إيّاه. في تلك الغرفة المفعمة بالدخان، انتابني شعور بأن الواقع كان طيّعاً بطريقة ما، وقد كنت جالسا مع مجموعة  بروسبيرو (Prosperos) الذين يمكنهم إيجاد أي كيان أرادوا في روسيا على ضوء انهيار الاتحاد السوفياتي.

قد يكون كرملين القرن الحادي والعشرين يسيطر على وسائل الإعلام تماما كما فعل خلال الحقبة السوفياتية، ولكن هناك خطئاً واحداً سوف لن يكرّره الروسي  أبداً في الوقت الحاضر: إنه لن يدع التلفزيون ليصبح مملاً. في الواقع، فإن الهدف من ذلك هو توليف التّحكّم السوفياتي مع التّرفيه الغربي — ولهذا السبب هناك حاجة إلى مساعدة من المنتجين الغربيين الذين، يعتقد الروس، بأنّهم يعرفون سر الكيمياء القديمة لتنسيقات التلفزيون البارزة.

هناك حيث جئت. وبحلول عام 2006، كنت قد انتقلت من الاستشارات السياسة العامة إلى الإعلام، أعمل على الأفلام الوثائقية لشبكات بريطانية وأمريكية. لقد دعيت للمجيء والعمل لقنوات روسية، كواحد فقط من عشرات المنتجين الغربيين تحت إغراء احتمال العمل في أسرع صناعة تلفزيون متنامية في أوروبا.

وكانت الشبكات الّتي عملت معها غير سياسية. كانت مهمتها تحريك عنيف للإصدارات الروسية من برامج الغرب الناجحة. كانت إحدى العروض الأولى الّتي عملت عليها، “مرحبا- وداعا (Hello-Goodbye)”، وذلك صيغة واقعيّة من سوني أنتجت سابقا في هولندا والولايات المتحدة، والتي فيها مقدم برامج يتحدّث إلى ركاب يحيّون ويودّعون بعضهم البعض في مطار دوموديدوفو (Domodedovo) المبهج والجديد في موسكو. كانت هناك قصص عن عشاق يقولون وداعا حيث غادر أحدهم للعمل في سان فرانسيسكو؛ وفتيان يخرجون لعطلة نهاية أسبوع قذرة في تايلند؛ سكرتيرة تنتظر رئيسها، حيث أنّها تقع في حبّه سراً، للعودة من رحلة عمل إلى لندن. وقد يبدو المطار وضعاً مملاً للجمهور الغربي، ولكن بالنسبة لبلد كان مغلقا للسفر إلى الخارج حتى قبل ما يزيد قليلا على عقد من الزمن، وكذلك كان الطيران لا يزال ترفا متاحاً إلى حد كبير إلى الطبقة الوسطى المتنامية والتي لا تزال صغيرة، وكان برنامج المنوعات مليئاً بالطموح الإجتماعي. انه أظهر روسيا الجديدة المعولمة، في مطار مبهج جديد في ما بدا وكأنه، لأمة مشرقة “ناشئة”.

إن هذا النموذج الغربي لم يمضي دائما وفقا للخطة. فعلى سبيل المثال، عندما قامت شبكة الترفيه تي إن تي (TNT)، قدمت النسخة الروسية من المبتدئ (The Apprentice)، فشل العرض. الغرض من العرض هو أن يكافأ الواثق من نفسه والحازم الذي لديه عقلية عمليّه. ولكن في روسيا، إنه المنضبط الرمادي الذي يحتفى به، في حين أن رجال الأعمال المستقلين والمتألقين ينتهي بهم المطاف في السجن أو المنفى. وكانت الأيديولوجية الكامنة وراء البرنامج غير ذات صلة بروسيا بوتين.

وكان الكثير من الأشكال الأخرى أكثر نجاحا. الرقص على الجليد داعب علاقة حب بين روسيا والتزحلق على الجليد. وكانت برامج الواقع مثل باق على قيد الحياة (Survivor)، والتي تقوم على إهانة المتسابقين في ظروف مفرطة الصعوبة، كانت ناجحة في بلد يعتبر التعرض فيه للترهيب من قبل السلطات وللطقس هو الشيء المعتاد.

