العقيد توفيق بك البولندي بطل حرب إستقلال شيركيسيا – وليد هاكوز

العقيد توفيق بك البولندي بطل حرب إستقلال شيركيسيا – وليد هاكوز

بقلم : علي بيرزيكوف
ترجمة : وليد هاكوز
wal-300x199

أدى التوسع الروسي على اراضي منطقة القفقاس الى وقوع الحرب الروسية – القفقاسية الشاملة ، والتي استمرت أكثر من قرن من الزمان (1763- 1864) ، وكان أول جزء من الأراضي التي وقعت في إطار الهجوم الذي شنتها الآلة العسكرية للإمبراطورية الروسية بلا هوادة ، البلدة الشركسية الصغيرة مزدوق “Mazdok” وذلك في العام 1763، وتبع ذلك ضم منطقة كباردا من الاراضي الشرقية لشيركيسيا .  ومع بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر بدأت روسيا بإحتلال الأراضي الغربية لشيركيسيا ، وطردت مواطنيها الشركس الصليين عنوة ، وإستوطنتها بسكان سلافية شبه عسكرية ، مسيحية ارثوذكسية بعقيدتها من شعوب القوزاق . وانشأت على الأرض ما سمي بخط  كوبان ، وكان المقصود به قطع الإتصال بين شرق وغرب شيركيسيا ، وكانت تمثل قاعدة خلفية مستقبلية لإحتلال شيركيسيا .

دوامة جديدة من الأعمال العدائية العسكرية من قبل الإمبراطورية الروسية المعتدية على شيركيسيا المستقلة حدثت في بداية 1840، وبعد طلبات متكررة ومستمرة من قبل قيادة كتائب الشركس غيرالنظامية لمغادرة الروس لأراضي شيركيسيا ذات السيادة ، والتي أحتلت بصورة غير مشروعة من جانب القوات الروسية ، إلا أن الملاذ الأخير كان الإضطلاع على تدابير حاسمة ، والهجوم المضاد الحاشد على مواقع العدو الذي أدى الى سقوط العديد من الحصون المقامة والغير المشروعة في منطقة البحرالاسود كخط يطوق الخناق عليها ، وإحتلال الحاميات وتدميرها بالكامل أو إلحاق الأضرار الجسيمة بها . وكانت هذه بالفعل خطأ  تكتيكيا من جانب القيادة الشركسية ، لأنه كان من الضروري الإبقاء على عدد منها  للسيطرة على تلك المواقع الاستراتيجية ، حيث أن ما تبقى من تحصينات الخط الساحلي كان غير ملائم لعمليات التوغل ، وهذه الاخطاء كانت تستغل كثيرا من قبل الروس ، ويتم إعادة إحتلال هذه الخلجان المهمة الاستراتيجية ، وبناء الحصون بعد عدة سنوات فى وقت لاحق .

وتوازيا مع التطورات في منطقة القفقاس ، كانت الإمبراطورية الروسية تعززمواقعها في الغرب  وخاصة في بولندا وفنلندا . وهكذا ، وفي تشرين الثاني / نوفمبر1830 ذكرى قيام الانتفاضة البولندية الشهيرة ضد نير الإستعمار الإمبريالي الروسي ، قامت القوات القيصرية بقمع الانتفاضة البولندية بوحشية ، والغى القيصر الروسي الدستور الذي كان ممنوحا للمملكة البولندية فى عام  1815 .  وأعقبتها إنتفاضاتي 1846 و 1848 ، والتي قمعتا أيضا بقسوة وقتل مئات المشاركين فيها ، وإرسال الآلاف منهم الى سيبيريا والذين صدر الحكم عليهم بالأشغال الشاقة ، أما البعض الآخر فقد أجبروا على الهجرة الى الغرب ، ومن هناك واصلت كفاحها من أجل إستقلال وطنهم المحتل . ومع إستمرارالإحتلال الروسي تنامت حركة الإستقلال البولندية ، وكان أحد ألمع ممثلي هذه الحركة شاب يدعى تيوفل لابينسكي “Teofil Lapinski” ، والذي شارك أيضا فى حرب الإستقلال لدولة شيركيسيا .

