الجزيرة: الطرد والإبادة

الطرد والابادة

عرض/زياد منى

book

موضوع هذا الكاتب المهم حقا، لم يسبق أن تعامل معه أي مؤلف آخر من قبل، وهو مصير سكان السلطنة العثمانية (دولت عليه عثمانية/ 1299–1923) من المسلمين، أتراكا كانوا أو من “الإثنيات” الوطنية، في مرحلة اندحارها وسقوط أراضيها غربا في أوروبا وشرقا في أواسط آسيا، في مساحة ضمت ما لا يقل عن ستة ملايين كيلومتر مربع.

 

قبل مباشرة عرض الكتاب ومادته، نود الإشارة إلى أنه أثار وقت صدوره مجموعة من ردات الفعل المتشنجة من أطرف تظن أنها تملك الحقيقة المطلقة في ما يخص تاريخ الإقليم.

 

ونعني هنا تحديدا أوساطا أرمينية وأوروبية شرقية ويونانية، والحملة ما زالت مستمرة رغم مرور سنين على نشر نسخته الأصلية.

 

وبدلا من مناقشة محتوى الكتاب ومنهجية البحث، أي التقيد بأصول العمل العلمي الصارمة، تحول معارضوه إلى التهجم الشخصي على المؤلف، ومن ذلك على سبيل المثال الادعاء بأنه متزوج من تركية وأن والدته تركية.

 

ومع أن المؤلِّف نفى ذلك فإنه أجاب بأنه حتى لو كان ذلك صحيحا فالنقد العلمي يجب أن يوجه إلى موضوع الكتاب وما يحويه من معلومات وليس إلى شخصية الكاتب.

 

الأرض المقبلة على الضياعمن المعروف أن حدود الدولة العثمانية في بداية المرحلة التي يتعامل المؤلف معها، أي من بداية عشرينيات القرن التاسع عشر، كانت تصل غربا حتى أراض تقع حاليا في جمهورية رومانيا وجنوبي أوكرانيا.

 

أما حدود السلطنة الشرقية في مرحلة التثبيت التي سنشير إليها لاحقا، فكانت تضم أراضي جعلت من البحر الأسود وما حوله “بحيرة عثمانية” بكل ما للتعريف من أبعاد.

 

هذا -إضافة إلى أمور أخرى- جعل السلطنة العثمانية قوة عالمية كبرى ولاعبا أساسيا في السياسة الأوروبية، ومساهما مهما في ميزان القوى الأوروبي، وقد أهلتها قوتها هذه لتكون الدولة غير الأوروبية الوحيدة التي تحدت قوة الغرب المتصاعدة في عقر داره.

 

لقد مرت الدولة العثمانية بما يمكن تحديده بخمسة مراحل:

 

1- مرحلة النمو (1453-1566م)، أي من احتلال القسطنطينية (إسلامبول ومعناها مليئة بالإسلام) إلى وفاة السلطان سليمان القانوني.

 

2- مرحلة التثبيت، وعادة ما يحددها أهل الاختصاص بالفترة الواقعة بين عامي 1566 و1683، أي عام معركة فيينا التي قادها السلطان محمد الرابع ضد الإمبراطورية النمساوية بسبب تدخلها المستمر في أمور المجر، لكنه خسرها.

 

3- مرحلة الجمود، وامتدت بين عامي 1623 و1827.

 

4- مرحلة الانحطاط، وامتدت بين عامي 1828 و1908.

 

5- وأخيرا مرحلة التفكيك، وامتدت من عام 1908 إلى عام 1922.

 

وقد شهدت المرحلتان الأخيرتان اضطرار الدولة العثمانية لخوض حروب عديدة ضد قوى مجاورة مختلفة هي الفرس والنمساويون والتحالف البولوني-الليتواني والروس، حيث شهد القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حروبا كثيرة إضافة إلى سبعة عصيانات مسلحة كبيرة.

 

هذا كله أدى إلى إنهاك الدولة العثمانية وتقلص مساحة أراضيها بكل ما لذلك من أبعاد، خاصة بالنسبة لسكان الأراضي التي ستضيع لصالح القوى المحيطة وأي مصير كان ينتظرهم.

 

نهاية أرض المسلمين

 

يقول المؤلف جستن مكارثي وهو أستاذ التاريخ في جامعة لوزفيل بالولايات المتحدة، إن اكتشافه مصير مسلمي أراضي السلطنة العثمانية التي سقطت بيدالدول المجاورة، من هجرة قسرية إلى تطهير عرقي فقتل وموت، كان بالصدفة

 

.فتخصص مكارثي هو مجال السكان وليس التاريخ، وكتب مؤلفات عديدة عن العرب في الدولة العثمانية وكذلك عن سكان فلسطين في العهد العثماني ومن ثم في ظل الاحتلال البريطاني.

 

وعندما كان يقوم بإحصاء عدد سكان الأناضول في القرنين التاسع عشر والعشرين، تبين له حجم الكارثة التي لحقت بهم.

 

وبعد مراجعته الأرقام التي بحوزته وتأكده من صحتها وأنها عائدة إلى المصادر الأولية، قرر توسيع مجال بحثه ليضم إليه أقاليم القِرَم والبلقان والقوقاز.

 

ويقول مكارثي إن كتابه ثمرة بحثه الموسع “تواريخ الوفيات والهجرات القسرية للشعوب المسلمة” في الأقاليم آنفة الذكر.

 

وهذا الكتاب إضافة إلى كونه تسجيلا موثقا لأحداث تاريخية، تصحيح لتاريخ مكتوب من وجهة نظر منحازة ضد المسلمين العثمانيين ومصير ما لا يقل عن عشر ملايين ملايين نسمة بينهم خمسة ملايين قتيل وخمسة ملايين مهجر.

 

كما أنه يكتسب أهمية خاصة لأن تصحيح الرؤية التقليدية الأحادية لتاريخ أتراك تلك المناطق ومسلميها أصبح ضروريا.

 

مؤلف الكتاب الذي يحوي ثمانية فصول وملحقا ومجموعة من الجداول والخرائط التوضيحية، يتناول المادة من منظور جغرافي، ويبدأ تقصيه بمدخل منطقي هو فصل “الأرض المقبلة على الضياع” الذي يتحدث فيه باختصار عن مختلف المجموعات السكانية فيها وأماكن سكناها.