بعد ذلك كان هناك التلفزيون، الذي لم اعمل فيه، يقوم بمهمة أكثر خبثاً: السيطرة السياسية والنفسية. يمكن أن يكون الأسلوب على عكس ما يتوقعه حدس المرء. شبكة تلفزيون إن تي في (NTV)، على سبيل المثال، وهي واحدة من أكبر شبكات التلفزة في البلاد، لا تحاول أن تتظاهر بأن روسيا هي مكان وردي مثلما كانت تفعل القنوات السوفياتية — وهذا الذي جعلها أيضا تفقد مصداقيتها مع المشاهدين. بل على العكس تماما: فهي تبين قصص الرعب بدون توقف وحول مدى خطورة البلد، لتشجيع المشاهد للنظر إلى “اليد الحديدية” للكرملين من أجل الحماية. حتّى من المفترض أن يتم استخدام  برامج “مستندة إلى العلم” حتّى يتم التأثير على المناورة. وكان أغلى فيلم وثائقي عرض على التلفزيون الروسي على الإطلاق، قد تم بثه في عام 2009 وكان يسمى عفن (“Plesen” “Mold”). وجاء فيه ان العفن سيسود على الأرض — وهو عدو غير مرئي وجراثيم للشر وهو في كل مكان وقد تم غزو حياتنا، مما تسبب في الموت والمرض. عندما بُثّ الفيلم تسبب في حالة من الذعر، في حين أن الناس هرعوا لشراء آلات لمكافحة العفن وقاموا بالدعوة على الشبكة العنكبوتية من جميع أنحاء البلاد، بطلب المساعدة.

كان هناك فيض آخر من الأفلام الوثائقية التي تعرض في وقت الذروة حول “أسلحة الحرب النفسيّة”. وكان أحدها نداء من الفراغ (The Call of the Void)، الّذي بُثّ في عام 2009 وأبرز رجال مخابرات حاليّين أخبروا الحضور عن الأسلحة الحديثة للحرب النفسية الجديدة التي طوّروها. وادّعى البرنامج أن الجيش الروسي وظّف خلايا نائمة من الذين يمكنهم الدخول في سبات والدخول في عالم اللاوعي الجماعي، ومن هناك اختراق عقول رجال الدولة الأجانب من أجل كشف مخططاتهم الشائنة. وعلى حد قولهم، فإن أحدهم اخترق ذهن الرئيس جورج دبليو بوش، ومن ثم إعادة تكوين نوايا أحد مستشاريه بحيث أنّه مهما كانت بشاعة الخطة التي دبرتها الولايات المتحدة إلا أنها فشلت في أن تؤتي ثمارها. كانت الرسالة واضحة: إذا كان يمكن لجهاز الخدمة السّرّيّة أن يرى ما يدور بذهن الرئيس الأميركي، فإنه يمكنهم بالتأكيد أن يروا ما يدور بذهنك؛ الدولة متواجدة في كل مكان، تراقب كل أفكارك.

انها ليست مجرد عفن وجواسيس. كان هناك (ولا يزال) الكثير من هذه الواجهات أيضا. قم بتشغيل التلفزيون الروسي وسترى البرامج الحوارية على غرار برنامج جيري سبرينغر (Jerry Springer) محشوة بالكامل بملائكة الجحيم الذين أصبحوا المحاربين المقدسين الأرثوذكس على أهبة الإستعداد لهزيمة الغرب المنحط. سترى النازيين الجدد في تلفزيون إم تي في (MTV) مع أجساد راقصة ويصوّرون أنفسهم وهم يضربون مراهقين مثليين باسم الوطنية والقوزاق البارعين يهاجمون بكرابيجهم فناني التمثيل في الشوارع. ولكن في النهاية فإن المهمّة هي دائما نفسها: للحفاظ على 140 مليوناً من السكان الأقوياء يتمايلون بعبارت التعجب (oohs and aaahs) عن المثليين جنسيا والله والشيطان والفاشيين ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والكوابيس الجيوسياسية بعيدة المنال.

***

عندما ضربت الأزمة المالية روسيا في عام 2008، بدأ المنتجين في اوستانكينو بالتحدث عن الحاجة إلى أنواع جديدة من البرامج للحفاظ على الأمة تحت السيطرة. وأخبرني صديق لي في اوستانكينو بأن “الأزمة المالية جعلت الكرملين في حالة قلق”. “الأمور الروحية دائما جيدة لإبقاء الشعب مذهولاً”.

