الرواية الشركسية العربية ( راسم رشدي )

الرواية الشركسية العربية ( راسم رشدي )

د. إيمان بقاعي


 

الرواية الشركسية العربية

راسم رشدي (جان)[1]

تتمتع كتابة راسم رشدي بالروح القومية الشّركسية الواضحة. وإن كان كتابه المميز: “مصر والشّراكسة” كتابًا تاريخيًّا علميًّا، فإن في (جان) – الرواية – ما يستوقف القارئ العربي خاصة.

كتبت (جان) بالعربية شارحة الأوجاع الشّركسية. وكاتبها مؤرخ أكثر منه أديب؛ لذا فقد اتّسمت بالطّابع التّاريخي الهادف، إذ قصد الكاتب إيراد تاريخ الحوادث من معارك وانتصارات وهزائم واستسلام الشيخ شامل الزعيم الداغستاني الّذي حارب الرّوس خمسًا وعشرين سنة (1863) ذاكرًا أسماء المعارك والحصون والحوادث التّاريخية المعروفة، مورِدًا أعداد القتلى والأسرى والمهاجرين وأعداد مَن احترق وغرق في باخرة الهجرة الّتي أقلت (جان) بطلة الرِّواية.

تبدأ الرواية سنة 1836 مصورة المعارك الّتي تكاد لا تتوقف بين الشّراكسة وأعدائهم الرّوس، مظهرة قوة وجلد هذا الشّعب الصَّغير الّذي يقاتل في سبيل وطنه.

أما كيف بدا الوطن فيها، فقد حفلت الرواية بالعادات والتّقاليد القومية الّتي أراد الكاتب تسليط الضَّوء عليها خاصة فيما يتعلق بالمعركة حيث جرت العادة ألا يترك الشّراكسة مطلقًا على أرض المعركة جريحًا أو قتيلاً إلا في الحالات القصوى.

كما جرت عاداتهم أيضًا ألا يعاقِبوا جنودَهم إذا أهملوا في إطاعة الأوامر، إذ كان يكفي أن يعرف عنهم ذلك فتنظم في حقهم القصائد المشينة ويفقدوا احترام النّاس وترفضهم المجالس فيعيشوا منبوذين مطرودين، ولا يغسل هذا العار إلا إبلاؤهم في قتال جديد حتى يستشهدوا[2].

ويذكر راسم رشدي عادة إطلاق الصَّيحات عند المقاتلين الشّراكسة، هذه الصيحات الّتي تفزع العدو وتجعله يفر خائفاً[3].

كما شدد على الجلد عند الشّراكسة، فصور معظم أبطاله (رجالاً ونساء) لا يبكون لأن البكاء عندهم عار مهما اشتدت المصائب[4]. وقد صور الكاتب الرّجل الشّركسي بأنه يملك الرُّجولة الطاغية الجبارة[5] إلى جانب الشَّجاعة والإبلاء في القتال حتى ولو تقدم في السّن[6] أو فقد عضوًا من جسده، هذا إلى كونه ركن العائلة وسبب استقرارها، فإن تقوض تقوضت[7].

ولا ينكر أحدٌ قدرة المرأة الشّركسية على قيادة الأسرة كما على قيادة المعركة حين تتسلم مسؤولية إحداهما أو كلاهما، فتَرد في (جان) صور نساء شاركن في معركة الوطن ضد أعدائه، منهن أميرة شركسية في الآستانة تصنع علمًا للشَّراكسة وترسله إلى بلادها[8]، وامرأة تدعى (ريداد) تضحي بحياتها في سبيل مَن تحب مِن غير أن تنسى واجبها في الغزو والقتال جنبًا إلى جنب الرّجل حتى الموت.

أما كيف بدت صورة (جان)؟

كانت (جان) المرأة – الامتداد للمرأة الشّركسية عبر العصور؛ فهي امتداد للأم (ستناي) الّتي ربت أبرز الأبطال[9] وشرحت لهم ما يخفى عليهم. فإذا ما هاجم الأعداء البلاد، فإن الّتي تحقق نصر النارْتيين على الأعداء هي (أم النارْتيين): ستناي الّتي يعني اسمها: (مانحة الرّوح). وهذه صفات كل الآلهة النِّسائية في الحضارات القديمة والّتي سميت بآلهة الخصب والعطاء والتجدد. فهي “إنانا” السومرية، و”عشتار” البابلية و”ايزيس” المصرية و”ارتميس” اليونانية، بل هي أقدمهن جميعًا؛ لأنها تطورت عن الأم الإلهة الكبرى[10].