 

بعد ذلك ينتقل المؤلف إلى التعامل مع أحداث كل إقليم، بل وفي أحيان كثيرة أحداث كل مدينة على حدة ومصير سكانها المسلمين بالتفصيل كشرقي الأناضول والقوقاز وبلغاريا، (الشرق 1878-1914)، وحروب البلقان والحرب النهائية في الشرق وأخيرا الحرب النهائية في الغرب.

 

ثم ينهي كتابه بفصل “نهاية أرض المسلمين”، وتأثير تلك الأحداث والوقائع في تركيبة الدولة التركية الحديثة وسياساتها.

 

ففي الوقت الذي تأسست فيه الدول القومية في تلك الأقاليم العثمانية السابقة على معاناة سكانها المرحّلين، توحدت أيضا من خلال طرد سكانها المسلمين.

 

أما الاستعمار الروسي القيصري الذي نظر إليه على أنه “حامل المدنية الأوروبية” فقد جلب معه الموت لملايين الشركس والأبخاز واللاز والأتراك.

 

وينقل المؤلف شهادات مباشرة كثيرة غاية في الفظاعة منها على سبيل المثال، أعمال اليونانيين في أبريل/نيسان 1821 حين كان أكثر من 20 ألفا من المسلمين يعيشون مشتتين في اليونان، فقتل القسم الأكبر منهم، قتل الرجال والنساء والأطفال من دون رحمة أو ندم.

 

وكتب المحقق كَلِن عن تصرفات الروس وحلفائهم من الأرمن “لا أستطيع أن أصل إلى أي استنتاج آخر إلا أن الروس ينفذون سياسة ثابتة لإبادة العنصر المسلم”.

 

كما أورد خبرا عن توقيع عدد من المراسلين الصحفيين الأوروبيين بيانا يشير إلى فظائع القوات الروسية والبلغارية يقول فيه إنه “جرى قتل كل السكان المسلمين في العديد من القرى، والعدد الأكبر من الضحايا من النساء والأطفال”.

 

كما ترد في الكتاب شهادات كثيرة أخرى عن حرق السكان المسلمين رجالا ونساء وأطفالا أحياء في بيوتهم أو في ساحات القرى.

 

فصول الكتاب كلها تحوي تفاصيل مريعة لعمليات قتل وتهجير وتطهير عرقي واغتصاب وتنصير وحرق للقرى وأهلها المسلمين، قامت بها قوات روسية وأرمينية وبلغارية ويونانية ورومانية ضد السكان العثمانيين، أتراكا كانوا أم غير ذلك.

 

وقد اعتمد المؤلف في تقصيه على وثائق رسمية تابعة للحكومات البريطانية والفرنسية والأميركية مأخوذة جزئيا من الناجين، إضافة إلى مجموعة من الكتب والتقارير المنشورة التي كتبها مؤلفون أوروبيون في المقام الأول.

 

خاتمة

 

مع كل حملات التشكيك الآنفة التي رافقت الكتاب فإنه يكتسب أهمية خاصة -من وجهة نظر كاتب هذه السطور- تكمن في الحقائق التالية:

 

1- الكتاب هو المرجع الأول في هذا الموضوع، حيث لم نعثر على أي عمل منشور يتناول مصير المسلمين العثمانيين في الأقاليم المذكورة.المؤلف يقول إنه لا يفهم سبب غياب هذه الحقائق المعروفة عن المؤلفات الأكاديمية التي أسهبت في الحديث عن مآسي البلغار واليونانيين والأرمن لأنه -على سبيل المثال- من غير الوارد اليوم الكتابة عن تاريخ نشوء الولايات المتحدة الأميركية من دون الحديث عن الوحشية التي مارسها المستعمرون الأوروبيون بحق السكان الأصليين، ولا يستطيع أحد الحديث عن الاستعمار و”مآثره” في المستعمرات من دون ذكر إبادة الأفارقة أو الصينيين في “حروب الأفيون”.

 

2- اعتماد المؤلف أسلوبا علميا صرفا في كتابه واستعانته بالمراجع الأولية، ما يفسر -ربما- وجود أكثر من 30 جدولا تفصيليا بأسماء القرى وعدد سكانها من مختلف الطوائف وعدد المنازل المدمرة.

 

3- الكتاب على عكس المؤلفات الأخرى التي كتبت عن خسائر المسيحيين في تلك الحقبة الزمنية، لم يرفق بأي مطالب أو ادعاءات سياسية، عدا أنه لا ينفي إطلاقا حدوثها.

 

أخيرا، ثمة نقطة أساسية مرتبطة بهذا الكتاب وما يحويه من معلومات لا شك في أنها حقائق، وهي أنه ليس عملا مجردا وإنما ذو أبعاد علمية مهمة.

 

فالكاتب يصل إلى استنتاج أن المشهد التقليدي لتاريخ البلقان والقوقاز والأناضول أقل من كامل إن لم يكن مضللا، لأن تاريخ الجماعات التي شكلت الأقلية في الإمبراطورية العثمانية استثني من الكلام.

 

القسم الأهم من الكلام هو معاناة المسلمين التي حدثت في المناطق نفسها وفي الوقت نفسه الذي حدثت فيه معاناة المسيحيين والتي كثيرا ما فاقتها. ولهذا يعتبر المؤلف كتابه -بحق- إسهاما في التنقيح الأكاديمي الضروري الذي يقع في صميم مهمات المؤرخ.