ولد تيوفل لابينسكي في 1826 في غاليسيا ، وهي احدى المناطق التاريخية في بولندا ، وامضى فترة الطفولة والمراهقة في خضم الاحداث السياسية النشطة لقيام حركة التحريرالوطني البولندي ، والتي كان لها تأثيرعلى تكوين شخصيته وافكاره السياسية ، و شارك في شبابه بنشاط في النضال من اجل إستقلال بلاده .  وبعد قمع انتفاضتي عامي 1846 و 1848 ، هاجر على غرار العديد من الأعضاء الآخرين البولنديين ، وشارك في الثورة المجرية في اعوام 1848- 1849. وخلال حرب القرم شارك في المعارك كظابط مدفعية برتبة عقيد في الوحدات البولندية بقيادة الجنرال “Zamoiski” ضمن القوات الاوروبية .

وظهرإثر ذلك ، ان ممثلي حركة التحرير الوطني البولندي بدأت في ايلاء مزيد من الاهتمام لمنطقة القفقاس ، حيث قدم الشركس على مدى قرن من الزمن مثالا واضحا على مقاومة القوات العسكرية الروسية .  لقد كان البولنديون والهنغاريون والاوكرانيون والشعوب الاخرى التي عانت من نير الاستعمار الروسي ، كما يقول لابينسكي ، معجبون بقوة للوصف الرومانسي لبطولات الشركس الشجاعة ، والتي كثيرا ما نشرت في الصحافة الاوروبية في تلك الأثناء ، وفى نفس الوقت رأوا ان اوروبا كانت تؤيد نضال الشركس شفهيا ، ولكنه عمليا لم تمارس أو تبذل جهودا جادة لتقديم المساعدة الحقيقية .

وفي هذا السياق ، خطط لابينسكي لتقديم المساعدة العسكرية للجيش الشركسي الضعيف بتجهيزه ، واعتبر ان جميع من يقاوم الامبراطورية الروسية هم حلفاء طبيعيون لبولندا . ووفقا لخطته ، فان فيلقا بولنديا يبلغ تعداده خمسة عشر الفا من الضباط والجنود تدعمهم المدفعية القوية كان من المقرران تتشكل في تركيا ، حيث كان لابينسكي نفسه يعمل في تركيا تحت اسم حركي باسم ” توفيق بك ” ، وعلم أن الجيش الشركسي كان بحاجة الى تعزيزه بقوة مدفعية . علمت الحكومة الروسية عن تلك  الاعمال التحضيرية ، وعلى الفورارسلت احتجاجا الى المندوب السامي للسلطان العثماني ، حيث ارتأت الحكومة العثمانية عدم تأزيم علاقاتها المتوترة اصلا مع روسيا ، فاضطرت الى حل الفيلق البولندي ، الا انه ولحسن الحظ ، لم تجبر لابينسكي عن التخلي عن خططه بعد التغلب على كثير من الصعوبات والعقبات ، وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1857 نزلت مفرزة البولندية بقيادة العقيد تيوفل لابينسكي على شواطئ شيركيسيا ، واسهم المتطوعون البولنديون إسهاما كبيرا في تاريخ المقاومة في شيركيسيا ، وأظهروا شجاعة حقيقية وتضحية بالنفس للكفاح من اجل الحرية والمثل العليا للعدالة ، والتي آمنت بها جميع الشعوب الحرة .