ومن ستناي إلى جان – الامتداد، فجان أميرة شابة وجميلة.. إلا أن جمال (جان) لم يكن لها هدفًا تسعى إلى استغلاله للّهو بقلوب الفتيان المعجبين، فقد شغلت الفتاة عن جمالها بتنمية الشَّجاعة والجرأة اللّتين ورثتهما عن أبيها و”بأنباء الكفاح المجيد الّذي كان يقوم به إخوانها وأبناء قومها في أنحاء متفرقة مِن جبال القفقاس ووديانه”[11] حتى إنها – حين أعلن (ينال) إعجابه بها ورغبته في الزّواج منها – تطور الصّراع ما بين الأنثى فيها وبين الواجب الوطني كفرد من أفراد المجموعة المعرّضة للهجمات من قبل العدو الرّوسي إلى أزمة شكلت لديها هاجسًا تنامى حتى وقع الاختيار، فاختارت (جان) الوطن:

الوطن في خطر وأمامنا جهود شاقة، فعلى كل منَّا أن يؤدي نصيبه منها كاملاً”[12]. لقد حل الصراع إذن وانتصر خيار الوطن إذ أجابت على طلب الزّواج من ينال بقولها: “على كل منّا”؛ أي: أبقت نفسها شخصًا مستقلّ التحرك والدفاع والتضحية بدل الارتباط بالرجل الزوج.

ماذا أرادت (جان) في اختيارها الوطن؟:

“أساهم بنصيبي كاملاً في خدمة الجميع في القرية وساحة القتال. أريد أن أوفر نفسي على خدمة جنودنا، أيًّا كانوا وأينما كانوا”[13].

أرادت (جان) أن تساهم مساهمة “كاملة” في “خدمة الجميع” في “القرية وساحة القتال”.

أرادت الخروج من حال الخصوصية إلى الحالة العامة، من العطاء الخاص إلى العام، من الصَّغير إلى الكبير. لكن التنفيذ – العطاء، كان يحتاج إلى لحظة التحول، وكانت هذه اللحظة هي استشهاد والدها، فلم تطرف لها عين ولم تذرف دمعة، بل كانت ساهمة الطرف، هلعة الفؤاد، واقفة بثوبها الأسود أمام سقوط ركن البيت إلى غير ما عودة.

“تجلدت” (جان) فلم تبك.

لا يُبكى الشَّهيد!

هكذا تقول الأعراف الشّركسية.

وكيف يُبكى وقد استشهد في سبيل وطنه وأمته “الأَدِيغة”؟

“تجلدت” (جان) وحملت عن الشَّهيد أعباء القتال والمعركة، فاتخذت من منزلها الجبلي الواقع على حافة جبل يؤدي إليه طريق وعر معقلاً تشنّ منه غاراتها اللَّيلة على العدو.

تعلمت إحكام الرماية وإصابة الهدف، وأقسمت لتذيقنَّ مغتصِب ديارها بعض ماذاقته مِن مقتل ركن العائلة وتشريد الشّعب وتمزيق الوطن.

سكنها الحماس والثأر والانتقام.

كانت (جان) محاربة بمعنى الكلمة، تخرج إلى غزواتها مرتدية كامل سلاحها، ممتطية جوادها. وكانت تهاجم العدو في وكره، فتقلق راحته وتقتله وتأسره وتشتبك مع مَن يفاجئها من الأعداء في طريق غزوها، فتسترد أسرى قومها متجلدة على المصاعب والوجع، مقاتلة حتى الموت[14].

كانت (جان) مثلما الأم (ستناي) الّتي يقول عنها أبناؤها النارْتيون:

“في الطّرقات الطّويلة كانت رفيقةَ غزواتنا. وعندما يهاجمنا عدوّ، كانت ضرباتها تصد العدو مع ضرباتنا”[15].

