الذكرى السّنوية الثّانية للغزو الرّوسي لأوكرانيا

الذكرى السّنوية الثّانية للغزو الرّوسي لأوكرانيا

عادل بشقوي

24 فبراير/شباط 2024

Editorial Cartoon / Walt Handelsman

يصادف يوم 24 فبراير الذكرى السنوية الثانية للغزو التوسعي الروسي لأوكرانيا المجاورة. لم يكن من السهل على أوكرانيا أن تتحمل صعوبة وقسوة الحرب المدمرة، التي بدأتها الدولة الروسية في الرابع والعشرين من شهر فبراير/شباط 2022. فقد تعرضت البلاد بأكملها لهجوم وحشي. إلا أن خيار السكان المذعورين والنازحين الذين نجوا من الإبادة كان هو الدخول في حرب دفاعية تحتاج إلى الحزم والثبات. وتجاهلت الدولة الروسية حقيقة أن هناك قوانين وأعرافاً دولية يجب الالتزام بها. ولحسن الحظ، كانت الدول الأخرى مهتمة بمقاومة أي توسع استعماري على حساب الدول المجاورة.

والأدهى من ذلك أنها قامت بتعديل وتشويه الحقائق التاريخية الموثقة. فقد أصدرت روسيا في سنة 2009 ”قرص فيديو مدمج (DVD) وكتابًا سميكًا من الوثائق التاريخيةلدحض المزاعم القائلة بأن المجاعة الأوكرانية في الثلاثينيات كانت بمثابة إبادة جماعية. وضغط أمناء الأرشيفات والمحفوظات والمؤرخون الروس على حجة الكرملين بأن المجاعة التي حدثت في عهد ستالينوالتي قتلت الملايين من الناسكانت مأساة مشتركة في جميع أنحاء الأراضي الزراعية السوفيتية، وذلك في مواجهة الجهود التي يبذلها الرئيس الأوكراني الموالي للغرب لإقناع العالم بأن الأوكرانيين مستهدفون بالمجاعة. [1] 

لكن في السياق نفسه، تضرّرت أوكرانيا في شهر فبراير/شباط 2014 بغزو روسيهجين، عقب انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في سوتشي في شهر فبراير/شباط 2014. وأدى ذلك إلى ضم شبه جزيرة القرم إلى الدولة الاستعمارية الروسية. ناهيك عن حشد بعض الأوكرانيين المؤيدين لسياسات روسيا، من أجل خلق صراعات مسلحة لمصلحة الاستعمار الروسي. على أثر ذلك، قامت روسيا بتنفيذ سياسات انفصالية من خلال تنظيم مجموعات انفصالية قامت روسيا بتسليحها تسليحا جيدا، وذلك في أجزاء من منطقة دونباس (Donbas) في جنوب شرق أوكرانيا بهدف الانفصال عن الدولة الأوكرانية.

وتم تسمية المناطق الانفصالية غير الشرعية بجمهوريات القرم (Crimea) ودونيتسك (Donetsk) ولوهانسك (Luhansk)، والاعلان بأنها انضمت الى روسيا. كذلك مع بدء الغزو الاستعماري الروسي العلني في فبراير/شباط 2022، تم استهداف المدن الأوكرانية الكبرى بما في ذلك ضواحي العاصمة كييف، في محاولة لاحتلال الدولة الأوكرانية بأكملها. لكن بعد أنْ أُجْبِرت القوات الروسية على التّراجع إلى ما وراء الحدود الدولية، بقي الاحتلال الروسي في اجزاء من مقاطعتي  زاباروجيا (Zaporizhzhia) وخيرسون (Kherson) على طول الجانب الجنوبي الشرقي من نهر دنيبر.

As of January 2023, Russian President Vladimir Putin made recognition of Russian sovereignty over the annexed territories (pictured) a condition for peace talks with Ukraine.[552] / Wikipedia

إذا افترضنا أن هناك صراعاً بين طرفي المعادلة الاستعمارية المعروفة، ألا وهما الجانب الاستعماري الروسي والجانب الآخر المستهدف، أي الشعوب والأمم المضطهدة والمحتلة، فإنّ في هذه الحالة، تعرّضت أوكرانيا للغزو من قبل احتلال أجنبي فاشي، نتيجة لحرب مدمِّرة غير مبرّرة، لا شرعية لها على الإطلاق. إن غزو وإخضاع أجزاء من أوكرانيا كان نتيجة للغزو الهمجي والاحتلال الظالم.

لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجانب الاستعماري الروسي يتفوق بجدارة في إدارة النزاعات من أجل مصالحه الذاتية والأنانية والانتهازية. وذلك بغض النظر عن النتائج الكارثية التي طالت كيانه الفاسد من جهة، وتداعياتها على الأراضي المحتلة من جهة أخرى. إن المحتل يتجاهل الحقيقة الدامغة فيما يتعلق بالأراضي المحتلة والحقوق المشروعة للشعوب، والتي لا يمكن تجاهلها. بل إن الاحتلال العسكري يدوسهم غير آبه في تعامله مع الضحايا.