حارب لابينسكي و جنوده لمدة ثلاث سنوات كاملة (1857- 1859) ، جنبا الى جنب مع الشركس كجزء من القوة الشركسية ، حيث كانت تتمركز اساسا في مركزين وكانت في تفاعل مستمر مع بعضها البعض . فكان المركز الجنوبي بقيادة ممثلي قبيلتي الاوبيخ والابخاز مثل : “Berzeg” ، “Dechen” ،  “Aulba” ، و “Zeishu” ، حيث كانت مسؤولة عن منطقة المنحدرات الشمالية في جبال شيركيسيا ، في حين كان المركز الشمالي لقبائل الشابسوغ والناتوخ والابادزاخ والبزادوغ والاباظة بقيادة القائد المشهور الفذ أسد شيركيسيا “Haji Degumko Berzeg” ، وفي وقت لاحق استلم القيادة القائد “Geranduk Berzeg” متحدين تحت لواء علم الشركس الاخضر ذو النجوم الذهبية يقاتلون من منطقة أنــابة شمالا الى نهر “Bzyp” جنوبا وبعيدا إلى الجبال لتصل الى منطقة “Tsebelda” ، والتي هي في الوقت الحاضر تشكل وسط أبخازيا .

وكانت المهمة الرئيسية للعقيد لابينسكي هي الدعم المدفعي للهجمات التي تشنها وحدات سلاح الفرسان الشركسي ، كما شارك ايضا فى تشكيل وتدريب المفارز التي تشكلت من الجنود البولنديين والاوكرانيين والبعض من اصول روسية ، الذين هربوا من القوات الروسية أثناء الحرب ، حيث وافقت قيادية المقاومة الشركسية على استخدامهم ، ولكن بعدم تبادل الجنود المرتدين منهم او دفع رواتبهم . واقام عدة مراكز لإنتاج المعدات العسكرية الضرورية للمعارك والتي اقيمت فى الجبال العالية. هذه المراكز وظفت العاملين الاختصاصيين والمؤهلين من خبراء المدفعية الروسية السابقين ، كما قدمت احدى المستوطنات عدة مئات من الجنود الذين كانوا على وجه الحصر تقريبا من الرقيق السلاف وغالبيتهم من البولنديين .

وخلال تواجد لابينسكي في شيركيسيا ، وكأي شخص له فضول شخصية و طبيعية للتحقق والمعرفة عن كل شيء ، كتب في مذكراته اليومية والذي اشار فيه باكثرالتفاصيل الدقيقة للاحداث التي أحاطت  به في تلك الفترة ، وذاكرته الحادة كانت تلاحظ اي شيء حتى للأمورالأقل أهمية ، بإعتباره لم يكن شاهدا على الاحداث فحسب ، بل كان أيضا من المشاركين في الأحداث التي وصفها ، وكان واحدا من الشخصيات الرئيسية في ميادين المعارك التي تكشفت في الفترة الواقعة بين اعوام 1857- 1859 في أربع مقاطعات تاريخية في غرب شيركيسيا : الناتوخ ، الشابسوغ ، الابادزاخ ، والاوبيخ .  وقد نشرت ملاحظاته الميدانية بصورة منهجية باللغة الالمانية في هامبورغ  في 1863 ، وترجمت للإنجليزية بكتابه  ” النضال من مرتفعات القوقاز من اجل الاستقلال ضد الروس ” .

لقد تابع لابينسكي الدراسة الشاملة للتطورات المعاصرة ، وقدم لنا الكثير من المعلومات عن تلك الفترة والمثيرة للاهتمام ، فعلى سبيل المثال ، فإن التقييم الكمي لسكان شيركيسيا هو اقل مما يجب ، ومن الضروري جدا ان تأخذ في الاعتبار حقيقة انه كانت هناك حربا شاملة لصد هجمات القوات المعتدية . وفي ظل تلك الظروف الاليمة فمن المستحيل اجراء تعداد سكاني سليم ، ولكنه ووفقا للابينسكي ، فقد قدر عدد السكان الشركس بمليون ونصف المليون نسمة ، على الرغم من انه لم يعترف ان هناك اخطاء في هذا التقدير . وهنا تجدر الاشارة ايضا الى انه كتب عن عملية الابادة الجماعية للشعب الشركسي ، الذي دمر الشعب تدميرا تاما ومنظما من موقع لحدث ما الى حدث اخر، وعملية نقلهم من أرض الأجداد والتي نفذت بكثافة متفاوتة قبل وقت طويل من اعداد لابينسكي تقريره عن تقديرات تقريبية ديموغرافية على اساس الحسابات العسكرية ، وهذا ما تؤكده المصادر التركية التي تصرح بعدد الشركس الذين اجبروا على الهجرة من منطقة القفقاس باكثر من مليوني نسمة . الا ان تقدير لابينسكي شمل جزء من السكان الذي  كان يمكن استخدامه فى العمليات العسكرية من الذكور ذوالقوة الجسمانية الخاضعه للتجنيد .