لقد هبَّت (ستناي) تحمل السّيف عندما كان السّيف أصدقُ إنباءً، وحمله مِن بعدها أحفادها إذ ظل – والعدو يرقب بشراسة الوطن الّذي أراد استباحته – أصدقَ إنباءً أيضًا.

أنشد الوطن وأبناؤه نشيد القتال، فاختار الكلُّ: “الحياة القصيرة”، واختاروا “الحقيقة” و”العدالة” و”الحرية” ومقاومة الصِّعاب[16]، وكانت (جان) واحدة من “الكل”.

كانت كما (ستناي): كلّ أمور الوطن شغلُها الشّاغل[17]، وإذ يحتاج الوطن إلى القوّة استخرجت قوتها وانطلقت تقاتل مع رجال وطنها: الّذين يحاربون منهم بشجاعة لا مثيل لها، أو الّذين ذبحوا “كأنَّهم نعام”، أو كانت تقاتل في سبيل شيوخ وطنِها الّذين قتلوا “كأنهم شباب”، وفي سبيل نساء وطنها اللَّواتي استُبحن كأنهن “بغايا”[18]، فكانت تقاتل في إشراقة الوطن الّذي ينهض مِن الموت.

هاجمت (جان) العدو وهوجمت أيضًا، فقاومت المهاجِم “كلبؤة كاسرة”، محطمة تحقيق حلمه القديم في اختطاف الشّركسيات “بقصد الزّواج أو الاستمتاع”، رغم أنها تنوقِلَتْ “كالمتاع” بين الضباط “من بيت إلى بيت ومن مالك إلى مالك”؛ فهي امرأة فاتنة في رأيهم، ولا تعاقب بالقتل على محاربتها إياهم، وإنما “تقتنى” لتعطي لهم – باعتقادهم – “السعادة والهناء”[19] مِن دون أن يدري “المقتني” أنها سبق وأن اختارت وطنها على الرجل الذي تحب، فكيف تعطي السعادة لعدوها؟

لكن (جان) ماطلت العدو منتظرة فرصة هرب. وعندما أنقذها (ينال)، تزوجته وأندبت ينال الصَّغير. بيد أن الوطن ظل عندها الهاجس الأكبر.

وكبر الهاجس إذ فقد (ينال) – الزوج – القدرة على قيادة الجند إذ فقد يده وبصره، فعادت المرأة لاستلام دورها الوطني مِن جديد، فقادت جنود زوجها، مستلهمة منه الحنكة والشَّجاعة، دارسة وإياه الخطط، منفذة هذه الخطط مع رجاله الأشداء المخلصين، مدفوعة بالثأر لأبيها وزوجها ووطنها[20].

كانت (جان) تقاتل الأعداء مع الجنود في سبيل أمة الأَدِيغة ووطن الأَدِيغة، ووقفت – كما دائمًا – منتصبة القامةِ.

إلى متى يقاتل المرء؟

مرت سنوات هزم بعدها الوطن الصَّغير تحت ثقل الأحقاد الكبيرة، وخُيِّرَ الشّراكسة بين حلين لا ثالث لهما: العبودية أو الهجرة.

وإذ لا يختار الشّعب الأبي العبودية، تكون الهجرة إذن.

عائلات وقرى بأسرها نزحت من بلادها نحو الجنوب إلى تركيا. وفي إحدى القوافل النازحة، كان هناك سبعة عشر رجلاً وثماني سيدات وفتيات وولد في التاسعة من عمره هو “ينال الصَّغير” الّذي حملت أمه آمالاً كبيرة في أن يشب رجلاً جريئًا طموحًا[21] فيعوضها بعض ما فقدت ومَن فقدتْ.

لكن الهجرة كانت أشبه بالتَّهجير القسري، فالمستقبل مجهول والآمال مجهولٌ زمانُ ومكانُ تحقيقها.

قاتلت المرأة حتى اللحظة الأخيرة، وخرجت من الوطن تحمل أملاً واحدًا صغيرًا سيكبر.

هربت المرأة المقاتلة بأملها.