 

المصدر: الجزيرة

http://www.aljazeera.net/KnowledgeGate/Templates/Postings/BooksDetailTemplate.aspx?FRAMELESS=false&NRNODEGUID=%7BCDCBCF29-8CFC-4CC8-8251-598828F5F2E7%7D&NRORIGINALURL=%2FNR%2Fexeres%2FCDCBCF29-8CFC-4CC8-8251-598828F5F2E7.htm&NRCACHEHINT=Guest

 

 

Share Button

ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: جواد أنزور

جواد أنزور

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة


وُلد في بلدة الرقة السورية في منطقة الجزيرة عام 1900 م، لأسرة شركسية عريقة هي أسرة أنزور

التحق بجيش الشرق وتقاعد منه برتبة رئيس عام 1945 م. وعندما قامت حرب فلسطين عام 1948 م لبّى طلب القائد العام للجيش السوري حسني الزعيم بتشكيل فرقة كوماندوس شركسية خاصة من شباب المدن والقرى الشركسية في سوريا، وكان ذلك خلال الهدنة الأولى اثناء الحرب

خاضت هذه الفرقة الشركسية والتي أنتدبت للمهمات العسكرية الصعبة، عدة معارك مثل معركة بستان الخوري، ومعركة سمخ ومعركة كعوش ومعركة تل الدريجياّت، وغيرها

 صدر الأمر العسكري لجواد آنزور باستعادة موقع تل العزيزيات الإستراتيجي الذي اعادت قوات الأحتلال الصهيوني احتلاله، وفشلت عدة محاولات سوريّة سابقة لأستعادته

تقدّم جواد على رأس مجموعة من الضباط والجنود الشراكسة الذين كانوا ضمن فرقته الشركسية الخاصّة، لأقتحام القمة الحصينة واستعادتها من العدو وانقسمت المجموعة إلى فريقين، فريق يتقدم للاحتلال وفريق يغطي هذا التقدم بنيران، مع إسناد من بعيد تُقدّمه السرايا الثانية والثالثة وسريّتا الأحتياط. ومع ان العدد قليل والأسلحة قديمة والكثير منها فاسد،إلا أنه وفرقته تصدوا للمهمة، فتقدم البطل جواد يقود فرقة الأقتحام منتصب القامة يأبى ان يحنيها ليصل إلى القمة ويُحرّرها، محرزا النصر المؤزّر للجيش العربي السوري، بتحرير تل العزيزيات من يد العدو وظافراّ هو بالشهادة في سبيل الله بإذنه تعالىبتاريخ 18 تموز 1948 م الموافق 14 رمضان. نقل جثمانه إلى بلدته الرّقّه، ودُفن بكامل ملابسه العسكرية المعطّرة بدماء استشهاده وسيفه إلى جانبه ومُنح رتبة مقدم تقديرا لشجاعته وتضحيته.وبعد 18 عاماً من استشهاده كُشف عن قبره عام 1965 م لنقل ُرفاته إلى مقبرة جديدة بسبب بناء سد مائي في موقع المقبرة القديمة وكانت المفاجأة عند فتح التابوت أن يبدو البطل و كأنما استُشهد للتو، محتفظا بتفاصيل وجهه وشاربيه ولونه المورّد الأبيض وقطرات دم تنبجس من جرحين قاتلين في رأسه وصدره، وسيفه موسّد إلى جانبه. وقد خلّد الكاتب القصصي الأديب السوري معالي الدكتور عبد السلام العجيلي هذه الحادثة وموقعة استشهاده في قصته الشهيرة “السيف والتابوت” الصادرة عام 1973 م. المرجع: كتاب (أعلام الشراكسة)- تأليف فيصل حبطوش خوت أبزاخ – عمّان – 2007 م

 

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%AF_%D8%A3%D9%86%D8%B2%D9%88%D8%B1

Share Button

منتديات تلوباشا للعادات والثقافة الشركسية: دوي الرعد …… رواية تاريخية شركسية

دوي  الرعد يحكي قصة ضابط روسي خدم في الحرب الروسية القفقاسية كقائد فصيل يسرد فيها  أهوال ومآسي الحرب وعمليات التهجير القسرية وعمليات الابادة الجماعية .
أبطال  القصة 
ياكوف قيصروف  : ضابط روسي
اجوق بطل  القصة
وزيرميس مغني  وعازف 
زارا زوجة اجوق 
زايدت اخت زارا 
بيبا اخت زارا  الصغيرة
زاكير ابن  اجوق
شيبيخان فتاة  رائعة الجمال وهي عشيقة وزيرميس
بعد عدة حوادث قررت المحكمة (الخاسة) الدفاع عن القرية   كان عدد المدافعين سبعين شخصا وكانوا مسلحين ببنادق عادية . وبعد قتال عنيف لم ينج  من القرية الا طفل صغير وهو زاكير ابن اجوق وزارا . عطف عليه احد الضباط الروس  واخذه  .
 خلف العربة  مشى ولد رث الثياب حافي القدمين مطرقاً يحدق في الطريق المتربة . وبعد ان قطعت  العربة الطريق الذي يتلوى كالافعى صاعداً الى قمة الجبل توقف الولد وانتظر حتى  ابتعدت العربة قليلا ثم استدار واقترب من الهاوية والقى نظرة مفعمة باليتم الى  القرية التي ترقد في الاسفل . وجمدت نظرته على البيوت المتناثرة حول النهر الممتد  هناك في الاعماق كخيط من الصوف . كان الطفل يهجر الى الابد مسقط رأسه ، قريته في  منطقة الشابسوغ فأطال نظرات الوداع . هذا الطفل الشركسي الذي فتح عينيه على الجمال والفرح ، صدمته الحياة بقسوة ووحشية باقتلاع جذور عائلته آل اجوق . وبينما كانت  عيناه جامدتين على قريته الصغيرة ، عادت الى مخيلته الاهوال والمصائب التي حلت بها،  وكيف قتل الجنود اباه وامه . وفكر بانه لم يبق له احد يناديه يازكريا … تنهد  بعمق ومسح بظهر كفه دموعه ثم انطلق بسرعة ليلحق بالعربة . كان موقناً بانه اصبح  يتيماً يتماً كاملاً ولا يعرف شيئاً مما يخبئه له الغد  .
تأليف : ميخائيل لاخفنيتسكي وهو حفيد زكريا ذلك الطفل الذي تبناه الضابط الروسي

Share Button

الجزيرة: الأزمة القوقازية ومستقبل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية

الأزمة القوقازية ومستقبل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية

عادل عبد السلام

خلفيات أحداث القوقاز الحالية

 أبعاد الأزمة ومستقبل المنطقة

كان البرزخ القوقازي وما زال مسرحا لصراع القوى الكبرى التي تحيط به من جميع الجهات (الفرس والعرب، والترك، ثم الروس فيما بعد) سعياً وراء السيطرة على هذا الجزء الغني بالموارد الاقتصادية وذي الموقع الجغرافي الإستراتيجي الخطير من العالم.ومن سوء حظ سكانه أنهم لم يكونوا أمة واحدة، أو شعباً موحداً قوياً قادراً على مواجهة أطماع الغزاة والمحتلين، بل كانوا وما زالوا أقواماً صغيرة متفرقة يزيد عددها على الأربعين قومية تستحق الذكر، لكل منها موطنها ولغتها، ولقد ذكر المسعودي القوقاز في القرن العاشر للميلاد، وأنه يضم 72 أمة، ولكل منها لغتها الخاصة بها.