شملت دولة شيركيسيا في القرن التاسع عشر سكان شيركيسيا الغربية وسكان الجزء الشرقي منها الذي ضم كباردا وكباردا الصغرى ، وشاركوا جميعا في أعمال البرلمان الوطني خلال فترة وجود الدولة الشركسية . وخصص لابينسكي جزء كبير في كتابه لوصف الأنشطة الإنتاجية لطبقة الفلاحين الواسعة من سكان البلد . كما لاحظ العديد من أوجه التشابه بين اساليب البستنة الشركسية والأنشطة الزراعية لسكان المناطق الريفية في أوروبا ، بما فيها مقارنات مع السكان في المجر وبولندا . وشهادته هذه مهمة جدا لقيمتها ، خاصة لان الشعب الشركسي عانى من جحيم الإبادة الجماعية ، وحرم من كل شيء بدأ باسس الدولة الوطنية ، وصولا باكثر الحقوق العادية للوجود والعيش على أراض أسلافهم القديمة .

ان كُتاب التاريخ الروسي الذين يخدمون مصالح الامبراطورية الروسية ، كان هدفهم الأساسي تصوير الشركس بالبرابرة والكسوليين المتخلفين . وفى هذا سياق سردهم ، تم تقديم الشركس كقبائل غير متحضرة بلا حرف مهنية أو زراعية ، بل كانت جميع افكارهم تتركزعلى السلب والنهب . وغني عن القول انه ليس هناك أي ذكر للدولة الشركسية ، في حين ان حرب استقلال شركيسيا قد صورت على أنها حرب بين روسيا وتركيا لحيازة الاراضي المجاورة .

كما إندهش لابينسكي ببساطة عن حقيقة مهمة عن طول مدة المقاومة الشركسية ضد قوات العدو الجبارة المتفوقة عدديا ، وبقاء النظام السياسي – الاجتماعي للأديغة الذي كان يعمل بشكل جيد . ولا يخفي دهشته وإعجابه من التنظيم الإجتماعي القوي والصارم للمجتمع ، الذي صادفه في شيركيسيا حيث يكتب في كتابه : ” عندما تطأ قدميك على أرض شيركيسيا الحرة ، من الصعب جدا أن تفهم في البداية كيف أن الناس جميعهم يحملون السلاح ، وليس لديهم قوانين مكتوبة او سلطة تنفيذية . اذا كيف يمكن ان تتواجدهذه الامة ! ، ولكنه أيضا ، كيف إستطاعت الوقوف في وجه هذا العملاق مثل روسيا لسنوات عديدة والحفاظ على كيانها ؟ . ان السبب الرئيسي هي القوة الإجتماعية المنظمة لهذا الشعب ، والتي يعتمد على التقاليد والعادات الوطنية ، وليس فقط كي تحافظ على الملكية الفردية للمواطنيين ، ولكنه أيضا بجعل جميع المحاولات المادية والمعنوية الرامية الى فتح البلاد صعبة وشبه مستحيلة ” . ويتضح في ذلك أن التشريعات اللفظية أصبحت عقيدة لبداية الدولة الشركسية ، تبناها كل مواطن واعي ، وتفسيرها كما يصفها لابينسكي : ” عدم وجود قوانين مكتوبة ، لان حرب الإستنزاف الطويلة والمضنية التي خاضوها ضد الروس أدت عمليا للقضاء على اي فرصة لاجراء الانشطة المدنية وحفظ سجلاتها ، مع ان المؤسسات المدنية لم تعاني من جراء ذلك ، ولم يكن يمس اداء سن القانون ” .

