محاولات لاستعادة أمجاد الإمبراطورية المتلاشية

محاولات لاستعادة أمجاد الإمبراطورية المتلاشية

بقلم: عادل بشقوي

الأول من يناير/كانون الثاني 2021

نبذة مختصرة

لم يغير مرور الوقت العقلية الاستعمارية المسيطرة منذ عصر تبني سياسة التوسع والغزو والاستبداد للإمبراطورية الروسية. لقد أثبت تغيير الأنظمة المتتالية أن عقليتهم الاستعمارية لم تتغير أبدًا، بينما الأجيال المتعاقبة تبنت وما زالت تتبنى أفكارًا ومبادئ وطقوسًا تتعارض مع أسس الديمقراطية ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. في الواقع، لا يزالون يتصرفون بما يتعارض مع المفاهيم الإنسانية في أنشطتهم وأقوالهم وأفعالهم. من الواضح أنه لا الأنظمة الحاكمة، ولا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ولا الجماعات المتطرفة المرتبطة بها، تؤمن حتى يومنا هذا بالتوقف عن تهميش الآخرين، لأنها لم تواكب تطور التكنولوجيا بما يتماشى مع احترام الآخرين بغض النظر عن أصلهم أو ثقافتهم أو دينهم، في حين أن التقدم العلمي لم يغير النظرة السطحية المرتكزة على القومية الإثنية القائمة على التوسع. باختصار، لا غنى عن معالجة الأساليب الإقصائية التقليدية والفشل في فهم ما يمثله احترام كرامة الإنسان. ومع ذلك، فإن الشركس من خلال مفكريهم يوجهون البوصلة الأخلاقية ويقدمون الحقائق التي تتحدث عن أنفسهم. لا تستطيع الأطراف ذات الأفق الضيق التكيف مع التقنيات القائمة على الحضارة العالمية التي تراعي الاحترام المتبادل الذي يشمل جميع الشعوب والأمم دون استثناء. وهكذا فإنهم يخلقون أزمات لخرق القوانين وفق وجهات نظر مختلفة، خاصة من أجل ترهيب الشعوب والأمم التي كانت ضحية السياسات الاستعمارية للغزو الهمجي ونتائجها.

المقدمة

https://www.quotemaster.org/Faded#&gid=1&pid=1
https://www.quotemaster.org/Faded#&gid=1&pid=1

ومع ذلك، كانت هناك بعض الذكريات التي لم تتلاشى أبدًا.

لم تكتف الدول والقوى الإستعمارية بلعب الشطرنج على رقعة شطرنج إمبريالية عالمية، بل إنها قامت بمحاكاة ذلك على الواقع، حتى لو تطلب الأمر إثارة الاضطرابات والحروب التي لا تعرف الرحمة. لقد بدأ الإمبرياليون مغامراتهم بقدرات متواضعة، ثم طبَّقوا بشكل أساسي سياساتهم التوسعية بشن حروب إبادة وغزوات ضد عشرات الشعوب والأمم والأعراق في أماكن مختلفة تحيط بحدودهم الأصلية وما وراءها.

لقد استغلوا أنانيتهم ​​وجشعهم من أجل الاستفادة من ألعاب الحروب لاكتساب المزيد من الثروة والاستيلاء على الأراضي وإخضاع الشعوب. إن أساليبهم الوحشية في القتل والإبادة والتطهير العرقي والترحيل القسري هي النتائج والحقائق المأساوية لعارهم الأبدي. لطالما كان هدفهم النهائي ولا يزال، الاستيلاء على المزيد من الأراضي وضم أوطان الآخرين، من أجل استغلال واستخدام الموانئ البرية والبحرية المحتلة كمناطق استراتيجية للوصول إلى أماكن كانت في السابق بعيدة وحتى كان يتعذر الوصول إليها.

بقدر ما يستاء المرء من تصرفات الدولة الروسية ضد المواطنين غير الروس، بقدر ما تبدو الأحداث كالمعتاد دون أي تغيير إيجابي للشعوب التي انتهى بها الأمر إلى الخضوع لإحدى القوى الاستعمارية. وهي تعمل وفق نهج يمكن وصفه بأنه يعاقب السكان الأصليين منذ اليوم الأول. يتم الاستبداد والتنمر على الشعوب والأمم في هذا المفهوم لحكمهم وفقًا لأجندة إمبريالية تأسست منذ القرن التاسع عشر. وعلى ما يبدو، يميل هذا المسار إلى السير في مسار معاكس للاعتدال وميْل الإنسان إلى الإستقامة. لكن الموقف الأكثر عقلانية وتسامحًا يظهر على الجانب الآخر من المعادلة، والذي يبدو أكثر حكمة وحصافة. كل ما سبق لا يمنع الشُّعوب من أن يكونوا متفائلين. وترمز آمالهم الكبيرة على المدى الطّويل بالأمل والتّطلُّع لاستعادة الحرية والحقوق واختيار أسلوب الحياة الذي يتوافق بالضرورة مع أهدافهم القوميّة.

حتى مع بحر من الدماء التي أريقت وولّدت جروحًا عميقة ومُتقَرِّحة وجروحًا روحية لم تلتئم لعقود، لم يتم الشعور بأي اختراق سلمي ملحوظ، والذي يتحقق من خلال الإشارات الإدراكيِّة.

وعلى ما يبدو، فإن أحفاد أولئك الذين أسسوا وعززوا السياسات الاستعمارية الروسية قد قرروا الحفاظ على النزاعات العرقية وحتى تفاقمها والتّذكير بالمآسي الإنسانية. أراد الشوفينيون المتطرفون تحويل ذلك إلى مستنقعات ومُسطّحات مياه راكدة تفوح منها رائحة الضحايا والأبرياء المفقودين. إن هذا السلوك الخطير سينتج عنه أخطارًا متنوعة ستضر بالجميع في كل الاتجاهات، مع السعي للاحتفاظ بالآثار والعواقب المأساوية. هذا جعل الضحايا الأبرياء من الشعب الشركسي، إلى جانب عشرات الشعوب والأمم الأخرى، يظلُّون في دائرة الضوء بينما تستمر المعاناة إلى أجل غير مسمى.

من ناحية أخرى، حتى مع القضاء على الإمبراطورية الروسية، وتنازل الإمبراطور الأخير، نيكولاس الثاني عن العرش، في شهر يوليو/تموز من عام 1917، ثم قتله في شهر يوليو/تموز من عام 1918، مع جميع أفراد أسرته رومانوف، فإن الشعوب والأمم المخطوفة خلال عصر الإمبراطورية (القيصرية) الروسية، تم الإبقاء عليها تحت حكم  ووصاية الروس/السوفييت، بغض النظر عن التصريحات الخطابية غير المنطقية مثل، التغيير الذي ”أطاح بالقوانين القديمة للنظام القيصري ضد حرية التَّعْبير والتَّجمُّع. تحولت روسيا إلى ما أسماه لينين {الدولة الأكثر حرية في العالم}“. [1]

سقط القناع عن القناع

fabQuote.co
fabQuote.co

يمكن استعارة وصف {سقط القناع عن القناع} للتأكيد على أن  {الكلب يكشر عن أنيابه عند الحاجة}. وبناءً على ذلك، ”ليس الناس من يتغيّرون أحيانًا، بل القناع الذي يسقط“. [2]

سرعان ما تبين أن الدعوة للتغيير التي أطلقتها الفصائل الثورية كانت وهمية. فمن الواضح أن دولة بوليسية قمعية وُلِدتْ من رحم الثورة، في وضع لم يكن مختلفًا تمامًا عن فساد الإمبراطورية المتعفنة. ”لقد تم سحق إمكانياتها التحررية ووعودها لفرص غير محدودة بلا رحمة من قبل نفس الحزب الذي ادّعى التحدث نيابة عن الشعب“. كانت الجماهير تعلق آمالاً كبيرة على الثورة من خلال الأهداف التي قُدمت وتم النضال من أجلها في البداية. وهكذا، ”كان ضمان حقوق الأقليات والقوميات العرقية من بين هذه التغييرات بعيدة المدى. لكن لم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ الانزلاق نحو الحكم المطلق وسقطت الدولة نحو الضرب بيد من حديد على المنشقين، بما في ذلك المتمردين من اليسار“. [3]

ومن هنا كان الهدوء في أنشطة التوغل الاستعماري وممارسة الأساليب الاستبدادية على بعض الشعوب خلال فترة إرتباك الثورة الروسية لأن القوى العسكرية الرئيسية كانت متورطة في الفوضى السياسية وانشغلت بالأحداث التي تجري في العاصمة ومناطق المدن الروسية الكبرى. ومع ذلك، استمرت الأنظمة المتعاقبة في مهمتها في شن حروب إجرامية وحشية وعمليات عسكرية وطموحات استعمارية لم تتراجع ضد الشعوب والأمم والأقاليم التي كانت الإمبراطورية الروسية قد ألحقتها بها، ونفّذت سياسات الطغيان والتّسلُّط عبر القهر والضم على مدى عقود.