 

لكن صراع القوى الكبرى الطامعة بالقوقاز تجاوز اليوم نطاق الدول الكبرى المحيطة به والقريبة منه، وجر إليه قوى الغرب في أوروبا بل وأميركا، التي أصبحت مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية تشمل بقاعاً واسعة من العالم بما فيها منطقة القوقاز بعد تحرر جنوبيه (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان) من الحكم الشيوعي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزواله.

 

وتحول روسيا ما بعد الحرب الباردة إلى بلد يحكمه اقتصاد السوق والمبادئ الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة والانفتاح على الاقتصاد الأوروبي وغيره. لكن القوقاز وإضافة إلى صراع القوى الكبرى للسيطرة عليه، كانت مقاومة شعوبه للغزاة لا تنقطع، وسعيها للتحرر من نير المحتلين متصلاً. كما كانت الصراعات المحلية فيه تنشب بين شعوبه وقبائلها بين الحين والآخر.

 

وتعد الحرب الأخيرة التي شنتها جورجيا على أوسيتيا الجنوبية في أغسطس/آب من عام 2008 وتداعياتها في أبخازيا أحدث مرحلة من مراحل الصراع حول القوقاز، وآخر إفرازات النزاعات التاريخية الموروثة من الواقع القوقازي المحلي وصراع القوى الكبرى الحديثة على حكم العالم.

 

خلفيات أحداث القوقاز الحالية

 

رغم التشابكات والتعقيدات التي تميز الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية فيما يتعلق بالمشكلة القوقازية، التي يرى بعض المحللين أنها قد تكون إحدى الشرارات التي قد تشعل نار حرب باردة جديدة، فإن بالإمكان إيجازها بما يناسب المقال لخدمة أحداث القوقاز الراهنة.

 

فمنذ بدايات ظهور روسيا دولة يحسب حسابها في القرن السادس عشر، دخلت طرفاً ثالثاً وبشكل تدريجي في الصراع الذي كان ناشباً بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية على القوقاز. ففي عام 1553 تقاسم العثمانيون والفرس جورجيا، ووصل التنافس بين القوتين إلى أن أقام الفرس المملكة الجورجية (الكرجية)، التي طلبت من روسيا فيما بعد حمايتها من الفرس، مقابل قبول الجورجيين بالسيادة الروسية على بلادهم.

 

وهكذا بدأ التدخل الروسي في شؤون القوقاز الجنوبي منذ سنة 1783. لكن روسيا وتنفيذاً للبند الثامن من وصية بطرس الأكبر (حكم بين 1682-1723) القاضي بتوسع الروس واستعمارهم البلاد حتى الوصول إلى البحار الدافئة في الجنوب، قامت باحتلال شرقي جورجيا (1801) ووسطها (1810)، ثم أبخازيا (1810-1818)، وبقية الغرب الجورجي بين (1829-1878).

 

ولما كانت روسيا قد استكملت احتلالها للقوقاز الشمالي واستعماره بالقضاء على المقاومة الشركسية سنة 1864، أصبح البرزخ القوقازي بأكمله مستعمرة روسية. وبقي هكذا حتى قيام الثورة الروسية سنة 1917، حين قامت جمهوريات مستقلة في كل من القوقاز الشمالي والجنوبي، ومن بينها دولة جورجية في مايو/أيار سنة 1918.

 

لكن الجيش الأحمر الشيوعي ما لبث أن هاجم هذه الجمهوريات المستقلة واحتلها ثانية وضمها إلى الإمبراطورية السوفياتية سنة 1922. ولقد حرص البلاشفة على أن تدخل أراضي أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، وأجاريا في إطار الكيان الجورجي، على الرغم من أن كل واحدة منها تشكل قومية مختلفة عن الجورجيين والروس.

 

وهكذا أصبحت جورجيا وبقية دويلات الجنوب القوقازي جمهورية سوفياتية واحدة من أصل خمس جمهوريات شكلت جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

 

لكن ستالين عاد, فاعتمد مبدأ التفرقة من أجل السيادة، ففتت القوقاز الشمالي والجنوبي إلى كيانات صورية صغيرة تحمل تسميات زائفة، وعادت جورجيا جمهورية سوفياتية اشتراكية تحكمها موسكو منذ 1936.

 

ولقد حقق ستالين وأورجونيكيدزة ثم بيريا وكلهم جورجيون، بذلك هدفين أولهما: توسيع أراضي وطنهم جورجيا، والثاني: التفريق بين أبناء الأمة الواحدة، بفصل أوسيتيا الجنوبية عن أوسيتيا الشمالية، التي بقيت مستعمرة روسية تحمل اسم جمهورية ذات حكم ذاتي، وكذلك فصل أبخازيا عن بقية الأراضي الشركسية على البحر الأسود والقوقاز الشمالي، الذي قطعت أوصاله إلى أشلاء كيانات عجيبة. وبقي الحال على ذلك حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين.

 

ففي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي والأحداث التي رافقت زواله، انطلقت حركات تحرر الشعوب التي كانت مستعمَرَة من قبل الروس، للاستقلال والانفصال عن الاتحاد، الذي كان مفروضاً على شعوب كثيرة في آسيا والقوقاز وأوروبا.

 

وكانت شعوب القوقاز الشمالي من أول الشعوب التي نادت بالتحرر من النير الروسي، بل وثار بعضها على محاولات عودتها للانضمام إلى الاتحاد الروسي وريث الاتحاد السوفياتي، مثل الشيشان، أو إلى الانفصال عن جمهورية جورجيا مثل الأبخاز والأوسيتيين الجنوبيين، بل وحتى الأجاريين.