وكان لهذا النهج تاريخاً في روسيا. ظهر في عام 1989عرضاً جديداً على شاشة التلفزيون السوفياتي. بدلا من الباليه المعتاد وأعمال الدراما مثل الزي الممل، رأى الجمهور عن قرب رجلاً يبدو بملامح نجم إباحي من سنوات السبعينيات، بشعر أسود وحتى عينان أكثر سوادا. وكان لديه صوت عميق جداً. وقام بالإيعاز إلى المشاهد ببط وبثبات وتكرار للتنفس بعمق والاسترخاء، ثم التنفس بعمق. وقال: “أغمض عينيك. يمكنك علاج السرطان أو إدمان الكحول أو أي مرض آخر بقوة التفكير”. كان هذا أناتولي كاشبيروفسكي (Anatoly Kashpirovsky)، أخصائي التنويم الإيحائي الذي أعد فرق رفع الأثقال السوفياتية لدورة الألعاب الأولمبية. وكانت مهمته الحفاظ على البلاد هادئة ومسالمة في الوقت الّذي كان ينهار فيه الإتحاد السوفياتي. تضمنت محاضرة كاشبيروفسكي الأكثر شهرة حين كان يسأل الجمهور في البيوت لوضع كوب من الماء أمام أجهزة التلفزيون الخاصة بهم. وفعل ذلك الملايين. وفي نهاية البرنامج قال كاشبيروفسكي للمشاهدين أن “الماء شحن بطاقة للشفاء” من خلال نفوذه عبر الشاشة. وصدّقه الملايين.

لقد تم إيقاف كاشبيروفسكي عن الظهور على الهواء في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، ولكن في عام 2009، منح كاشبيروفسكي مرة أخرى مسلسلاً، هو جلسة مع كاشبيروفسكي، لاستكشاف الخوارق وإبقاء البلد مشوشاً بعروض تناولت موضوعات مثل الخلود والأشباح. بصراحة، بدى العرض نوعاً ما من الماضي: عندئذٍ انتقل منتجو اوستانكينو إلى أشكال أكثر تطورا من التلاعب السيكولوجي.

كان رؤساء الشبكات قلقين، فعلى سبيل المثال، البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، وهي شكل من أشكال النفوذ الواعي والرائد في الولايات المتحدة بعد عام 1975. قدمت أكبر قنوات اوستانكينو دليلاً لتقديم عرض إستناداً إلى نظام لايف سبرنج (Lifespring)، وهي دورات أميركيّة خاصّة ومثيرة للجدل، من أجل دورات “تدريب السيرة (life training)” التي أفلست في في سنوات التسعينيات بعد أن قام مشاركين سابقين برفع دعاوى ربحوها عن الضرر النفسي. نهج لايف سبرنج، تم أبلاغه في البرمجة اللغوية العصبية والعلاج الغشتلتي (نظرية حول العقل والدماغ)، كانت “لإعادة برمجة” الشعب — أولا عن طريق إرباكهم للدرجة التي ينهار فيها تفكيرهم الإنتقادي، ثم إخافتهم وإذلالهم مع تذكر الصدمات الماضية، وكل ذلك قبل رفعهم مع الوعد بالنجاح وما بعد ذلك، وعندما يتم عجنهم، غرس خطابات رئيسية لجعلهم مطواعين لمطالب “مدربي” لايف سبرنج. أعاد الدليل الذي أنتجته اوستانكينو برنامج لايف سبرنج في الاستوديو، مع مشاركين وكذلك الجمهور في البيوت وكان القصد من الإختبار إجراء القطار الدّوار (الأفعواني) الوجداني، وتأثير الادمان، على التدريبات.