على الرغم من ذلك، ”تميزت نهاية النظام الملكي بمشاهد الابتهاج في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية. تم تحطيم رموز السلطة الملكية الرموز، وشعارات النبالة، والنسور ذات الرأسين، وتماثيل القياصرة“. [4] وخلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، استذكرت الأحزاب ووسائل الإعلام المعروفة، التي تحميها السلطات وتدعمها الكنيسة الأرثوذكسية، ذكريات الماضي لدرجة الإشادة بالإنجازات الاستعمارية للإمبراطورية الروسية.

بعد الثورة الروسية في عام 1917، اغتنمت مناطق معيّنة مأهولة بأغلبية قوقازية الفرصة لتأسيس ”جمهورية شمال القوقاز الجبلية“. غير أنّهُ، ”بمجرد إنشاء الحكم السوفيتي خلال الحرب الأهلية الروسية، ألغيت الجمهورية ثم تحولت إلى جمهورية ذات حكم ذاتي في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية (ASSR)“. ولإثبات ذلك كحقيقة، ”في 11 مايو/أيار 1918، تم إنشاء جمهورية شمال القوقاز الجبلية رسميًا“.

”تم إنشاء جمهورية شمال القوقاز الجبلية من أجزاء من منطقتي كوبان (Kuban) وتيريك (Terek) من قبل القوميات الأصلية بعد الثورة الروسية؛ غير أن هذا يطابق المثل القائل: ”الناس أحيانًا لا يتغيرون. إنه القناع الذي يسقط “[5]، حيث تم تثبيت الحكم السوفييتي على هذه المنطقة بعد غزو الجيش الأحمر لشمال القوقاز في سياق الحرب الأهلية الروسية، وتحولت الجمهورية السابقة إلى جمهورية سوفيتية“. [6]

إعادة تسمية متكررة للمدن والأماكن

مما لا شك فيه أن حالة الاضطراب التي سادت حالة الفوضى في الإفراج التعسفي للأسماء وعدم احترام الرموز الوطنية التي تخصّها، أوجدت حالة من التهور في اختيار الأسماء. كأنهم يعبثون بلعبة أطفال تتغير من وقت لآخر في الشكل واللون. إن معرفة أهمية الأسماء تكمن في حقيقة أن لها معاني وأعمال تاريخية وتراثية وثقافية وقومية وحضارية. هذا الوصف، بالمناسبة، هو ما فعلوه وما زالوا يتصرفون بموجبه في الجزء الشركسي من شمال القوقاز، حيث تم ولا يزال يجري تغيير وانتهاك الأسماء والمعالم، ناهيك عن التغيير الديموغرافي الذي أحدثوه بالقوة منذ عام 1864.

A Lenin statue (and a bird) in front of the House of Soviets on Moskovskaya Ploschad in St. Petersburg. (Photo: Fredrik Tombra) / Liden & Denz.
A Lenin statue (and a bird) in front of the House of Soviets on Moskovskaya Ploschad in St. Petersburg. (Photo: Fredrik Tombra) /
Liden & Denz.

وبخصوص هذا الموضوع، فقد تم تغيير أسماء المدن عدة مرات، مثل مدينة سانت بطرسبرغ، التي أعيد تسميتها أربع مرات منذ أن أسسها بطرس الأكبر في عام 1703. من إسم سانت بطرسبرغ إلى بتروغراد عبر لينينغراد والعودة إلى سانت بطرسبرغ. [7] ”بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، استعادت سانت بطرسبرغ اسمها التاريخي بعد أن أجري استفتاء على ذلك، لكن للأسف، كانت واحدة من أكثر أماكن العصابات في البلاد. ومع ذلك، فإن المدينة آمنة تمامًا حاليًا، وقد تعافت البلاد من الخراب الذي حصل بعد انهيار الإتحاد السوفياتي“. [8]

التجربة الشركسية مع النشوة اللامحدودة للحنين الروسي إلى الماضي

يتألف القوميون الروس المعاصرون من أنصار الكنيسة الأرثوذكسية التي أستعادت الكثير من تأثير الحقبة القيصرية الروسية على المجتمع، بالإضافة إلى الجماعات القومية المرتبطة بهياكل السلطة. لقد أنشأوا قاعدة مشتركة بين الإمبراطورية القيصرية والإتحاد السوفياتي والكنيسة الأرثوذكسية وهياكل السلطة في الفيدرالية الروسية. أدى ذلك إلى التسبب في مشاكل بين الأعراق والقوميات والأديان في الفيدرالية الروسية.

نشوة لا متناهية، على الرغم من أنه كان انتصارًا مضنيًا على أمَّة صغيرة جدًا مقارنة بإمبراطورية استعمارية كبيرة نسبيًا بها قوات مسلحة كبيرة وقوية ومجهزة تجهيزًا جيدًا، جنبًا إلى جنب مع مليشيات المرتزقة المتحالفة معها. لقد استخدموا أساليب قمعية وسياسة الأرض المحروقة للتدمير والإبادة.

باختصار، فإن الصراحة في التعبير عن وجهات النظر ساهمت في نشر ما يدور في أذهان الأطراف المختلفة. فمن ناحية، بينما يتجاهل أنصار الإمبريالية والاستعمار آلام المظلومين وتضرعهم، يُزوِّرون التاريخ وينشرون أجنداتهم وفرضياتهم ورواياتهم البالية، لكنهم في هذه الأثناء يعيشون في إحساس خاطئ بالراحة. ومن ناحية أخرى، يوجه الجانب الشركسي البوصلة الأخلاقية ويقدم الحقائق التي تتحدث عن نفسها فيما يتعلق بعدم قدرة الأمة الشركسية على التمتع بحقوق متساوية وعادلة في اتحاد لم يتم تقاسمه بشكل مناسب بين أعضائه المفترضين. وبالتالي، لم يتمكن الشركس من استخدام لغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالطريقة التي يتمتع بها الإثنيون الروس.

لكن القتال الفعلي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تم استبداله بطرق ووسائل مختلفة. يظهر الواقع القاسي أن هناك بيئة خصبة من الدعاية المنظمة والمعلومات المضللة التي تم إعدادها وصونها، بدءًا من تزوير وتزييف التاريخ الموثق، إلى حد التلاعب بحقائق غزو الإمبراطورية الروسية والنتائج الكارثية التي انتهت بإبادة نصف الأمة الشركسية ووجود 90٪ منها حتى اليوم في شتات عالمي يمتد إلى أكثر من خمسين دولة في عالم اليوم. وقد تم ترحيل الشركس قسراً من بلادهم بسبب الحرب والعنف والاضطهاد.

”النظام المعادي للديمقراطية الذي جرت محاولة إنشاؤه في جميع أنحاء روسيا منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتخذ طابعًا مؤسَّسِيًا مع التعديل الدستوري الأخير واكتسب مكانته القانونية من خلال استفتاء عُقد للتّفاخر. فعلى الرغم من أن هذا التغيير الدستوري قد تم تقييمه على أنه محاولة لبسط سلطة بوتين في مفهوم الرأي العام في العالم، فإن المشكلة الحقيقية هي أنه مع هذا التعديل الدستوري، يتم تقييم الشعوب التي تعيش في روسيا، والتي هي ليست من أصل روسي، كمواطنين من الدرجة الثانية. بعد هذا التعديل الدستوري، تصاعد الخطاب العنصري الذي أخذ شكلًا منظمًا في روسيا، وكذلك المحاولات الاستفزازية في القوقاز، والضغط على النشطاء، كلها تُبيِّن أن روسيا قد اتخذت صفة يمكنها أن تمهد الطريق لمجازر جديدة مع التباهي بمجازرها ضد المدنيين وتراثها الاستعماري بدلاً من مواجهة ماضيها الاستعماري“. [9]

إن العقلية الاستعمارية العقيمة والفاسدة القائمة على القومية والشوفينية (المغالاة في الوطنية) والغرور وإلغاء الآخر لم تتضاءل. ولم ينته الأمر بعد، لكن على العكس من ذلك تمامًا. إنّهُ لا يزال واضحًا للجميع. يتم تشجيعها بل وتطبيقها من قبل بعض الأجهزة الإقليمية والفيدرالية للسلطات الحاكمة، وعلى ما يبدو بالتنسيق والتعاون مع التعليمات الصادرة عن الكنيسة الأرثوذكسية.