ويستشهد لابينسكي بزائرانجليزي زار شيركيسيا في تلك الحقبة وهو جيمس بيل James Bell ، حيث ترك إنطباعا آخر أثناء إقامته في شيركيسيا خلال حرب التحرير الوطنية ، والذي ميز خصوصية فريدة من نوعها للدولة الشركسية على النحو التالي : ” إن الرأي العام والعادات والتقاليد الراسخة تمثل القانون في البلاد ، وانني مندهش للنظام والترتيب الذي ينظم شؤون هذه الدولة . العنف والمعاملة القاسية و الجرائم تحدث  هنا ولكن وبصراحة ، فان معظمها تحدث نتيجة المشاجرات ونتائجها ، وحدوثها أمر نادر نسبيا . إن عدد قليل فقط من الدول التي وضعت القوانين والآليات المعقده لأسس العدل لا يمكن لها إلا أن تفاخرعلى هذا المستوى من الأخلاق والسلوكيات الحسنة التي تميزهذا الشعب فى تفاعلاته اليومية “.

ويضيف السيد بيل : ” شهادات مماثلة يمكن ان تنقل بإستفاضة ، فالدولة في شيركيسيا تعمل بطريقة غريبة غير عادية من خلال أحكام القوانين اللفظية غير المكتوبة ومنفصلة عن الوثائق الخطية المكتوبة للدولة ، مثل الإتفاقات التي تنظم العلاقات بين المقاطعات ودول الجوار .  ويوازي جنبا الى جنب مع الدستور المعاصرلبريطانيا العظمى ، الذي لا يتألف من وثيقة خطية على قائمة الوثائق التي تتألف منها. إن نظام القانون الحديث البريطاني اوالنظام الانغلوساكسوني يتميز بإستخدامه كقانون قديم بإعتباره مصدرا من مصادر القانون ، وفي هذا الصدد فانه يشبه الى حد بعيد بالقانون الشركسي “.

وتجدرالإشارة هنا وبوجه خاص لتعليقات لابينسكي عن العلاقات العائلية والحياة الاجتماعية للشركس ، حيث أن المؤلفات التي تصف القفقاس ، وكثيرا منها فيما يخص وصف المرأة والتي تصورها على أنها تعتمد كليا لا بل تكون في بعض الحالات عبدة لزوجها الرجل . ولعل هذا الامر كان ينطبق على الشعوب الأخرى لمنطقة القفقاس ، ولكن الوضع بين الشركس كان مختلف بشكل جذري ، حيث يقول لابينسكي : ” .. وكل من أصدرهذه الأحكام عن الحياة الإجتماعية للشركس كان من خلال مقارنته لأساليب حياة الشعوب الاخرى ، والذين اعتقدوا انه كذلك ، إلا أنه رأي خاطئ حول هذا الموضوع ، لان هذه الشعوب المحافظة عرضت الكثير من الجوانب الجميلة في تقاليدها بالاحترام الكبير للمرأة ، والذي يستحق تماما ان تسجل له احدى تلك السمات الجميلة ” .

لابينسكي أعطى وصفا آخر وأشار قائلا : ” أوامر الأب تقدر باحترم عظيم من قبل جميع أفراد العائلة ، وللمرأة الشركسية في المجتمع مركز رفيع ، فلها حقوق واسعة النطاق وبأشكال متأنقة ومبادئ مبجلة ، والتي تعد أهم عناصرالآداب الشركسية ، وكانت محيرة لمعظم الرحالة والمستكشفين ، الذين توقعوا أن يجدوا عكس الصورة . إن الحرية غيرمقيدة للنساء والفتيات ، ويمكن أن يكون ظاهرا على ما يبدو أنها قد أدت الى التراخي في الاخلاق ، ولكن على الرغم من ذلك ، فقد كانت كل الفتيات الشركسيات عفيفات ” .