حملت من الوطن مشروع رجل – أمل سرعان ما انهار كما انهار الوطن.

قالت (جان)، كما قالت (ستناي) مِن قبلها، وقد عانتا وجع تكثيف الأمل الوحيد، الابن الوحيد:

“أنا لم ألدْ تسعة أبناء

لم تكونوا عشرة حين ودعتكم”[22]

وحين لا يكون الأبناء عشرة، يتكثف الأمل في الواحد الابن.

أرادت (جان) كما أرادت (ستناي) من قبل للابن – الأمل أن يجدد البطولات، فباركته كما الأم (ستناي) باركت ابنها من قبل:

“لتكن أيامُك مضيئةً

وقادرًا على مجابهة كل الصّعاب

وليكن سيفك بتارًا

ورمحك محطمًا للجبال

لا يلحق بك مَن هو خلفُك

ولا يغلبك مَن هو أمامك

تسبقك الأغاني عن بطولاتك

قبل رجوعِك إلى البيت

أرجو أن تعود رجلاً يا ولدي”[23]

لكن الأحلام تتحطم برصاصة مِن رصاصات العدو إذ يقتل الصَّغير في حضن أمه المهاجرة الهاربة به رجلاً للمستقبل.

لم تبك (جان) فوق جثة والدها، لأن الجثة – وقتها – كانت نقطة التحول الّتي دفعت بها إلى ممارسة حب الوطن وقتَ كان للوطن مستقبل.

لم تبك (جان) على جثة زوجها وقت كان للوطن أملٌ بمستقبل.

لكنها – وفي طريق الهجرة القسرية خارج الوطن إلى المستقبل الضبابي – تفقد آخر ما تمسك به مِن خيوط أمل.

مات الوطن.

ومات الحلم الّذي كانت تعد له فارسًا.

علا صراخها، بكت “كمن بعقله لوثة”[24].

ظلت (جان) قوية حتى اللَّحظة الأخيرة، حتى انزلاق الحلم الأخير مِن بين أصابعها.

كانت عيناها تنطلقان نحو “الأفق البعيد”[25] الذي لم ترَ شيئًا من خلاله.

هل عرفت (جان) كيف دبر القدر لها تخلصًا نهائيًّا مِن وجعها؟

هل عرفت ما فعل القدر لحسم آلامها؟

هل أحست بالنار تحرق الباخرة؟

هل كانت النار أكثر إحراقًا من النار الّتي رمدت الوطن والقلب؟

غسلت (ستناي) بدموعها وجه سوسروقة[26]، وغسلت (جان) وجه الأمل المرمي جثة بدموعها أيضًا.

كيف ماتت (جان)؟

احتراقًا؟

غرقًا؟

بالنار؟

بالماء؟

ما الّذي تحطم في الوطن المستباحِ؟ إنسانه أم أرضه أم كلاهما؟


[1] راسم رشدي: جان (عمان: مكتبة الشّباب ومطبعتها 1988).

[2] نفسه، ص60.

[3] نفسه، ص7.

[4] نفسه، ص6.

[5] نفسه، ص17.

[6] راسم رشدي، ص81.

[7] نفسه، ص22.

[8] نفسه، ص17.

[9] سوسروقة، بدنوقة، أشمز، شاويي ابطال أساطير النارْتْ وأهمهم ابنها سوسروقوه [انظر: ممدوح قوموق، ملاحم نارْتْ الشّركسية، ص21].

[10] الشّركس في فجر التّاريخ، برزج سمكوغ، ص220.

[11] نفسه، ص6.

[12] جان، ص14.

[13] نفسه، ص14.

[14] نفسه، ص40 – 45.

[15] قوموق، ص336.

[16] نفسه، ص64.

[17] نفسه، ص109.

[18] جان، ص47.

[19] نفسه، ص52 – 53 – 54.

[20] جان، ص80.

[21] نفسه، ص86.

[22] قوموق، ص161.

[23] قوموق، ص145.

[24] جان، ص88.

[25] نفسه، ص90.

[26] قوموق، ص339.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_language/0/73835/#ixzz5YSo4LOCk


 

 

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_language/0/73835/#ixzz5YSpMTM67

Share Button

أضف تعليقاً