لم يتمكن الروس من التغلب على طموحاتهم وجشعهم الاستعماري، وبالتالي سياسات الإقصاء والقمع والاستبداد التي من شأنها أن تؤدي بالضرورة إلى ممارسة نوع من سياسة الفصل العنصري سيئة السمعة، ضد قدرات الشعوب والأمم المقهورة. يُنظر إلى هذه الظاهرة بوضوح على أنها ركود فكري بدون تعافي واضح. ومع ذلك، فإن النزعة المتعنتة سوف تسقط في نهاية المطاف بشكل مدوي ولن تخضع حقوق الشعوب للتقادم.

ومع ذلك، فمن المؤسف أن يفرض المهرجون والمحرضون إحياء ذكرى وتكريم قادة وجنرالات إمبراطورية الشر، الذين خدموا الأباطرة ونفّذوا السياسات العدوانية التي اقترفت جرائم ضد الإنسانية، وهو أمر مقبول في الفيدرالية الروسية المعاصرة. لقد أثبتت الحقائق على الأرض أنه من المستحيل أن تمر جرائم الدمار الشامل والإبادة والترحيل ضد الغالبية العظمى من الأمة المنكوبة دون مساءلة.

استمروا في بناء وإقامة النصب التذكارية والتماثيل والأحجار التذكارية للقادة وجنرالات القياصرة الروس. وعلى وجه الخصوص، أولئك الذين ارتكبوا جميع أنواع الجرائم والأعمال الوحشية التي لا توصف ضد الشعب الشركسي الأصلي، بالإضافة إلى مواطني وشعوب القوقاز الأخرى. بعد كل تلك الأفعال الشريرة، فإنهم يميلون أيضًا إلى إقامة صلبان على قمم الجبال ومواقع معيّنة واستراتيجية، وفي الوقت نفسه، يظهرون محاولات مستمرة لتشويه سمعة الجماعات العرقية والثقافات والحضارات الراسخة عميقة الجذور. [10]

ولتهميش الشركس في وطنهم، أقيمت العديد من النصب التّذكارية والتماثيل للغزاة الروس. أولئك الذين يتم تخليد ذكراهم، كانوا قد قادوا جحافل الغزاة الروس الهمجيين ضد الشراكسة، وارتكبوا جرائم لا توصف من القسوة والعنف والاستغلال والإساءة ضد الأبرياء، الذين كانوا يدافعون عن حقوقهم المشروعة. اندلعت حرب غير متكافئة بين الإمكانات والإسلحة الشركسية البسيطة ضد الوسائل العسكرية الثقيلة والأسلحة التي تمتلكها ترسانة عسكرية روسية حديثة.

”{تؤدي السياسة العدوانية للذاكرة، والتي يمكن التعبير عنها في كلٍ من تدمير الآثار وإنشاء أخرى جديدة، إلى وضع يتم فيه اختزال شعوب بأكملها إلى مجرد <حواشي> في السرد التاريخي للحكام} وبالتالي يتم منعهم من التعامل مع تاريخهم بطرق تسمح لهم بالتغلب على الصدمات المستمرة“. [11]

فقد أثبت النظام الشوفيني العابر للأجيال أن تغيير الأنظمة السياسية في روسيا لا يمحو و/أو يغير بالضرورة من الأجندة الإمبريالية أو الاستعمارية، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي. لكن، على العكس من ذلك، يبدو أن زخم الإساءة للآخرين تُمَجِّدُه الأنشطة الإجرامية وحروب الإبادة التي ارتكبها القادة القتلة أثناء التزامهم بسياساتهم الاستعمارية التوسعية. يتجدد هذا من خلال إدامة التمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب الذي يروج له المتعصبون القوميون الروس الحاليون. إنهم موجودون ويقلدون نظرائهم الذين سبقوهم خلال العصر الإمبراطوري خلال العهد السوفيتي. إنهم يهدفون إلى الاستيلاء على حقوق الشعوب والأمم المظلومة ومصادرتها إلى ما لا نهاية.

إن أكبر دليل على أن هذه الحقائق يمكن أن تُثْبِت أن الرموز التي ترمز للإمبراطورية وقوتها وعظمتها بقيت حتى يومنا هذا من خلال تماثيل ورموز الإمبراطورية الروسية. بعض الآثار التي أقيمت في القوقاز، وخاصة الجزء الشركسي من شمال-غرب القوقاز، تهدف إلى إحياء ذكرى الغزو الروسي القيصري وعواقبه التي شملت الدمار والاحتلال والإبادة والترحيل. الملحق رقم 1 من ”الشراكسة يجاهرون ضد السياسات الاستعمارية لروسيا!“ تم نشره من قبل: ”المكتب الإعلامي الشركسي“، وقد أدرج أسماء الروس الذين تم إنشاء نصب تذكارية بأسمائهم: [12]

الإمبراطور ألكسندر الثاني المكان: سوتشي.

الجنرال لازاريف المكان: سوتشي.

الجنرال فون زاس المكان: أرمافير.

أرخيب أوسيبوف المكان: غلينسيك.

ميخائيل رومانوف المكان: مايكوب.

الكسندر سوفوروف المكان: مايكوب.

المارشال الكسندر سوفوروف المكان: ستافروبول.

الجنرال أليكسي يرمولوف المكان: ستافروبول.

الجنرال يرمولوف نصب المكان: بياتيغورسك.

الجنرال يرمولوف المكان بياتيغورسك (2).

الجنرال يرمولوف المكان: منرالني فودي.

الجنرال يرمولوف المكان: (منرالني فودي)

الجنرال يرمولوف المكان: سوتشي.

كاثرينا الثانية كراسنودار.

كاثرينا الثانية المكان: سوتشي.

المارشال الكسندر سوفوروف المكان: كراسنودار.

غريغوري راشبيل المكان: كراسنودار.

نيكولاي إيفانوفيتش إفدوكيموف (بوتينيال) كراسنودار.

تم نصب نسخة طبق الأصل مصغرة من نصب كاثرينا الثانية في كراسنودار في وسط سوتشي في عام 2011.

هناك تحريضًا غير مبرر لبعض شرائح المجتمع الروسي التي تعمل ليل نهار على الانتقاص من حقوق الإنسان إلى درجة الإساءة إلى الشعوب والأمم التي تسيطر عليها السلطات الروسية الحالية، كنتيجة لتداعيات خطط التوسع الروسية والسياسات الاستعمارية.

”باختصار، ما تفعله السلطات المفترضة بشأن محو تاريخ المحتل له تأثير في تعزيز أهمية تحدي هذه الرواية والإصرار على روايتهم، بحسب ما تشير تلوستانوفا (Tlostanova). وتعتمد الباحثة الشركسية على فكرة {عدم القدرة الاستعمارية على الكلام}، وهو مفهوم طورته آن لورا ستولر (Ann Laura Stoler) من كلية نيويورك الجديدة للبحوث الاجتماعية لشرح كيفية استمرار الحرمان من الذاكرة التاريخية من قبل الغزاة مع نصب تماثيل جديدة وحرمان الأشخاص الخاضعين عمدًا من تاريخهم وحتى قدرتهم على التحدث عنه“. [13]

مع الأسف، عندما تسفك المؤسسة الرسمية دماء الأبرياء، فإنها ستثير استعداء المشاعر والعواطف القومية من خلال تغيير أسماء المواقع. إن ألعابهم المعروفة غير المحسوبة تخلق أرضية لاتجاه صراع الحضارات الذي أنتج بالفعل الصدمة والصدع. كل ذلك بسبب التناقض وعدم وضوح الرؤية وغياب الهدف المشترك الذي يميز السياسة المعيبة للدولة التي قررت الاستمرار في سياسات الاستحواذ الاستعماري.