 

إذ أخذ الأبخاز والأوسيتيون الجنوبيون يطالبون جورجيا بمزيد من الحقوق والحريات وصلاحيات حكم أوسع في إطار كياناتهم السياسية، ما سبب تصاعد التوتر بينهم وبين جورجيا، التي رفضت تلك المطالب.

 

وتمثل رد الفعل الجورجي بفرض اللغة الجورجية لغة رسمية واحدة على الجميع سنة 1989. أعقبه في 9 أبريل/نيسان من العام نفسه قيام مظاهرات في تبليسي تندد بسعي الأبخاز والأوسيتيين الجنوبيين للاستقلال عن جورجيا، تصدت لها قوات الأمن السوفياتية وسقط فيها 19 قتيلاً وعشرات الجرحى، ما أجج مظاهر العداء والكراهية بين الأطراف المتنازعة، متمثلة بالجورجيين الذين يعدون أراضي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من الأرض الجورجية، وبالأبخازيين، والأوسيتيين، أصحاب الأرض المحكومين سابقاً من السوفيات ولاحقاً من الجورجيين، وبالروس الذي استعمروا بلاد الجميع منذ بدايات القرن التاسع عشر. وكان أصحاب الأرض أضعف الأطراف الثلاثة وما زالوا.

 

وقد ازداد موقف جورجيا تطرفاً وعنصرية بعد استقلالها في أبريل/نيسان عام 1991، وانتخاب زفياد غمساخورديا رئيساً لها، ثم أعقبه ادوارد شيفرنادزه الذي شنت جورجيا في عهده الحرب على أبخازيا، واحتلت عاصمتها سوخومي، لكنها دحرت من قبل الأبخاز وأنصارهم من الشركس والشيشان وغيرهم، كما أن شيفرنادزه حوصر في سوخومي وكاد يقتل لولا وساطات روسية أنقذته.

 

أما في أوسيتيا الجنوبية فإن حرب الاستقلال عن جورجيا كانت قد بدأت سنة 1989 وقتل فيها الجورجيون أعداداً كبيرة من المدنيين الأوسيتيين. وكانت النتيجة في الحالتين نشر قوات حفظ السلام الدولية على خطوط التماس.

 

واستمر الوضع على حاله حتى عام 2006 حين توغلت قوات جورجية في الأراضي الأبخازية واحتلت أعالي وادي نهر قودور، وفي شهر أغسطس/آب من عام 2008 شنت جورجيا هجوماً كبيرا على أوسيتيا الجنوبية وقتلت أكثر من ألفي أوسيتي معظمهم من المدنيين.

 

وهنا تفجرت الأزمة القوقازية بوقوف روسيا ومحاربين من جمهوريات القوقاز الشمالي إلى جانب الأوسيتيين. وكان الرد الروسي سريعاً وعنيفاً، تجاوز حدود أوسيتيا إلى داخل الأراضي الجورجية.

 

كما قام الأبخاز في الوقت نفسه بطرد الجيش الجورجي من وادي قودور. أعقب ذلك أحداث كثيرة أهمها إعلان البلدين استقلالهما، واعتراف روسيا بذلك رسمي.

 

أبعاد الأزمة ومستقبل المنطقة

 

لقد احتفل الشركس (الأديغة والأبخاز وغيرهم) والأوسيتيون وبقية الأقوام القوقازية الشمالية المُهجرة في بلدان الشرق الأوسط وغيرها، بنيل أبخازيا وأوسيتيا الاستقلال.

 

لكن الحكماء منهم يدركون أن روسيا لم تدعم استقلالهما محبة بهما، ولا رحمة بأبناء القوقاز المحكومين من قبل الجورجيين أو الروس. وينظرون إلى ما حدث على أنه مرحلة أولى لإلحاق هاتين الجمهوريتين بروسيا الاتحادية، بمباركة وعرفان بالجميل من قبل سكانهما، لما قامت به روسيا من منع إبادتهم من قبل الجورجيين وحلفائهم، وبافتعال ظروف دولية واقتصادية واجتماعية وسياسية لخدمة تلك الإستراتيجية.

 

بحيث تجد الجمهوريات هذه نفسها ملزمة بطلب الانضمام الطوعي للأخ الأكبر روسيا الاتحادية، التي ارتدت حلة الأخ الأكبر الشيوعي سابقاً، الذي سيكسب بانضمام أبخازيا إليه واجهة بحرية طولها أكثر من 75 كلم على البحر الأسود تضاف إلى الساحل الشركسي. ويكون حال الجمهوريتين حال المستجير من الرمضاء بالنار.

 

هناك مثل شركسي يقول (حين طُلِب من المخلوقات أن يضرب كل فرد من يستطيع ضربه، ضربت العجوز القطة) وهذا ما قام به ساكاشفيلي بغزوه أوسيتيا وأبخازيا قبلها، وهذا ما كان صدام قد قام به حين غزا الكويت.

 

ولقد أخطأت جورجيا الحساب، بظنها أن روسيا لن تتدخل، وبهذا العنف أولاً، وأن الغرب سيدخل بمواجهة عسكرية مع روسيا من أجلها ثانياً.

 

إن الغرب لن يعادي روسيا إلا إذا شعر أن مصالحه الاقتصادية ستتهدد، وأن أنابيب نقل الطاقة من روسيا إلى أوروبا يمكن أن تغلق صنابيرها، كما وأن الغرب مستعد للتخلي عن أصدقائه وحلفائه إذا تطلب الأمر ذلك، وهنالك أمثلة تشهد على ذلك، ابتدءا من شاه إيران 1979 وانتهاء بنورييغا باناما 1989 وما بينهما.

 

فلا يحلمن ساكاشفيلي أن يعامل معاملة مميزة عنهما في حال رجحان كفة مصالح حلفائه على مصلحة دعمه ضد روسيا ومن تساندهم. ولا يفرحن بزيارات المسؤولين الغربيين لجورجيا، ودخول السفن الحربية الغربية إلى البحر الأسود، وعقد الاجتماعات التخديرية لبحث أزمة القوقاز في بروكسل وغيرها.