عندما أشرف العقد على نهايته، وحيث أصبح الكرملين عدوانياً أكثر من أي وقت مضى ومصاباً بجنون العظمة، بدأت ألاحظ كيف أصبح تلفزيون أوستانكينو وعلى نحو متزايد يعكس، لكن جزافا، التدريب على المبادئ الأساسية لبرنامج لايف سبرنج. أربكت برامجه المشاهدين مع نظريات المؤامرة الشاذّة وأثارت الإيذاء الذي لم يبحث فيه عن عهد ستالين، وانهيار الاتحاد السوفياتي والعوز خلال سنوات التسعينيات — كل ذلك قبل رفع المشاهد ليكون مع روايات الإنتصار في عهد بوتين. وفي الوقت نفسه يقدم مذيعي الشّؤون الحاليّة في التلفزيون مواضيع عن (النخبة وأمريكا والشرق الأوسط) والتحدث لمدة 20 دقيقة، ملمّحين، وموعزين، وغامزين، ومتملّقين رغم أنّهم نادراً ما يقولون أي شيء بشكل مباشر، ويكرّرون كلمات مثل “هم” و “العدو” وبلا نهاية. لقد كان أسلوباً قوياً. كما شاهدت برامج يحاضر فيها النقاد السياسيين أمام الكاميرا، مثل ميخائيل ليونتيف (Mikhail Leontiev) في برنامج أودناكو (Odnako)، أو كما في الآونة الأخيرة في برنامج ديمتري كيسيليف (Dmitry Kiselev) فيست نادلي (Vest Nedeli)، ويمكنني أن أقول أنهم كانوا يناورون بمكر. ولكن كنت أجد نفسي أقوم بالايماء برأسي كلّما شاهدتهم، وقد طبعت في ذهني (مؤقتا) عقلية جنون العظمة التي يتّصفون بها.

وفي الوقت نفسه، فإن الوضع الاجتماعي يزداد سوءا. عندما طلبت مني شبكة تي إن تي (TNT)، وهي قناة الترفيه للشباب التي عملت لحسابها، طلبت مني  تحضير أفلام وثائقية حول المواضيع التي يهتم بها الشباب، ووجدت أن الشباب الروسي كان في غضب متزايد ومعزول عن الدولة. بالنسبة لكثير من الشبان، كانت أكبر مشكلة في حياتهم هي سنوات الخدمة الإلزامية في الجيش، حيث يواجهون الإعتداءات الجسدية وإجبارهم على العمل في السوق السوداء لفئة فاسدة من ضباط الجيش. وكانت المعارك بين المراهقين ورجال الشرطة إعتيادية: في عام 2009، تابعت قصة مجموعة من المراهقين ضربوا ضرباً مبرّحاً من قبل الشرطة لذنبٍ يبعث على الريبة يتعلّق باحتساء البيرة في مكان عام. الأفلام الّتي أعددتها أنا ومخرجين آخرين للأفلام الوثائقيّة حول هكذا قضايا تم تصنيفها على أنّها جيدة: كان هناك توق بين جيل الشباب لمشاهدة البرامج التي صوّرت عالمهم الخاص. ومثل هذه الأفلام كان من المستحيل أن تعرض على قنوات أوستانكينو، ولكن بما إنا كنا “قناة للشّباب” وليست بالضرورة على رادار الكرملين، تمكنا من أن نفلت من الملاحقة — لفترة من الوقت. في عام 2010، قيل لي بأدب أن القناة لن تنتج أي أفلام “إجتماعية” أخرى. ولكن، هل أريد أن تكون مهتمي إنتاج عمل عن زوجات لاعبي كرة القدم؟

وبحلول ذلك الوقت كنت قد بدأت أشعر بعدم الارتياح بشكل متزايد للعمل في التلفزيون الروسي وقررت العودة إلى لندن. لم أكن الوحيد الّذي اعترته شكوك جدّيّة. وكان العديد من المنتجين الغربيين الّذين كنت أعرفهم، حيث كانوا قد جاؤا للعمل في روسيا اليوم {Russia Today} (التي تمت إعادة تسميتها الآن لتصبح RT). التي تشكلت بموجب مرسوم رئاسي صدر في عام 2005، فإن “روسيا اليوم” كانت جواب روسيا على بي بي سي العالمية (BBC) وعلى الجزيرة (Al-Jazeera)، وهي تذيع الأخبار باستمرار لمدة 24 ساعة في اليوم باللغة الإنجليزية (والعربية والإسبانية) وتصل إلى كل فندق وغرفة معيشة في العالم. وتبلغ ميزانيتها السنوية أكثر من 300 مليون دولار، ومهمتها هي “طرح وجهة نظر روسيا حول أحداث العالم”.