وقالت مدينا تلوستانوفا، الأستاذة في جامعة لينشوبينغ (Linköping)، في السويد، في مقابلة في 23 يوليو/تموز 2020: ”تستخدم الدول والأنظمة السياسية النُّصُب التذكارية كرموز صامتة لكنها فعّالة لهيمنتها وفرض وتطبيع نموذجها التاريخي“. كما انها قالت: ”إن خطاب أولئك الذين يطالبون بالحفاظ على نصب تذكاري لمجرمي الحرب والمستعمرين، وحتى بناء أخرى جديدة، يقوم على التبسيط والتشويه الجسيمين، على الجهل المسموح به“. [14]

وقد أدى ذلك إلى رد فعل شعبي حاسم لا يمكن الاستهانة به من أحفاد الضحايا الذين تمت إبادتهم وطردهم أثناء الدفاع عن وطنهم التاريخي شركيسيا. في الواقع، هناك الآن المزيد من المطالب لإزالة هذه النصب التذكارية الاستعمارية التي تمثل قادة المجرمين الطموحين والجنرالات والمستعمرين. لقد كانوا يقيمون هذه الرموز منذ غزو واحتلال الوطن الشركسي وللآن، وفقًا لمفهوم التاريخ الزائف، وتزوير وتلفيق أحداث الغزو والاحتلال والإبادة والتطهير العرقي والترحيل القسري.

وقال مجيد شاشوخ (Majid Chachukh)، رئيس منظمة أديغه خاسه (Adygey Khase) في كراسنودار، أنه في عام 1989، تآلفت 24 منظمة إقليمية رئيسية للشركس الشابسوغ في منطقة البحر الأسود، لتأسيس هذا الكيان: ”أولاً، أريد أن أدلي بالبيان التالي: لسنا مخربين لهدم المعالم الأثرية! النقطة المهمة هي أن النصب التذكاري في موقع بقايا قلعة أدلر، كان قد تأسس في عام 1837، وقد تم نصْبُه دون الموافقات والتصاريح اللازمة. وعلاوة على ذلك، فقد تم تقديم معلومات حول هذا الحدث بشكل غير صحيح تمامًا، مما تسبب في إحداث غضب مبرر في جميع أنحاء العالم الأديغي (الشركسي). ننطلق من افتراض أن بقايا حصن عمره 200 عام لها قيمة أثرية وتاريخية. وهذا تجب الإشارة إليه. لكن رموز النَّصب ومحتوياته، ينبغي أن تكون ذات معنى يوحّد الجميع. والشيء الأكثر دهشة هو أن هذا ممكن. أنا متأكد من أن جميع الشعوب يجب أن تتّبع هذا المسار. [15]

هكذا، يبدو أن التمسك بالتركيز على عَظَمَة إمبراطورية شريرة وفاسدة هو في حد ذاته غير منطقي وغير إنساني تمامًا. لأن الحروب الاستعمارية ضد العشرات من الشعوب والأمم غير الروسية وغير السلافية عرّضها للقتل والإبادة. والأمم التي تم إخضاعها في كُلٍ أوروبا وآسيا تم إستعمارها إما بشكل مؤقت أو بشكل دائم. وبالتالي، فإن الضّم القهري والقسري إلى هذه الإمبراطورية المارقة لم يكن مصادفة؛ بل كان بالأحرى نتيجة للتخطيط والتنفيذ الإستحواذي بشكل منهجي.

لقد تم إرسال نداء في يوليو/تمور من عام 2020، وَقَّعَهُ 55 ممثلًا شركسيًا في روسيا الفيدراليّة، إلى الرئيس الروسي وإلى السلطات المحلية في منطقة القوقاز، انتقد فيه ظاهرة تشييد النصب التذكارية، وتم التّركيز على:

”النصب التذكاري للجنود الروس الذين قتلوا في معركة مع الجبليين {الأعداء}، الذي تم كشف النقاب عنه في منطقة أدلر في سوتشي، أثار السخط والاحتجاج من أحفادهم والعديد من الأشخاص المهتمين الذين تعيش فيهم ذكرى ضحايا الحرب الروسية-القفقاسية العدوانية. كما لوحظ في الأخبار المخصصة لهذا الحدث، فإن {مبادرة إنشاء رمز تذكاري تعود إلى نواب مجلس مدينة سوتشي، وكهنة كنيسة الثالوث المقدس، وأعضاء الجمعية العسكرية التاريخية وموظفي متحف تاريخ منطقة أدلر}“. [16]

يعتبر رد السلطات المحلية في أدلر في يوليو/تموز من عام 2020، بالقرب من سوتشي، لتفكيك النصب الذي أقيم مؤخرًا، بناءً على طلب الرأي العام، فريدًا من نوعه. أرسل الشركس خطابًا مفتوحًا إلى السلطات الروسية يقولون فيه إن ”تفكيك النصب التذكاري الذي أقيم مؤخرًا في أدلر بناءً على طلب الجمهور أصبح مؤشرًا على وجود مشرفين مسؤولين في الحكومة الروسية على استعداد للتخلي عن السياسة الإمبريالية المناهضة للوئام بين الأعراق وسياسة {فرق تسد} وحتى سياسة {تصادم الشعوب ضد بعضها البعض}“. [17]

Natpress
Natpress

ومع ذلك،”إذا كان الشركس يستمتعون بالنصر، فإن القوميين الروس غاضبون مما يرون أنه هزيمة لا ينبغي للقوى المفترضة والشعب الروسي ككل أن تتسامح معه بل يسعون على الفور على عكس مساره ( newizv.ru/news/society/11-07-2020/vsochisneslipamyatnikgeroyamkavkazskoyvoynynatsionalistynedovolny و kavkazuzel.eu/articles/351750/)“.

في يوليو/تموز من عام 2020، بوق آخر ناطق باسم هيكل السلطة، الذي حصل على عقود مربحة لتصميم الشعارات والإعلانات. كما أنه مدون بارز تبنّى الأيديولوجية الفاشية في روسيا القرن الحادي والعشرين. ومن الواضح أنه نشأ وترعرع ضمن شريحة شوفينية من الروس على مفاهيم من الراديكالية والتمييز العنصري. يبدو أنه من بين جحافل من يُسمون بالوطنيين الذين يتمسكون بفلسفة إمبريالية وعنصرية مخزية. وقد تدخل بطريقة غير لائقة أو حتى بذيئة، للتعبير عن رأيه عبر الفيديو، رافضًا تفكيك أحد النصب التذكارية لإحياء ذكرى المجرمين والغزوات الوحشية. كل هذا الانحطاط الخلقي العدواني موجه لأفراد أمة لم يكن ذنبها سوى تنافرها مع سياسات إمبراطورية فاشية إستعمارية كان لها أطماع توسُّعِيَّة على حساب جيرانها. [18]

https://politicians.in-the.news/russia/putin-awarded-artemy-lebedev-with-the-medal-of-the-order-of-merit-to-the-fatherland-134553-29-08-2020/
https://politicians.in-the.news/russia/putin-awarded-artemy-lebedev-with-the-medal-of-the-order-of-merit-to-the-fatherland-134553-29-08-2020/

وعلى ما يبدو، وللحفاظ على وِئام مع العنصرية والتفوق الذي تشعر به الزمرة المتغطرسة التي تروج لمشاعر ضد غير الروس، ”منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المصمم والمدون الروسي أرتيمي ليبيديف (Artemy Lebedev) وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الثانية“. [19]

من الواضح أن عدم وجود عقوبة رادعة من قبل سلطات إنفاذ القانون وعدم وجود رد فعل مناسب بحق العنصري، أرتيمي ليبيديف، شجعه ذلك على تكرار شتائمه ضد الشركس وتاريخهم. [20] وبالتالي، قام رجل شركسي بطعن نفسه بسكين في نالتشيك، عاصمة جمهورية قباردينو-بلكاريا (KBR)، احتجاجًا على التّصَرُّف العنصري والملاحظات التي أبداها أرتيمي ليبيديف ضد الشركس وتاريخهم. كما أنه ”طلب المغفرة من المُهَجَّرين، قائلاً إن عمله كان أقل ما يمكن للشركس أن يفعلوه“. [21]

https://ok.ru/profile/531723269027/statuses/151949534548899
https://ok.ru/profile/531723269027/statuses/151949534548899

“الأقسى حتى الآن تبناه ميخائيل ليونتييف، المعلق التلفزيوني الروسي وهو أيضًا نائب رئيس شركة نفط روسنفت (Rosneft). في تهجم لاذع شنَّهُ عبر التلفزيون الرسمي الَّذي سيرى الكثيرون أنه يعكس ما يريد الكرملين أن يُصدِّقَهُ الروس، انتقد المعلق القرار وهدد من خلاله الأمة الشركسية (justicefornorthcaucasus.info/?p=1251682340)“.