أما فيما يتعلق بالتربية الشركسية ، يتابع لابينسكي تعليقه : ” يترعرع بطريقة معقولة ، ولا يتم ضرب الطفل بل توبيخه “.  ولم يترك لابينسكي المؤسسات الاجتماعية الشركسية دون ان يلاحظها أو الخوض في تفاصيل تعليقاته حيث يضيف : ” يعيش الجيران في وئام مع بعضهم البعض ، والتي يمكن ان تكون مثالا يحتذى به في المناطق الريفية من سكان اوروبا ”.  وفي وصفه لوجهات النظر الدينية لسكان شيركيسيا خلص لابينسكي الى القول بان تقاليد الدولة والعادات الشعبية والتي تم إنشاؤها على مدى قرون لعبت دورا أكثر أهمية للحياة اليومية ، وفي الممارسة العملية للنظام العلماني القائم ، وإختلاف وجهات النظر الدينية في كثير من الأحيان مبنية على الإحترام المتبادل . وكما هو الحال في أبخازيا ، فالديانة الارثوذكسية فيها ذات صبغة خاصة ، في حين حاولت تركيا التاثيرعلى المعتقدات الدينية للسكان ، ولكنه وبمجرد ان أطلقت روسيا حملاتها العدوانية والتبشيرية فقد تحول قسم كبير منهم إلى الإسلام “.

وكأي بولندي فقد كان لابينسكي ورعا كاثوليكيا وتطلع بإصرارللآثار المسيحية في شيركيسيا ، ورأى ان إحدى الطرق لإنقاذها هو بإدخال الدين المسيحي ذو التوجه الغربي بدلا من الإسلام ، فيقول : ” ما هو السبب في أن هذا الشعب وهو من نفس عرقنا ولكنهم لايدينون بالمسيحية مثلنا ؟ . لا يمكن ان تسمى بالبرابرة ، لأنهم أكثر تحضرا من العديد من البلدان الأوروبية ، ويمكن للمرء ان يقول بانه يعيش على أبواب اوروبا ، وتشير التقديرات إلى أنه يبلغ تعداده نحو مليون نسمة ، إذا ما هو السبب ؟ .  أعتقد ، ان البعثات السياسية والبروتستانتية لم تحاول زرع  بذورالإنجيل على هذه الارض الخصبة ! ” .

تصريح آخر ادلى به لابينسكي ويتكلم بوضوح لا لبس فيه يشير الى محبته وإحترامه الكبير جدا تجاه الامة الشركسية ، قائلا : ” الشركسي بطبيعته شجاع وحاسم ، ولكنه لا يرغب في سفك الدماء .  يحب السفرولكنه لا يرغب في الابتعاد عن وطنه لفترة طويلة جدا.  والأهم من كل شيء هو انه يحب غاباته وجباله ، وحريته الشخصية ينظراليها كنعمة كبيرة ، ويسمح لنفسه بأن يحكم باللطف والإقناع ، ويستطيع الصمود بصرامة ، لكنه يتمرد ضد اي ظلم . ويدافع بغيرة على شهرته العسكرية ، ولكنه يبدي إعجابه بشجاعة غيره بصدق ولوا كان عدوا . ويركب الخيل ويغني طول النهار، ويكاد يكون غير مبال عندما يدمر منزله وتحرق ممتلكاته ، أو عندما يطلق النارعليه ويُجرح ، ولكنه يشعر بحب عميق لاسرته ، ويطيع والديه ، وتوافقه في زواجه . هذه جميعها يمكن ان تكون بمثابة أمثلة عن أي شعب متحضر ” .

بعد الإزدياد المركز للقوات المسلحة الروسية في غرب القفقاس ، وإنتهاء المنظومة الدفاعية التي كانت في الجزء الشرقي لشيركيسيا ، تم نقل قيادة المقاومة الى منطقة الأوبيخ .  وعلى الصعيد الاقليمي وفي إجتماع للممثلين الوطنيين الشراكسة في مقاطعة أوبيخيا وبالتشاور مع القيادة العسكرية للقوات الغير النظامية الشركسية ، اتخذ قرار لتشكيل مفرزة من ستة آلاف من المتطوعين الأوبيخ  لدعم الروح النضالية للقوات الشركسية المتواجدة على السفوح الشمالية الغربية لجبال القفقاس .  وهكذا ، استمر الكفاح من أجل الإستقلال إبتدأ من العام 1859 وحتى عام 1864 ، حين تم إحتلال مركز إستقلال شيركيسيا وهو مجمع مباني البرلمان الشركسي “الخاسة” والذي بني في 1861 في سوتشي ، وهو نفس المكان الذي قررالنظام الروسي الحالي استضافة دورة الالعاب الاوليمبية الشتوية على عظام الشراكسة من ضحايا الإبادة الجماعية الشركسية .