 

والحديث يدور الآن حول التهدئة والمفاوضات. فالمسألة أكبر بكثير مما يمكن تصورها، وتدور في فلك صراع القوى الكبرى على حكم العالم مع بقاء الرادع النووي مسلطاً على الرقاب، وتشمل بلداناً تبدأ من كوريا الشمالية وتنتهي بفنزويلا وكوبا مروراً بأفغانستان وإيران والشرق الأوسط وكوسوفو، مع عدم نسيان دور تجارة الأسلحة، وامتلاك الطاقة النووية والتقنيات العالية المستوى والطاقة وغيرها من عناصر فعالة في معادلات تشابكات مصالح الدول، إضافة إلى تزايد المطالبة العالمية بتعددية الأقطاب في العالم, وبدء ظهور قوى تناضل لاستعادة أمجاد إمبراطورية سابقة لها.

 

ومع ذلك كله، فإن خطر نشوب حرب شاملة، أو حروب إقليمية متوسطة الحجم يبقى قائماً، بوجود مسؤولين دوليين متطرفين وأغبياء لا يرون أبعد من أنوفهم.

 

ـــــــــ

 

اكاتب سوري

 

المصدر: الجزيرة

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4A89436E-258A-4F30-AFA7-395918EAB24C.htm


 

Share Button

أديغة ستار: حرب الابادة والتهجير التي واجهتها الأمّة الشركسية

التالي ما قام بنشره منتدى التّاريخ الشّركسي لموقع أديغة ستار الألكتروني حول موضوع حرب الابادة والتهجير التي واجهتها الأمّة الشركسية عندما احتلت القوات الروسية شركيسيا في القرن التّاسع عشر

إحسان عبد الحميد خُن

يقول أحد الضباط الروس في كتابه (نبذة عن احتلال القوقاز) مبرراً  أعمال الحكومة القيصرية: » لم نستطع التوقف عما بدأناه في احتلال القوقاز. لأن  الشراكسة لم يودوا الخضوع لنا. وكان يجب القضاء على نصف الشراكسة لكي يتوقف النصف  الآخر عن الحرب  ».
لقد تقلص عدد  الشيشان في الحرب فقط ما بين عامي 1847 و 1850 إلى النصف أي إلى 400 ألف، ومع  انتهاء عام 1860 انخفض عددهم إلى الربع . أما الشابسوغ فقط انخفض عددهم من 700 ألف  نسمة في بداية الحرب عام 1779 إلى 150 ألفاً عام 1831 . وفي هذا يقول العالم والسياسي الإنكليزي جيمس بيل في كتابه (جورنال لاقامة في شركسيا) » تتغلب هاتان  المنطقتان شابسوغ وناتخواخ منذ عشرات السنين على قوات أوسع وأظلم وأقل أمانة  إمبراطورية في أوروبا التي عدا ذلك تمتلك الفنون الحربية التي وصلت إليها أوروبا  الحديثة « ومن جهة أخرى لا تتساوى التضحية عند الطرفين . إن الرؤساء وزهرة البلاد هم الذين يقعون في هذه المناطق تحت ضربات الحديد الروسي والرصاصات الروسية . بينما  الروس بإمكانهم أن يرسلوا ألوفاً من البولونيين الذين يريدون التخلص منهم أو  مواطنيهم العبيد الذين لايعتبرونهم إلا آلة حرب « . وعلى الرغم من الانتصار الذي  حققه الروس في نهاية الحرب، إلا أن الباحثين يقدرون عدد الجنود الروس الذين سقطوا في معارك القوقاز بحوالي 1.6 مليون  .
ومع انهيار الخطوط والدفاعات الشركسية بدأت حرب الإبادة التي قادها كل من الجنرالات افريين وغايمان وشاتيلوف وميرسكي وغيرهم الكثير . وكان هناك الآلاف  من القرى والبلدات الشركسية التي أبيدت وأحرقت . فعلى سبيل المثال عندما تقدمت إحدى  القوات الروسية المؤلفة من 14000 جندي . لم تكن القوات المدافعة في تلك المنطقة  تزيد على سبعمائة مقاتل، وكان يتزعم هذه القوة »منصور بك« الـذي أبى أن يتزحـزح أو  ينسحب إلى مواقع جديدة صائحاً في جنوده » لن نترك بلادنا، وإذا لم تجئنا النجدة،  فسوف نقطع رؤوس نسائنا وأطفالنا، ونحرق بيوتنا وممتلكاتنا، ثم ننسحب إلى الصخور  العالية وندافع عن أنفسنا حتى يقتل آخر رجل منا !».