نائب رئيس شركة روسنفت للنفط المتهم بالفساد، والذي يشغل أيضًا دورًا إعلاميًا، كونه أحد ببغاوات الدعاية الممنهجة، فرض دوْرُه في التضليل الإعلامي:

”نعتقد أننا محميون من كل تلك القماءة السوداء والبيضاء، وهذه النُّصُب التِّذْكارية الأمريكية“. وقال  ليونتييف ”لكن هنا في وطننا في شمال القوقاز، في منطقة سوتشي، فإن النصب التذكاري، هو نصب تذكاري حديث، وقد تم تشييده مؤخرًا لأبطال حرب القوقاز. لا أعرف ما إذا كانت هذه الفكرة حكيمة في البداية، لأن حرب القوقاز كانت بعد كل شيء حربًا داخلية، وقد كانت حربنا الأهلية، إذا جاز القول، لأنه كان هناك أناس قاتلوا ضدنا، ولم يكن هناك أناس من المريخ، ولا إنجليز ولا ألمان نازيون؛ حسنًا، حاول بعض الرفاق الأجانب مد مخالبهم هناك ولكن عبر وكلاء“. [22]

”في أعقاب نجاح الشركس في الحصول على إزالة نصب تذكاري للقوات القيصرية في سوتشي، حشد التتار السيبيريون في توبولسك (Tobolsk) لمنع إقامة نصب تذكاري لجنرال قيصري محتل آخر“. [23]

يوصف الموقف النموذجي للسلطات الروسية بأنه مُعيب ومتهور وبليد ومشوب بالإزدراء المتعمد للشعوب التي تخضع لسلطاتها والجهات الفاعلة المحلية التابعة لها. كما لو كانوا يريدون من الناس أن يقبلوا العبودية الطوعية في بلد لم يتبنى سوى الترهيب والتنمر في سياساته الرسمية، بغض النظر عن وصف الفيدرالية الذي لا معنى له في نهاية المطاف. وأظهرت الأيام ومضي الزمن أن القرارات التي تتخذها أذرع السلطات تفتقر إلى الاحترام وتتسم بالفشل في الوفاء بحقوق الشعوب والأمم المضطهدة. بالإضافة إلى ذلك، لا تدخر المنظمات والجماعات المرتبطة بالسياسة الإقصائية الرسمية أي جهد للإساءة إلى المواطنين بشتى الطرق والوسائل.

”في الغرب، يُطلق اسم الشركس على أمة مشتتة على نطاق واسع من سكان الشتات إلى حد كبير والذين نجدهم اليوم ليس فقط في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (سوريا والأردن وتركيا وإسرائيل ومصر، إلخ)، إنّما أيضًا في البلقان وأوروبا الغربية وكندا والولايات المتحدة وأستراليا.

الغالبية العظمى من الشركس يعيشون في خارج الوطن، بينما في روسيا لا يوجد سوى الجزء الأقل بكثير من الناس الذين ظل أسلافهم في القوقاز المقهور. يرتبط الشتات الشركسي في العالم من خلال اللغة، والقرابة، والتزاوج المتبادل، من خلال المنظمات الاجتماعية والثقافية والسياسية العابرة للحدود، ولكن الأهم من ذلك، من خلال عموم المجتمع والوطن الشركسي المفترض“. [24]

هناك العديد من الدلائل على أن هذه السلوكيات المتهورة يتم تنفيذها من قبل ائتلاف السلطات والكنيسة الأرثوذكسية والجماعات المتطرفة الداعية إلى تهميش الآخرين، الذين هم جميعًا شركاء في الفيدرالية، وليس الشركس فقط. ”وفي أعقاب نجاح الشركس في الحصول على إزالة نصب تذكاري في سوتشي للقوات القيصرية، حشد التتار السيبيريون إلى توبولسك لمنع تشييد نصب تذكاري لأحد الفاتحين القياصرة. في أوائل شهر يونيو/حزيران، أعلنت مؤسسة إعادة بعث توبولسك (Rebirth of Tobolsk) أنها جمعت ما يكفي من المال لإقامة تمثال لأتامان يرماك (AtamanYermak)، زعيم القوزاق الذي غزا جزءا واسعًا  من سيبيريا والشرق الأقصى الروسي للقياصرة، وأن النصب حظي بدعم كل من الكنيسة و الدولة [25]                                   (tumentoday.ru/2020/06/08/vtobolskeustanovyatpamyatnyjkrestermaku/).”

كل ما ذكر أعلاه حدث في نفس الوقت مع انقلابات دموية وانتفاضات ومقاومة واغتيالات وعبودية وجوع وتفشي الأمراض والإقطاع في المجتمع الروسي. في النهاية غيّرت الثورة الروسية في عام 1917 النظام بأكمله. ومع ذلك، فإن التمجيد والإشادة بإمبراطورية شريرة لا يزال مشهودًا ومُستمِرًا في القرن الحادي والعشرين من قبل الشوفينيين الروس، الذين لديهم أحلام اليقظة بإحياء ذكرى وابتهاج بانتصاراتهم الماضية على جماجم الشعوب والأمم المضطهدة.

الدور الإيجابي للمفكرين الشركس

هناك أناس صريحين وصادقين بشكل لا لبس فيه، ممن لديهم رؤية وبصيرة مستنيرة، ينتقدون ويستنكرون تحركات وأفعال بعض وكلاء السلطات وأجهزتها. إنهم يتعاونون مع الحلفاء الراديكاليين في منطقة القوقاز فيما يتعلق بالميل إلى استعداء المشاعر من خلال بناء النصب التذكارية والمعالم الأثرية والأحجار التذكارية لأنشطة عنيدة واضحة للترويج لصدام الحضارات بين الدُّخلاء المتنمرين والسكان الأصليين.

تمكن الشركس اليقظون من دحض مزاعم أولئك الذين يُزوِّرون السِّجلات والأحداث، ويعملون بجد لنشر معلومات مضللة، بينما هم يخشون الوثائق أو التوثيق من خلال السعي للهروب من التاريخ.

وبنفس المفهوم، تم لفت الانتباه مؤخرًا إلى مشاركة بعض السيدات الشركسيات في التعبير عن رأيهن المهني فيما يحدث في المشهد الشركسي في وطنهن. وبشكل استثنائي، فإنهن يملن إلى ذكر الانتهاكات ومحاولات تزوير التاريخ التي تحدث على قدم وساق من قبل بعض الجهات الحكومية التي تبذل قصارى جهدها لتكريس سياسات استحواذية تهدف في نهاية المطاف إلى تقزيم الشعوب والأمم الأصلية. إنهم يحاولون طمس الحقائق المتعلقة بمسار الأحداث واحتلال شمال غرب القفقاس والأعمال الوحشية التي تلت ذلك من أجل الإضرار بالأمة الشركسية بأكملها.

علاوة على ذلك، فإن توجههم الدائم هو تمجيد دور قادة الغزاة والمحتلين الذين قتلوا وأبادوا وقاموا بترحيل مئات الآلاف من الناس وأضرموا النار في آلاف المزارع ومخازن الحبوب وحظائر الماشية والخيول والقرى وسكان المستوطنات وذلك من أجل إخضاع وطنهم بأي ثمن. ”وخلال كل عملية عسكرية، قاموا بنهب وسلب ممتلكات الشركس، بما في ذلك مخازن الحبوب والأغذية. إن توزيع الغنائم على أولئك الذين شاركوا ودعموا الأعمال الإجرامية والشريرة أثبت وجود خطة تَتَّبِعها الدولة الروسية العنصرية ضد الناس في القوقاز“. [26]

بشكل عام، يلاحظ أن هناك نهضة وطنية غير مسبوقة يشارك فيها كثير من المثقفين. ومع ذلك، فعلى الجانب الآخر، هناك جهود غير عادية من قبل السلطات لتجنيد بعض الأفراد للعمل وفقًا للسياسات الروسية التي تمليها عليهم. لذلك، فإن الفوائد المكتسبة من الجهود والأنشطة الشركسية لم تكن أبدًا بهذا المستوى من الوعي والتأثير الذي أدى إلى إلقاء الضوء على القضايا الأساسية للقضيّة الشّركسية، سواء في الوطن أو في الشَّتات.