سيتم عرض العمل على حوال 20 من البريطانيين والأمريكيين المتخرجين مباشرة من كلية الصحافة وبأجور سخية للعمل لصالح المحطة، ويصل الأجر إلى أكثر من 55000 دولار بالإضافة إلى مخصصات إنتقال، بينما في لندن أو واشنطن فانه من الممكن أن يُتوقع منهم أن يعملوا مجاناً. بطبيعة الحال فإنهم جميعا تساءلوا عما إذا كانت “روسيا اليوم” سوف تكون قناة دعائية. وفي بعض الأحيان أجتمع مع هذه الفئة العمرية 23 عاماً بعد العمل واتحدث معهم عن وظائفهم: “حسنا، الموضوع يتعلق بالتعبير عن وجهة النظر الروسية”، كانوا يقولون، غير متأكدين قليلا. منذ الحرب في العراق ومن ثم الانهيار المالي عام 2008 كان العديد يشككون في فضل الغرب. ماذا يمكن أن يكون خطئاً في “وجهة النظر الروسية؟”

استغرق أولئك الذين يعملون في “روسيا اليوم” فترة من الوقت للشعور بأن شيئا ما لم يكن على ما يرام. وبين التقارير الرياضية اللطيفة، وظهور جوليان أسانج (Julian Assange) ومقابلات لاري كينغ لايف (Larry King Live)، كانت تبث مقابلات الكرة اللينة (softball) مع الرئيس. (“لماذا المعارضة ضدك ضعيفة جدا، سيدي الرئيس؟” كان ذلك أحد الأسئلة الأسطوريّة.) عندما كتب صحفي خبراً، وهو البالغ من العمر 23 عاما والمتخرج من أكسفورد، ذكر فيه أن إستونيا قد احتُلّت من قبل الاتحاد السوفياتي في عام 1945، حصل على توبيخ من رئيس التحرير، وقيل له: “نحن أنقذنا إستونيا”، وأعطي أمراً لتغيير نسخة الخبر. وعندما ٍقام آخر، والمتخرّج حديثاً من جامعة بريستول، بتغطية حرائق الغابات في روسيا، وكتب أن الرئيس لم يفعل الكثير بشأنها، تم إبلاغه: “يجب أن تقول أن الرئيس هو في طليعة المكافحين ضد الحرائق”.

***

وقال لي مدير تحرير “روسيا اليوم”، أليكسي نيكولوف (Alexey Nikolov)، عندما أجريت معه مقابلة في عام 2013، “لا يوجد شيء بمعنى التقارير الموضوعية”. بحلول ذلك الوقت، أصبح مقر عملي في لندن مرة أخرى، وأعمل في مراكز الفكر والرأي، والتقى بي نيكولوف في مكتبه المشرق والواسع في موسكو في المركز الرئيسي لِ”روسيا اليوم”. فهو مراسل صحفي دولي مخضرم، ويتقن الإنجليزية ويتحدثها بطلاقة حيث جلس في أعلى منضدة مستطيلة وابتسامة عريضة تعلو وجهه. كان في إحدى زوايا الغرفة، بندقيّة كلاشينكوف (Kalashnikov)، حيث يقتنيها منذ أن حصل عليها خلال أحدى مغامراته الصّحفيّة. “هل ذلك يخيفك؟” سأل ذلك بشيء من المزاح، عندما لاحظني أنظر إليها.

وسآلت: “لكن ماذا يعني وجهة نظر روسية؟ ما هو موقف روسيا اليوم المحدد؟”

أجاب: “آه، هناك دائما وجهة نظر روسية”. “خذ واحدة من حبات الموز هذه. إنّها غذاء لشخص. وهي سلاح لشخص آخر. وللعنصري فإنها لإثارة الشخص الأسود”.

وهذه هي: سياسة روسيا الخارجية الانتهازية، مغلفة بتشبيه الموز. وهكذا فإن الكرملين يدعو لعدم التدخل وللحفاظ على السيادة عندما يدافع عن الأسد، ولكن يستخدم عكس هذا الموقف لتبرير غزو جورجيا وضم شبه جزيرة القرم. وبالتالي فإنه يحذر من الاستثنائية الأمريكية في الوقت الذي يدعي فيه أن روسيا لديها مهمة خاصة للحكم وكذلك تنوير “جوارها القريب”. وجهة النظر الروسية أي شيء يريده الكرملين بأن يكون.