وبعد أن دمر الروس القرية كتب أحد الشعراء » … لقد  ذبحوا الأطفال كأنهم نعاج ، وقتلوا الشيوخ كأنهم شباب ، واستباحوا النساء كأنهن  بغايـا . لم يبق في القرية حجر على حجر، أو جذع على شجر، أو طير على غصن ، أو طفل  على ذراع ! … الموت يحصد بمنجله الرؤوس، والمرض ينتشر في الجو كالضباب والوباء  الفتاك يطل برأسه الأسود على القرى المقوضة، وينعق على خرائبها كالغراب  « .
وفي إحدى القرى كان عدد  الشراكسة المدافعين حوالي 70 شخصاً ، وكانوا مسلحين بأسلحة تقليدية وبنادق عادية ،  وبعد مقاومة عنيفة لم ينج من هذه المعركة سوى طفل صغير، لم يبق له إلا أن يلحق  بالقوة التي دمرت قريته وقتلت أباه وأمه، ويصف أحد الضباط الروس هذا المنظر المؤلم  قائلاً :» خلف القوة مشى ولد رث الثياب حافي القدمين مطرقاً، يحدق في الطريق  المتربة ، وبعد أن قطعت العربة الطريق الذي يتلوى كالأفعى صاعداً إلى قمة الجبل  توقف الولد وانتظر حتى ابتعدت القوة قليلاً، ثم استدار وألقى نظرة مفعمة باليتم إلى  القرية التي ترقد في الأسفل، كان الطفل يهجر إلى الأبد مسقط رأسه، هذا الطفل  الشركسي الذي فتح عينيه على العاطفة والجمال ، صدمته الحياة بقسوة ووحشية باقتلاع  جذور عائلته ، وبينما كانت عيناه جامدتين على قريته الصغيرة ، عادت إلى مخيلته  الأهوال والمصائب التي حلت بها وكيف قتل الجنود أباه وأمه ، وفكر بأنه لم يبق له  أحد يناديه يا زكريا ، تنهد بعمق ومسح بظهر كفه دموعه ، ثم انطلق بسرعة ليلحق  بالقوة . كان موقناً بأنه أصبح يتيماً يتماً كاملاً ، ولا يعرف شيئاً عما يخبئه له  الغد  « .
مع حرب الإبادة ،  وانتشار الأمراض والأوبئة فقد الشركس الأمل في الحياة والبقاء . وقد تم اقتلاع  وإبعاد معظمهم إلى الشاطئ لانتظار تنفيذ عمليات التهجير القسرية ، والتي تمت  بمباركة تركيا أيضاً خدمة لمصالحها السياسية والعسكرية والأمنية والديمغرافية  .
فماذا يمكن للإنسان أن يحمل  معه ؟ سلاحه وابنه وماله . كان منظر هؤلاء وهم يهجرون إلى الأبد قراهم التي أحرقها  الروس يدعو إلى الحزن العميق ، وقد مات الكثير منهم بسبب الجوع والبرد والمرض. يصف  أحد الضباط الروس منظر هؤلاء : » رأيت أناساً رجالاً ونساء مستلقين على الأرض  فراداً وجماعات ، وأحياناً بشكل صف طويل ، بعضهم انكب على وجهه أو على جانبه ،  والأكثر كان مستلقياً على ظهره وقد عقدوا أيديهم على صدورهم . مشيت ماراً فوق الجثث   ، ورأيت إحدى الجثث وقد غطى وجهها قلبق شركسي ، ووقف أمامها حصان دون سرج ، وقد  أخفض رأسه ولاحظت أن الحصان كان هزيلاً جداً ، حيث ظهرت عظام ظهره، وغار بطنه ،  وفهمت أنه يقف بصعوبة وقد قرر الموت إلى جانب صاحبه ، وعندما أدرت وجهي جانباً رأيت  امرأة عجوزاً وجهها مغطى بمنديل صوفي، ظهر من تحته شعر رمادي طويل ، وصبياً  متقوقعاً على نفسه حتى أن ركبتيه قد وصلت إلى ذقنه، وامرأة شابة بثوب ذي صدر مفتوح ظهر منه صدرها الناصع المغطى بالندى، وكانت شفتاها المغلقتان بقوة قد ارتختا قليلاً  عند الجوانب فبدت وكأنها في شبه ابتسامة ، ويدها ملقاة إلى جانبها ، وبين أصابعها  قميص طفل صغير، فتشت عنه فلم أجده ، كم كانت هذه المرأة الشابة جميلة ! رموش طويلة،  فم صغير ، أنف أقنى كأنه محفور من العاج ، شعر كستنائي، كانت رائعة الجمال وهي جثة  هامدة ، فكيف لو بقيت مليئة بالحياة . وانتبهت إلى ملابسها ، ثوب زهري اللون بأزرار  معدنية، وقميص ذو ياقة عالية ، وحذاء أحمر لطيف في قدميها الصغيرتين ، هل كانت  دائماً ترتدي هكذا، أم أنها لبست أجمل ما عندها لتقف أنيقة أمام الله  !! « .
بعد أن تجمع الناجون من أهوال  الحرب عند شواطئ البحر الأسود ، بدأت السفن التركية عمليات الترحيل الجماعية التي  لم تعرف البشرية مثيلها من قبل . حوالي 1.5 مليون قوقازي هجر إلى تركيا (300) ألف  إنسان ماتوا غرقاً في البحر  .
يقول أحد الضباط البولونيين في كتابه ( السنة الأخيرة لحروب الشركس من أجل الاستقلال) » لقد كان الأتراك في منتهى الطمع والجشع إلى الحد الذي قاموا  فيه بحشر أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة شخص على سطح المركب الذي لا يستوعب في  الأحوال العادية إلا لستين شخصاً،وكل ما قام الشراكسة بحمله من الزاد لم يكن يتعدى  حفنات من القمح ، وبراميل صغيرة من الماء  .
وعندما كان الطقس يتحسن، كانت تنتظر الشركس مصائب جديدة ، إذ أن سكون  الرياح كان يمنع الإبحار (هذا معناه طول مدة الرحلة) وعندها كانوا يستسلمون لموت  بطيء ومريع من الجوع والعطش، وهناك حوادث مرعبة حـول غرق واحتراق عدد كبير من السفن  مع ركابهـا، وموت نصف المهاجرين على متن عدد آخر من السفن ، فرموهم في البحر، قبل الدخول إلى ميناء طرابزون التركي« ويضيف :
» إن الذين وصلوا إلى هنا في أوائل الشتاء كان عددهم يقارب 12000 مهاجر ماتوا جميعهم تقريباً بسبب الجوع والمرض وعدم توفر ظروف المعيشة والحياة،  وكانت المؤن التي توزع من قبل الجنود الأتراك عبارة عن رغيف واحد لكل شخص. ولكن  أغلب المهاجرين لا يحصلون على شيء، لأن المؤن كانت قليلة، وكان عليهم انتظار دفعات  أخرى من الخبز وهذا طبعاً في يوم آخر  « .
» كان هناك عدد كبير من الموتى بحيث بلغت الجنازات عدداً غير محتمل ، وصوت نواح النساء كان يرتد صداه المرعب بعد أن يرتطم بالجبال المحيطة . وبعد هذا  رقص الأطفال وغنوا مكملين تلك اللوحة الحزينة المبكية . ورغم تلك المأساة بقي  إيمانهم بالله قوياً ، فعندما يـدعو المؤذن المؤمنين إلى الصلاة يقوم الرجال  المتوضئون بالتجمع حول أئمتهم كل مع قبيلته، فيخلعون أحذيتهم ويمدون معاطفهم على  الأرض ، ثم يصطفون متجهين إلى القبلة ووجوههم ولحاهم الطويلة ولباسهم ، كل ذلك كان  منسجماً مع الوضع القاسي الذي كانوا فيه، وأستطيع القول بأن منظر هؤلاء الرجال  بأيديهم النحيلة المرفوعة إلى السماء قد أدهشني ، وأشعة الغروب الحمراء صبغت المنظر  بشكل أضفى عليه مظهراً شديـد القسوة والتأثير . تلا الإمام آيات القرآن بصوت رخيم ،  فرد الجميع خلفه ثم سجدوا ووجوههم إلى الأسفل ، وكانت سيوفهم (قاماتهم) ومسدساتهم  تصدر صوتاً خاصاً يذكرنا بالحرب  « .