”ومن بين الشركس، هناك مدينا خاكواشيفا (Madina Khakuasheva)، الباحثة والخبيرة في الشؤون العامّة في جمهورية قباردينو – بلكاريا (KBR) (windowoneurasia2.blogspot.com/2020/07/newmonumentstotsaristgeneralsshow.html) ومدينا تلوستانوفا (Madina Tlostanova) التي تُدرِّس في السويد (windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/statuesofrussianconquerorsinnorth.html) أصبحوا من القادة الفكريين للحركة. والآن، تكتسب امرأة شركسية ثالثة مكانة بارزة، وهي ليودميلا كوشيسوكوفا (Lyudmila Kochesokova)، المحامية الشركسية وأحدى قريبات مارتن كوشيسوكوف المتورِّط الذي من المقرر أن يحاكم في 11 أغسطس/آب بتهم ملفقة تتعلق بحيازة المخدرات والتطرف. (وبخصوص وضعه الحالي، انظر إلى kavkazuzel.eu/articles/352532/)“. [27]

حتى عندما تمكنت بعض شعوب القوقاز من استعادة حريتها مؤقتًا من استعمار الإمبراطورية الروسية، صعَدت سلطات روسية متعاقبة أخرى إلى قمة التسلسل الهرمي للقيادة بطموحات استعمارية مماثلة. لقد أهّلوا أنفسهم لإستعادة فرض سيطرتهم على الشعوب والأمم المضطهدة بالحديد والنار. واحدة من أفظع التجارب التي تعامل معها الشركس في قباردا، عندما تعاملوا مع النظام السوفيتي. فقد حدث ذلك بعد أن تمكن الاتحاد السوفياتي من بسط نفوذه وسيطرته على جميع المناطق والأراضي الروسية وغير الروسية المتاحة.

”تقول خاكواشيفا أن حياة زميلتها الراحلة، تلك التي قضت وقتًا في معسكرات ستالين، وعمليات قمع سياسية مختلفة، وإنجاز علمي“ يمكن أن تكون بمثابة مثال لتعليم جيل الشباب ”وأن ملاحظات نادوييفا (Nadoyeva) حول تدمير روسيا للشركس تظل الثقافة أساسية لفهم تاريخ تلك الأمة“. تم وصف نظام ستالين في النهاية بأنه يتصف ”بقسوة غير مسبوقة“ ويبرر بشكل كامل استنتاج نادوييفا بأن ستالين لم يفعل شيئًا آخر غير ما أوقعه على الشركس، ويجب أن يُدان الديكتاتور السوفيتي لارتكابه جرائم ضد الإنسانية“. [28]

AdygPlus - Circassian blog
AdygPlus – Circassian blog

لقد تناول بعض الشركس في الشتات قضية المأساة الشركسية. فقد قال جيم أوزدمير (Cem Ozdemir)، نائب رئيس حزب الخضر في ألمانيا ”إن الشركس، أسلافه، عانوا من سياسة الاستعمار الروسية“. وأضاف: ”إن هذا وفقًا له لا يمكن السكوت عنه“. [29]

حماية حقوق الإنسان في نهاية الأمر من الإنتهاكات

في نهاية المطاف، من الضروري والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بحقيقة أن الشعوب لديها تشابه واضح في الطبيعة البشرية ورد الفعل على الأزمات. لا مفر من التشابه مع الظروف والسياقات ومعاني السلوك البشري. وهذا يؤكد أن الحياد في مثل هذه الحالات والظروف غير مقبول عندما تؤخذ كرامة الإنسان وسلوكه في عين  الاعتبار. تظهر الحقائق أن الناس لن يقبلوا الإهانة و/أو الإذلال من أي نوع. يميل الناس إلى تأجيل اتخاذ القرار الصحيح إلى الزمان والمكان المناسبين.

”قيمتين من القيم الأساسية التي تكمن في جوهر فكرة حقوق الإنسان هما كرامة الإنسان والمساواة. ويمكن فهم حقوق الإنسان على أنها تحديد المعايير الأساسية الضرورية لحياة كريمة؛ وعالميتها مستمدة من حقيقة أن جميع البشر متساوون في هذا الصدد على الأقل. لا ينبغي ولا يمكننا التمييز بينهما“. [30]

من الواضح، عندما أطلق الأمريكيون السود في الولايات المتحدة مؤخرًا، حملة عفوية للمطالبة بإلغاء قوانين الجنرالات الكونفدراليين، فقد أثار ذلك مطالب مماثلة في الفيدرالية الروسية، ولا سيما في الجزء الشركسي من شمال القوقاز للتحدث عن إزالة النصب التذكارية التي تم نصبها لإحياء ذكرى الجنرالات الروس الذين غزوا القوقاز وارتكبوا جرائم بشعة. حيث حقق الأمريكيون السود بعض النجاح، وقد ألهم ذلك مجموعات أخرى لملاحقة آثار الغزاة الآخرين، بما في ذلك الغزاة الروس في ألاسكا (windowoneurasia2.blogspot.com/2020/06/moscowoutragedbycallstoremove.html)“. [31]

توحيد الجهود يقابلها الجحود والإنكار

في مفهوم مصيري، خلص الشركس إلى أنه يجب عليهم اتباع طريقة مناسبة للخلاص الوطني، لتجاوز جميع العقبات والحواجز التي وضعت في طريقهم من قبل الأنظمة الروسية المتعاقبة. ويبدو أن المهتمين بهذا الموضوع خلصوا إلى وجوب التوحد في وطنهم تحت اسم واحد واستخدام لغة موحدة. وفي وقت لاحق، من الممكن الارتباط والتواصل مع الشتات الشركسي لنفس الأهداف.

Caucasian Knot
Caucasian Knot

”أصدر رئيس الكونغرس القباردي في جمهورية قباردينو-بلكاريا هذا التصريح الذي يبين فيه أن الشركس في كل من موطنهم في شمال القوقاز وفي الشتات يحثون الأديغه والشركس والقباردي والشابسوغ وغيرهم من القوميات، التي عمد السوفييت على تقسيم الأمة الشركسية بها وهي أسماء مختلفة لإعادة تأكيد هويتهم المشتركة في التعداد القادم [32](kavkazuzel.eu/articles/352462/)”.

لم يتردد الشراكسة في وطنهم في متابعة قضية التوحيد في أي مجال أو طريقة يمكن اتباعها من أجل التقريب بين أجزاء أمتهم المتشرذمة. ويعلق الشركس آمالًا كبيرة على الإحصاء السكاني القادم الذي سيعقد في جميع أنحاء الفيدرالية الروسية، والذي سيكون المرحلة التالية نحو المستقبل.

قال ممثلو المنظمات الشركسية في قباردينو-بلكاريا بيسلان خاغاجي (Beslan Khagazhey) وأصلان بيشتوف (Aslan Beshtoev): ”يجب على الشركس الذين يعيشون في روسيا التسجيل كشعب واحد في الإحصاء السكاني القادم، لأن لديهم لغة مشتركة وثقافة واحدة. الشركس منقسمون إقليمياً، وعدم وجود اسم واحد لا يسمح لهم بأن يُنظر إليهم على أنهم شعب واحد، كما تقول عالمة اللغة مدينا خاكواشيفا“. [33]     

يضع مختلف المنظمات والمجموعات والأفراد ثقتهم في العمل لنشر الوعي وإبلاغ المواطنين بمستقبل واعد إذا اختاروا الخيارات التي تناسب أمتهم. ”{في نداءه بعنوان} شعب واحد اسم واحد ”يخاطب علي أصلانوف (Ali Aslanov) الشركس الذين يعيشون في الفيدرالية الروسية. ويبلغهم أنه بموجب قرار الحكومة فإنّهُ من الأول من أبريل/نيسان إلى 30 أبريل/نيسان 2021، سيجري تعداد سكان عموم روسيا … من بين جميع الأسئلة بالنسبة للشركس، ستكون هناك ثلاثة أسئلة ذات أهمية سياسية كبيرة: ما هي اللغات التي تتحدثها؛ ما هي لغتك الأم؛ وما هي قوميتك،“ [34]

من ناحية أخرى، فإن الجمعية الشركسية العالمية (ICA) لم تجعل نفسها طواعية فقط أداة لمواصلة تنفيذ السياسات الإقصائية الروسية، في ضوء الفساد المستشري في جميع مناحي الحياة؛ لكنها كانت سلاحًا ضد المصالح الخاصة لأعضائها الشركس من أماكن مختلفة حول العالم، سواء في الوطن الشركسي أو في الشتات. لقد حاصرت الجمعية الشركسية العالمية نفسها بسبب دور رئيسها المضلل وغير المحسوب في متابعة المشاريع الروسية التي تهدف إلى تهميش دور القوميات غير الروسية. ومضى في طريق الحث على تغيير بعض مواد الدستور الروسي التي كانت مسيئة للقوميات المستضعفة. إن هذا النهج يؤدي في النهاية إلى التقليل من شأن لغتهم وثقافتهم المميزة.