غادرلابينسكي شيركيسيا متوجها الى أوروبا في عام 1859 ، ولم يتخلي عن المحاولات الرامية الى تنظيم بعثة جديدة لشيركيسيا ، وعلى وجه الخصوص خلال فترة إقامته في لندن في أوائل الستينات من القرن التاسع عشر، حيث عرض على الحكومة الإنجليزية خطة جديدة لتنظيم التدخل في القفقاس ، والذي تم رفضه بعد أن فهم الجميع ان مصير شيركيسيا قد إنتهت ، فانخرط  لابينسكي بنشاط في أعمال المجتمع البولندي . وفي الستينات والسبعينات من القرن التاسع عشر أصبح اسمه مشهورا في أوروبا ، وانشأ صلات مع أبرز الناشطين في الحركة الثورية الاوروبية ، كما التقى فى عام 1863 كارل ماركس فى لندن حيث تأثر بالافكارالإشتراكية لبعض الوقت .

وخلال الإنتفاضة البولندية الثانية في العام 1863 ، اتخذ لابينسكي تدابير يائسه لتقديم المساعدة الى المتمردين . وفي آذار / مارس من تلك السنة ، قرر قادة مجتمع المهاجرين البولنديين تنظيم بعثة بحرية الى سواحل ليتوانيا على متن السفينة “Ward Jackson” من اجل دعم المناضلين فيها بقيادة لابينسكي وشاركه فيها “A. I. Herzen” ، الا ان البعثة لم تنجح . وفي اوائل شهر ايار / مايو 1863 تعهد بمحاولة اخرى وجهز السفينة الحربية الدانماركية “Emilia” المحملة بمفرزة للمتطوعين على ظهرها ، وبينما كانت تستعد للأبحار في إتجاه الشواطئ الليتوانية ، لقي كثير من المتطوعين حتفهم جراء عاصفه قوية اثناء الإنزال بالقرب من منطقة “Palanga” ، مما اضطر بالسفينة الحربية الى الانسحاب الى جزيرة “Gotland” السويدية .

بعد فشل تلك البعثات ، عاش لابينسكي لبعض الوقت في انكلترا وفرنسا وايطاليا وبلدان اوروبية اخرى ، وفي اوائل 1870 ، حصل على الحماية من الحكومة النمساوية ، وانتقل الى أرض أجداده في بلدة “Galicia” . وتوفي لابينسكي في مدينة “Lviv” في العام 1886 والتي تقع على أراضي اوكرانيا المستقلة في الوقت الحاضر . لقد قاتل تيوفل لابينسكي بطل شيركيسيا في كثير من البلدان مثل :  بولندا ، استونيا ، لاتفيا ، ليتوانيا ، اوكرانيا ، وبيلاروسيا ، واصبحت جميعها دول مستقلة في نهاية القرن العشرين ، ولكن سوء الحظ كان من نصيب شيركيسيا .

وليد هاكوز
تورونتو ، 11 / 11 / 2011
Resources:
1. James Stanislaus Bell. Journal of Residence in Circassia during the Years 1837, 1838 and 1839: Volumes 1-2, London, 1840.
2. Khan-Girey, “Zapiski o Cherkessii” (Notes on Cherkessians), Nalchik, 1978, p.292.
3. Theophil Lapinski. The struggle for independence from the heights of the Caucasus against Russians, p.409. Hamburg, 1863.
4. Wielka Encyklopedia powszechna. Warczawa, Volume 6, p.688.
5. A. I. Herzen, Past and thoughts, Moscow, 1973, Volume 3, p.346.
Share Button