يصف أحد الشعراء جموع المهجّرين قائلاً  :

ألقوا بهم على شاطئ البحر   ، وتركوا لمصيرهم الفاجع  .
لقد  هلكوا من الجوع والبرد  .
كانوا  على طول الشاطئ أحياء وأمواتاً  .
ملقى بهم عراة  .
الغربان الغربان تنعق فوق رؤوسهم  .

وفي الجانب الآخـر للشاطئ بدأ الضباط والجنود الروس  يغنون بمرح، ويرفعون أنخاب النصر العظيم، بانتهاء الحرب الروسية القوقازية (المجيدة)!! 

  

http://forum.adigastars.com/showthread.php?t=956#

تعليقات – تـتـمـّة

[ Posted by شركسي في المنفى, August 10, 2009 12:14 PM ]
ورد التّالي على إحدى المواقع الألكترونيّة واسم الموقع: “منتديات عيونك” لأحد الأعضاء الشّركس للموقع وكانت المشاركة بعنوان، “هل تعلم عن تعريف الشعب الروسي الذي هو ليس بصديق؟” وجاء في المشاركة: “يا من تدّعي بروسيا، القفقاس، يا من تفتخر بروسيا، يا من أخذ لسانك على استبدال روسيا بالقفقاس، يا من تدعم النّشاطات الرّوسيّة، ويا من تشارك بذكرى الإنضمام طوعا إلى روسيا. أتدري من هم الرّوس؟؟ إنهم من قلّص عددنا، وقتل شيوخنا، وحرق شبابنا، واغتصب نسائنا، ونبش قبورنا، وأباد حقولنا، ولوّث أرضنا بجنسيّاتهم الحقيرة، ولوّث لغتنا بكلماتهم الدخيلة، إنّهم من سلبنا جبالنا ومياهنا وبحرنا. إنّهم السّبب في وفاة أكثر من نصف مليون روح على طريق الهجرة، وقذف أم لإبنها من السفينة، خشية ان يحترق معهم، وتشردنا في اكثر من عشرين دولة. إنّهم من عرقل وحدتنا الى الأبد، ومن حرمنا جنسيتنا، وحرمنا دولتنا كأي دولة أخرى على الأرض. ترى ما حجم سعادتك اذا فتحت الأطلس يوما وقرأت شركيسيا؟ ما حجم سعادتك اذا رأيت منتج كتب عليه: (صنع في شركيسيا)؛ ما حجم سعادتك اذا كنت تحمل جوازا شركسيّا و جنسيّة شركسيّة؟ ماحجم سعادتك لو كان كل شركسي على الأرض يتكلّم لغته؟ يقولون: إنس الماضي والّذي حدث حدث، ونحن أولاد اليوم. وأقول لهم: إنّ سبب شقائنا هو الذي حدث في الماضي، والمستقبل يبنى على الماضي. يقولون: الشّعب الشّركسي الصّديق والشّعب الرّوسي الصّديق. وأقول لهم لا، نحن سلف من قتلتم وهجّرتم، فكيف أصادق أو أنسى من قتل جدّي أو هجّره؟؟؟؟؟؟ فأقول لهم نحن الشعب الشّركسي الحاقد، ويوما بعد يوم يزداد الحقد، ويزداد. لذلك تذكّر أيّها الشّركسي، أيّها الصّقر الجبلي، إنّ لك عشاً في القفقاس، وإنّ لك عدوا سحق عشّك واصطادك، فأصبحت قابلا للانقراض، وعشت في محميّة خارج وطنك، هكذا حالنا في المهجر. وتذكّر دا ئما، لن تكون شركسيّا إلّا في شركيسيا. ولن ننسىى أعدائنا. الّروس، لعنهم الله. اللهم يامن لا يرد سائلا، ولا يخيّب للعبد وسائلا، اللّهم ارحم شهداء المسلمين، وفك أسر المأسورين، وانصر المظلومين، اللهم وحّد صفوفنا، واعل كلمتنا، واجمع شملنا، وأرنا في روسيا وكل من عادى الإسلام يوما أسودا يا ربّ العالمين، اللّهمّ إنّا نسألك الشّهادة على أرض الوطن؛ اللّهم آمين، اللّهم آمين، اللّهم آمين. والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.” وأنا أزيد على ما سبق قول الشّاعر أحمد شوقي: وطني لو شغلت بالخلد عنه/نازعتني إليه بالخلد نفسي! والسّلام ختام

[ Posted by adiga pshasha, May 13, 2011 12:07 PM ]
بدأت هجرة الشركس من القفقاس لاول مرة
عام 1858بشكل متقطع ، وفي النصف الثاني من
القرن التاسع عشر ، وعلى وجه لاالتحديد
خلال الفترة الواقعة بين عامي 1864 – 1878 .
واستمرت الهجرة الجماعية وامتدت الى عام
1900 ،
بعد ان اجبروا على ترك وطنهم بمختلف
الاساليب اليعسفية والقمعية وقد توجهوا
الى
اقطار الشرف الاوسط التي تربطهم بها
صلات
روحية ووشائح دينية ، فهم أخوة في الدين
مع مواطني هذه الاقطار .

لقد احتل الروس في عهد القياصرة اواسط
اسيا الى ان وصلوا الى القفقاس بعد حرب
ضروس استمرت قرنا كاملا مع الزمن ، خاضها
الشركس ضد الغزاة الروس في سبيل الله
والحرية والدفاع عن تراب الوطن . وكان
حكم
القياصرة الروس يتصف بالطغيان والظلم
والتعسف ، كما خلا من جميع مقاييس
الانسانية .
وكان الروس يهدفون من استخدام القوة
والعنف البالغين في معاملتهم للشركس الى
تفريغ البلاد ، او على الاقل تقليص عدد
الشركس فيها لدوافع استعمارية
واستيطانية
واستغلال الثروات الدفينة التي تضمها
ارض
القفقاس .

Share Button

نرحّب بتدوين كافّة المشاركات والتعليقات