خلال الصراع على أوكرانيا، فإنّهُ قصد من نشر “وجهة النظر الروسية” على نحو متزايد تقديم العون للعمليات العسكرية والاستخباراتية الروسية. على سبيل المثال، بعد أن قامت موسكو بمساعدة المتمردين في شرق أوكرانيا وذلك بإسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية في شهر يوليو/تمّوز، اجترّت “روسيا اليوم” العديد من نظريات المؤامرة (من مزاعم بأن الهدف الحقيقي من الهجوم كان طائرة بوتين الشخصية للتأكيد بأن مقاتلات أوكرانية كانت وراء المأساة)، من أجل صرف الأنظار عن الجناة الحقيقيين. وظهرت رواية أخرى شائنة عن “روسيا اليوم” وعرضت على أنها وثيقة مفترضة لمؤسسة راند (RAND Corporation)، الّتي ينصح فيها مركز الأبحاث الرئيس الاوكراني بترو بوروشينكو (Petro Poroshenko) بتنفيذ تطهير عرقي في شرق أوكرانيا، وذلك بقصفها بعنف ووضع السكان المحليين في معسكرات إعتقال. الحقيقة أن الوثيقة تم العثور عليها على هامش المؤامرة على موقع على شبكة الانترنت قبل ان يكون النبأ قد نبّهَ أي محرر أخبار بأنّهُ يفتقر للمصداقية — ولكن القصة وجدت طريقها إلى “روسيا اليوم”. (تمت إزالتها في وقت لاحق من موقع الأخبار، وذلك بعد أن كان قد تم الإطّلاع عليها على نطاق واسع)، ولكن استمر المشاركون بآرائهم في “روسيا اليوم” بالإشارة إليها.

بعض هذه الحيل والاحابيل تماما كنموذج محدث من التدابير الفعالة (Active Measures)، التي كانت تنفذها دائرة التضليل  والحرب  النفسية التي كان يديرها جهاز كى جي بي (KGB) الإتحاد السوفياتي، الّتي كانت معدة لإرباك وإفساد الغرب. “التدابير الفعالة” استخدمت ما يقدر بنحو 15،000 عميلاً في ذروة الحرب الباردة، وكان مهمّة جزء منهم وضع الأخبار الملفّقة في وسائل الإعلام الدولية. وتراوحت الروايات بين “خطة الرئيس كارتر السّريّة (President Carter’s Secret Plan) إلى وضع الخلاف والفرقة بين الأفارقة السود والأميركيين السود (Put Black Africans and Black Americans at Odds)”، لهؤلاء الّذين ادّعوا أن مرض الإيدز كان سلاحاً أنتج من قبل وكالة المخابرات المركزية (CIA)، أو القاء اللوم على الولايات المتحدة لمحاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني (Pope John Paul II). ولكن إذا ذهبت التدابير السوفياتية إلى إمتدادات بعيدة لجعل تزييفها يبدو مقنعاً، فإن الكرملين لا يبدو الآن مهتماً إذا تم إكتشافه: إن الهدف هو التشويش بدلا من الإقناع، من أجل إتلاف فضاء المعلومات حتى يتخلّى الجمهور عن البحث عن أي حقيقة وسط الفوضى.

أكثر من عشر سنوات منذ زيارتي الأولى إلى مجلس إدارة أوستانكينو، أجد نفسي الآن في إجتماعات إنفعاليّة، ولعلّها أقل دخاناً، مع مسؤولين حكوميين في لندن وواشنطن. وهم يتساءلون عن كيفية التعامل مع استخدام الكرملين البارع لوسائل الإعلام، حيث أن الجنرال في حلف الناتو (NATO) فيليب بريدلوف (Philip Breedlove)، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، قد دعى ذلك بأنّهُ: “أكثر حرب معلومات خاطفة ومثيرة للدهشة عرفت في التاريخ”.

وبعد أن رأينا كيف يعمل التلفزيون الروسي من الداخل، أتساءل عما إذا كان الغرب لديه الأدوات المؤسسية أو التحليلية اللازمة للتعامل مع هذا التحدي الجديد. في مؤتمر عقد مؤخرا في واشنطن، قال لي مسؤولون امريكيون انهم فوجئوا كم هو التلفزيون الروسي متطور. حتى هذا العام، لم يكونوا على علم تام بالمزيج الفريد بين الاستبداد والدّوران والترفيه الّذي أتقنه الكرملين.