التنازل عن الأوطان والحقوق غيابيا

ليس سراً ولا خيالاً أن نقول إن الإمبراطورية الروسية لم تكن لترتكب غزوها واحتلالها وارتكاب جرائمها، والتي يمكن وصفها بأنها حماقة لا تُغتفر لولا الهشاشة العثمانية، التي بدأت منذ أن لحق بالإمبراطورية العثمانية الضعف والهزال، في غياب أولئك الذين تم توريطهم من كلا الجانبين الطامعين.

Europe before the Russo-Turkish War of 1768–1774 / https://www.wikiwand.com/en/Russo-Turkish_War_(1768%E2%80%931774)
Europe before the Russo-Turkish War of 1768–1774 / https://www.wikiwand.com/en/Russo-Turkish_War_(1768%E2%80%931774)

وضع العثمانيون إمبراطوريتهم في وضع فرضت فيه الدولة الروسية ما تريد أن يفعله العثمانيون، الذين وافقوا على توقيع كلٍ من معاهدة كوجوك كاينارجي (Kucuk Kinnarjah) {يوليو/تموز 1774} (https://opil.ouplaw.com/page/kainardjitreaty) ومعاهدة أدريانوپل – أدرنة (Edirne) {سبتمبر/أيلول 1829} (https://www.prlib.ru/en/history/619539).

في وضع هش، فرضت الدولة الروسية، وبدافع الغطرسة الاستعمارية، على العثمانيين ما يجب عليهم فعله. ومن ثم، فإن التوقيع على معاهدة كوجوك كنارجي غير المتكافئة في يوليو/تموز من عام 1774، يظهر الضعف الشديد للإمبراطورية العثمانية. ”المادة 11 من معاهدة كوجوك كنارجي سمحت الآن بحق السفن التجارية لكلا الطرفين في الإبحار بحرية في البحار التي تشاطئ شواطئ كلتا الإمبراطوريتين، ومنحت مثل هذه الامتيازات والمزايا للرعايا الروس ما كانت تتمتع بها الدول الأكثر تفضيلاً في الإمبراطورية العثمانية. بينما يشير البند صراحةً إلى السفن {التجارية}، فإن معاملة {الدولة الأكثر رعاية} مَنحت البحرية الروسية الحق في الإبحار بحرية في البحر الأسود حتى مضيق البوسفور، وفي البحر الأبيض المتوسط ​​حتى مضيق الدردنيل“. [35]

أثبتت معاهدة أدريانوبل (TREATY OF ADRIANOPLE) المبرمة في سبتمبر/أيلول من عام 1829 بما لا يدع مجالاً للشك أن الإمبراطورية العثمانية لم تتردد في التنازل عن حقوقها السيادية وحقوق الشعوب الأخرى للقوى النشطة الرئيسية في ذلك الوقت، ولا سيما الإمبراطورية الروسية. تم ذكر النقاط التالية بالإضافة إلى النقاط الحاسمة الأخرى: ”أصبحت معاهدة أدريانوبل انتصارًا كبيرًا للدبلوماسية الروسية. هيأت الظروف المواتية لتجارة البحر الأسود واستكملت ضم مناطق القوقاز الرئيسية إلى روسيا“. [36]

واتسم الوضع بالمفاوضات وتوقيع المعاهدات بين منتصر ومهزوم في ظل غياب الاطراف التي تم توريطها من قبل الطرفين المتفاوضين الطامحين إلى أوطان الآخرين. أدى ذلك بالضرورة إلى التأثير على سيادة الدولة العثمانية على أراضيها بشكل عام والأراضي التركية بشكل خاص. وجلبت الحروب والكوارث إلى شعوب القوقاز عامة والشركس بشكل خاص.

إن وقائع ونتائج أهم وأخطر المعاهدات بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية تثبت وتبين الحوار والمفاوضات السرية والعلنية التي اتّسمت بأنها ذهاب وإياب بين الجانبين الطامعين الروسي والعثماني مع الأخذ في عين الاعتبار أن تشدق العثمانيين بالتخلي عن الساحل الشركسي على البحر الأسود ليس له أساس قانوني، لأنه لم يكن أبدًا جزءًا من تركيا أو الإمبراطورية العثمانية.

”1. الطرف المقابل يتعاقب بين المصالحة والاستفزاز. عادة ما يكون الناس أكثر استفزازًا، أو يصعب التعامل معهم في بداية المفاوضات. ثم يصبحون أكثر توافقية مع تطور الخطوط العريضة للتسوية. احذر من الشخص التصالحي في البداية، ثم يصبح استفزازيًا وبعد ذلك عندما تكون على وشك المغادرة يصبح استرضائيًا مرة أخرى، ثم استفزازيًا مرة أخرى. يشير هذا السلوك إلى أنه لن يكون راضيًا عن المفاوضات ولن ينتهي أبدًا. ما يريده ليس تسوية تفاوضية، بل سيطرة على العملية وعليك. الوقت والطاقة اللازمين للاستمرار سوف يفوقان في النهاية أي مكاسب محتملة يمكن أن تحققها من خلال التفاوض“. [37]

عواقب الظلال والمسارات المذكورة أعلاه تركت نتائج سلبية للمشهد المأساوي. حدث كل هذا وسط صمت دولي، ومواقف غير مبالية، ولكي نكون منصفين، ظلت بعض الاحتجاجات الخجولة محدودة في مجملها من هنا وهناك. وقد روى المُهَجَّرون ما حدث لأمتهم وبلدهم على يد القوات الغازية التي لم تتردد في إبادة هذه الأمة وبالتالي السّيطرة على شركيسيا وخاصة ساحلها على البحر الأسود.

مع العلم أن الدولة الروسية بذلت قصارى جهدها لخدمة الأهداف الاستعمارية ودفعت أصحاب الأرض، السكان الشركس، لمصيرهم المأساوي المتمثل في القتل والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والترحيل الجماعي القسري. تم إبعاد ضحايا الغزو الروسي الاستعماري عن أماكن وجودهم التاريخية، موطنهم الأصلي إما إلى الأجزاء الداخلية من المناطق الواقعة وراء نهر كوبان في شمال غرب القوقاز أو إلى الإمبراطورية العثمانية، التي رحَّبت من جانبها بالمُبْعَدين.

حتّى أن العثمانيين في مناسبات معينة أرسلوا سفنهم للمساعدة في تشريدهم. وبوضوح نفذوا ذلك بالتنسيق والتعاون مع الخطط والسياسات الروسية المحددة مسبقًا.

كان الأمر متروكًا للسلطات العثمانية، أين يتم إرسال الناس الذين تم وصفهم من قبل مصادر مختلفة بلاجئين. وقد عكس هذا طابعًا إنتهازيًا بتجنيد أولئك القادرين في صفوف القوات العسكرية في الحروب والاضطرابات الداخلية في الدولة العثمانية. وعلاوة على ذلك، تم نقل الشركس وتوطينهم في أماكن نائية أو كان يصعب السيطرة عليها. كان عليهم المشاركة في حروب الإمبراطورية العثمانية، وإرسالهم إلى المناطق الداخلية من الأناضول، وإلى المناطق النائية التي أرادت السلطات العثمانية ممارسة سيطرة فعالة عليها، مثل بلاد الشام لحراسة وتأمين طرق الحج البرية إلى مكّة المكرّمة.

وللأسف، اتُّهِم الشركس من قبل مصادر غير حصيفة بممارسة استخدام غير مبرر للقوة، من خلال ارتكاب أعمال وحشية، دون الالتفات إلى حقيقة أن الوثائق الرسمية تظهر وتثبت أنه تم تجنيدهم في الميليشيات والقوات العسكرية التركية العثمانية الرسمية، والتي صدرت أوامر رسمية وعملياتية بتنفيذها، وذلك للقيام ببعض العمليات القذرة التي يمكن وصفها بالمخزية واللاإنسانية.

استنتاج

حيث أن ”التفاخر هو ما يعتقد الحمقى أنه تحقيق للمجد“ (https://www.hekams.com/?id=29618) [38]، يتم إرسال الرسائل المستمرة ونقلها إلى الضحايا و/أو أحفادهم من خلال توجيهات عشوائية مضللة. يقدم المستعمرون صورتهم على النقيض من واقعهم الشِّرِّير. يحاولون غرس الثقة بالنفس لمواصلة الأساليب القمعية ضد الشعوب والأمم المضطهدة. كل هذا حدث وسط صمت دولي ومواقف غير مبالية.

لقد مارست الإمبراطورية الروسية قدراتها الشريرة لخلق مأساة صادمة لأمة بأكملها. لخدمة أهداف وطموحات الاستعمار الروسي، تعرض أصحاب الأرض، وهم السكان الشركس، لمصيرهم المأساوي. الأمة كلها وصلت إلى حافة الإبادة. ومع ذلك، كان عليهم إما أن يُقتلوا، أو أن يُنقلوا إلى مواقع داخلية لما وراء نهر كوبان في منطقة القوقاز، أو أن يتم ترحيلهم إلى الإمبراطورية العثمانية، التي رحبت بالمُشرّدين.

حتّى سفنهم ساعدت من حين لآخر على النزوح إلى المناطق التي يختارها العثمانيون، سواء للمشاركة في حروب الإمبراطورية العثمانية، أو المناطق الداخلية من الأناضول، أو المناطق النائية التي أرادت السلطات العثمانية ممارسة سيطرة فعالة عليها، مثل أجزاء من بلاد الشام.

كل هذا حدث وسط صمت دولي ومواقف غير مبالية ولكي نكون منصفين بعض الاحتجاجات الخجولة التي ظلت محدودة في مجملها من هنا وهناك. وقد روى المهجرون ما حدث لأمتهم وبلدهم على يد القوات الغازية التي لم تتردد في إبادة هذه الأمة والسيطرة على شركيسيا، وخاصة ساحلها على البحر الأسود.

”طالما استمر الفقر والظلم وعدم المساواة في عالمنا، فلا يمكن لأحدٍ منا أن يشعر بالراحة“. نيلسون مانديلا [39]

=========================

المراجع

[1] (https://www.nationalgeographic.com/history/magazine/2017/09-10/russian-revolution-history-lenin/)

[2] (https://www.militarymilf87.com/post/sometimes-its-not-the-people-who-change-it-s-the-mask-that-falls-off)

[3] (https://www.livemint.com/Opinion/KwuTLfANuuB3PI6tO5J84K/Russian-Revolution-The-promise-of-1917.html)

[4] (https://www.nationalgeographic.com/history/magazine/2017/09-10/russian-revolution-history-lenin/)

[5] (http://fabquote.co/the-mask-that-falls-off-quote/)

[6] (https://glosbe.com/en/en/Mountainous%20Republic%20of%20the%20Northern%20Caucasus)

[7] (https://www.encyclopedia.com/places/commonwealth-independent-states-and-baltic-nations/cis-and-baltic-political-geography/saint-petersburg-russia)

[8] (https://oltatravel.com/blog/petrograd_which_city_is_it/)

[9] (https://circassian-info.org/wp-content/uploads/2020/09/CIO_Press_release_07092020_EN.pdf?fbclid=IwAR3NMn1imICk7aRut82J2AU6J8pnv5qYMORl79tgltQB7RLC4ZDy-KFlQcY)

[10] (http://zapravakbr.com/index.php/analitik/1498-madina-khakuasheva-chto-skryvayut-geroicheskie-pamyatniki?fbclid=IwAR2PgyxNAK6-yUXZAgwwv_VNTnQbiq4ZWqeWoKPnwiszrD8AMZE68iyRPcI)

[11] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/statues-of-russian-conquerors-in-north.html)

[12] (https://circassian-info.org/wp-content/uploads/2020/09/CIO_Press_release_07092020_EN.pdf?fbclid=IwAR3NMn1imICk7aRut82J2AU6J8pnv5qYMORl79tgltQB7RLC4ZDy-KFlQcY)

[13] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/statues-of-russian-conquerors-in-north.html)

[14] (http://zapravakbr.com/index.php/30-uncategorised/1504-madina-tlostanova-ritorika-tekh-kto-trebuet-sokhraneniya-pamyatnikov-voennym-prestupnikam-i-kolonizatoram-a-tem-bolee-stroitel-stva-novykh-osnovana-na-grubom-uproshchenii-i-iskazhenii-na-sanktsionirovannom-nevezhestve?fbclid=IwAR1jVH4KyEnABHNj6WhxJDsJO_wfWgmccGssVCntiHj4ZtUbRxb6mLwOCbc)

[15] (https://caucasustimes.com/ru/madzhid-chachuh-o-shapsugah-i-snose-monumenta-uchastnikam-kavkazskoj-vojny/?fbclid=IwAR0XyazI0IKwAbEhf2iz4oFXwK0ax7BVu_qyNqmyAfzmTNhWYuykBO9eNlM)

[16] (http://zapravakbr.com/index.php/30-uncategorised/1496-trebuem-ot-mestnykh-vlastej-yuga-rossii-nezamedlitel-no-pristupit-k-demontazhu-pamyatnikov-iskazhayushchikh-istoricheskuyu-dejstvitel-nost-i-seyushchikh-mezhnatsional-nuyu-rozn)

[17] (http://www.natpressru.info/index.php?newsid=12076&fbclid=IwAR2cZk7WGEGX7JZdSp_KlvdIT-r-EOy3Gj2O94688-ujiRRw0i55BQy5Qbo)

[18] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251682365)

[19] (https://politicians.in-the.news/russia/putin-awarded-artemy-lebedev-with-the-medal-of-the-order-of-merit-to-the-fatherland-134553-29-08-2020/)

[20] (https://youtu.be/AjJd5re8RkQ)

[21] (http://justicefornorthcaucasus.info/?p=1251682618)

[22] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/07/moscow-tv-host-denounces-removal-of.html)

[23] (http://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/07/circassian-opposition-to-tsarist.html)

[24] (https://www.academia.edu/40973255/How_Caucasians_became_black?email_work_card=thumbnail)

[25] (http://www.natpressru.info/index.php?newsid=12079)

[26] (Page 188, Circassia: Born to be Free, by: Adel Bashqawi)

[27] (http://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/women-assuming-ever-more-prominent-role.html)

[28] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/stalin-shot-higher-percentage-of.html)

[29] (https://adygplus.blogspot.com/2020/08/blog-post_28.html?m=1&fbclid=IwAR32SSSsfNI2O_ATZ6pwBBbGbP45RWHTX8vX6mtyiEVKMIUeaqxDhuwYIDE)

[30] (https://www.coe.int/en/web/compass/what-are-human-rights-)

[31] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/07/north-caucasians-siberians-and-others.html)

[32] (https://windowoneurasia2.blogspot.com/2020/08/moscow-isnt-very-concerned-about-what.html)

[33] (https://www.kavkaz-uzel.eu/articles/352462/?fbclid=IwAR1yKGgRnPKRryFVYOo5rseBgV52f7VzEudfjCxAZvbOpRKk4ASG24qPZwI)

[34] (https://www.kavkaz-uzel.eu/articles/352462/?fbclid=IwAR1yKGgRnPKRryFVYOo5rseBgV52f7VzEudfjCxAZvbOpRKk4ASG24qPZwI)

[35] (https://opil.ouplaw.com/page/kainardji-treaty)

[36] (https://www.prlib.ru/en/history/619539)

[37] (https://hbr.org/2014/06/two-kinds-of-people-you-should-never-negotiate-with)

[38] (https://quotes.yourdictionary.com/author/bruce-lee/619765)

(https://www.hekams.com/?id=29618)

[39] (https://www.un.org/en/events/mandeladay/mandela_prize_2020.shtml)

Share Button

أضف تعليقاً