تمكن الغرب ذات مرة من إيجاد سرد قوي داخل الإتحاد السوفياتي عن طريق مزج الترفيه مع القيم الديمقراطية. موسيقى الروك آند رول، والمسلسل الجذاب فالكون كريست والانتخابات البرلمانية في تناقض صارخ مع تلفزيون الاتحاد السوفياتي الباهت والمكتب السياسي. لكن روسيا بوتين ابدت أنّهُيمكنك أن تتمتع بالترفيه على النمط الغربي بالإضافة إلى الاستبداد. هل نحن على مستوى التحدي لجعل هذا النوع من التلفزيون يلامس أعمق نبضات الديمقراطية، لإقناع الجماهير سواء داخل روسيا، أو 30 مليوناً من العرقيّين الروس خارج حدودها، وهناك ما هو أكثر للديمقراطية الليبرالية من بوب آيدول (Pop Idol)؟ يمكن أن يأتي الإلهام من العروض البريطانية التي تجمع بين أشكال عروض الاندماج العاطفي مع القضايا الاجتماعية. على سبيل المثال، وضعت القناة الرابعة برنامج “إجعل برادفورد بريطانيّة (Make Bradford British)”، حيث يوضع الناس من مختلف الجماعات المتناحرة والعرقية في بيت واحد وتجري إثارتهم لحل خلافاتهم. ويتساءل خاركيف (Kharkiv)، هل يمكن عمل شيء مماثل من هذا القبيل مع العرقيين الروس والأوكرانيين؟

لا يزال هناك أيضا شيئاً متبقياً، ألا وهو إعتقاد القرن العشرين، بأن الدعاية الروسية يمكن مواجهتها من خلال تقديم “معلومات حقيقية” للجماهير. لكن التلفزيون الروسي لا يحاول إثبات “الحقيقة”. وما هو الجيد في إعطاء “الحقيقة” لجمهور وضع في دوامة عاطفية من قبل الكرملين حتى لا يصدق ذلك؟ في داخل روسيا في الوقت الحاضر، هناك الكثير من إمكانيّة الوصول إلى المعلومات البديلة عن طريق شبكة الإنترنت، والعرقيّين الروس في خارج البلاد لديهم الكثير من المصادر “الموثوقة”، لكن ولائهم العاطفي هو لمذيعي الكرملين. سوف يكون الغرب بحاجة إلى نوع من البرامج التي من شأنها إعطاء الجماهير الروسية الأدوات التحليلية لفهم كيف يتم التلاعب نفسياً من قبل وسائل إعلام الكرملين. هل هناك نسخة لوسائل الإعلام لبرنامج {بن أند تيلر} (Penn and Teller) — وهو البرنامج الذي يمكن أن يفضح الدعاية بالطريقة التي يبسط فيها الثنائي الخدع السحرية؟

 مع ذلك، ربما الأكثر إزعاجا، هو أن لدينا القليل من الفهم عن “تسليح المعلومات” عند الكرملين. إن قنوات الكرملين الإخبارية ليست ببساطة إصدارات مترفة من بي بي سي (BBC) أو سي إن إن (CNN)، بل هي أيضا أدوات عسكرية واستخباراتية، وبشكل خاص قوية في المناطق ذات الكثافة الكبيرة للناطقين باللغة الروسية، أو تلك مثل أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط، حيث معاداة الولايات المتحدة هي قوية بالفعل، وحيث يقوم الكرملين بتوسيع نطاق بثّه. إن حرية المعلومات والتعديل الأول (First Amendment) في الدستور الأميركي مقدّسان في الثّقافة الغربيّة — وبالنسبة لصحفي ومنتج لأعمال وثائقيّة مثلي بشكل خاص. لكن ماذا لو أن لاعباً يستخدم الحرية لزرع المعلومات المضلّلة. ليس للإبلاغ أو للإقناع — ولكن كسلاح؟ على حد تعبير المحلل الإعلامي الروسي فاسيلي غاتوف (Vassily Gatov): “إذا تم تعريف القرن العشرين بالمعركة من أجل حرية المعلومات وضد الرقابة، فإن القرن الحادي والعشرين سيتم تعريفه من قبل الجهات الحاقدة، من الدول أو الشركات، بأنه إساءة استخدام الحق في حرية المعلومات لأغراض أخرى تماما”.

بيتر بومرانتسيف (PETER POMERANTSEV) هو منتج تلفزيوني مقره في لندن. وقد تم تكييف هذا المقال من كتابه الأخير حول روسيا بوتين، ليس هناك ما هو صحيح وكل شيء ممكن (Nothing Is True and Everything Is Possible).

المصدر:

http://www.politico.com/magazine/story/2015/01/putin-russia-tv-113960_full.html#.VLJIx6SUcYc

Share Button

أضف تعليقاً