قام الجيش الروسي بإضفاء الطابع المؤسسي على تجنيد المدانين في صفوفه في إطار سعيه إلى تعزيز أعداده للحرب في أوكرانيا. وبناءً على نظام ابتكرته مجموعة مرتزقة فاغنر، تتيح هذه الممارسة غير الرسمية سابقًا للمدانين فرصة الخلاص مقابل المخاطرة بحياتهم على الخطوط الأماميةوللحكومة لتجنب توسيع التعبئة المدنية التي لا تحظى بشعبية. واليوم، لا يُسمح للسجناء بالخدمة كمقاتلين نظاميين فحسب، بل ويتم تشجيعهم على ذلك، مع مكافأة العفو الرئاسي التي تغري الكثيرين بالتجنيد“. [2]

مع وقوف العديد من دول العالم إلى جانب أوكرانيا، خاصة دول الإتّحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الأوساط والمحافل الدولية، تمكنت أوكرانيا من صد العدوان الروسي، ورد القوات العسكرية في بعض أماكن التغلغل إلى خارج الحدود الدولية. كما قدمت معظم هذه الدول مساعدات اقتصادية وعسكرية لإحباط المخططات الروسية. لكن خيار السكان المذعورين والمواطنين الذين نجوا ونزحوا بسبب الإبادة كان خوض حرب دفاعية تتطلب الحزم والصمود. ولحسن الحظ، فتحت العديد من الدول حدودها أمام اللاجئين الذين أجبروا على مغادرة وطنهم نتيجة القتال العنيف الناتج عن المعارك والحملات العسكرية.

وبشكل مفاجئ،، أُعلن عن وفاة المعارض الروسي أليكسي نافالني في سجنه في 16 فبراير/شباط 2024، وهو شخصية معارضة روسية ومنتقدة للكرملين يبلغ من العمر 47 عاما. ويشير هذا التطور المهم إلى إشارة خطر أخرى تواجه أولئك الذين يسعون إلى ممارسة النشاط السياسي في روسيا. وكان نافالني محتجزا في أحد السجون السيبيرية، حيث يقضي حكما بالسجن لمدة 19 عاما. بالتالي، يقع سجن المستعمرة التصحيحية الثالثة (IK-3)، وهو أحد أقسى مراكز الاحتجاز في روسيا، على بعد 60 كيلومترًا من الدائرة القطبية الشمالية، وعلى بعد 2000 كيلومتر شمال شرق العاصمة موسكو.إنّهُ أحد معسكرات الاعتقال الروسية في سيبيريا، والذي كان في السابق معسكر اعتقال سوفييتي. وكان قد تأسس في بداية الحقبة السوفيتية. وتكمن أهمية هذا الحدث الملفت في أن نافالني كان من أبرز المعارضين لنظام الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين.

أثناء وجوده في السجن، انتقد حرب روسيا ضد أوكرانيا. علمًا بأن أليكسي نافالني كان قد سُئِلقبل أربع سنوات عما سيقوله للروس إذا قُتل لأنه تحدي الرئيس فلاديمير بوتين“. فأجاب: ”ليس مسموحًا لكم بالاستسلام، كما قال لأحد مخرجي الأفلام الوثائقية. ”وإذا قرروا قتلي، فهذا يعني أننا أقوياء بشكل لا يصدق، ونحن بحاجة إلى استخدام هذه القوة“. [3] وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وُصف أليكسي نافالني بأنهزعيم معارض معتقل تحدّى حكم فلاديمير بوتين أكثر من أي شخصية سياسية روسية أخرى. وقد أدان الغزو الروسي لأوكرانيا وقال إن موسكو يجب أن تسحب قواتها وتدفع تعويضات“. [4] والده من أصل أوكراني بينما والدته روسية.

وفي تطور لافت، سيطرت القوات الروسية المعتدية في السابع عشر من فبراير/شباط 2024، على مدينة أفدييفكا (Avdiivka) الواقعة قرب مدينة دونيتسك (Donetsk) في مقاطعة دونيتسك (Donetsk) في المركز الإقليمي في منطقة دونباس (Donbas) في شرق أوكرانيا. ويبدو أن ذلك حدث نتيجة لتقليص تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية إلى أوكرانيا من الدول الصديقة. فقد عرقل الاختلاف الذي حصل في الكونغرس الاميركي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي المصادقة على هذه المساعدات بشأن تقديم حزمة المساعدات الخارجية ومنها المقدمة إلى أوكرانيا. فلم يتوافق المشرعين على منح المساعدات الضرورية في الوقت المناسب  للتصدي للقوات الروسية الغازية. ومن المتوقع ان يتم تذليل العقبات خلال الفترة القصيرة القادمة. فقد جاء هذا التطور الجديد بعد أشهر عديدة من آخر سيطرة للقوات الروسية والمليشيات التابعة على مناطق جديدة. ويبدو أن روسيا، لاستثمار فوز قواتها العسكرية في أفدييفكا، فهي تطمح إلى التقدم لاحتلال مواقع وأماكن أوكرانية أخرى.

بعد سقوط أفديفكا، نُقِلَ عن الرئيس الروسي السابق، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي دميتري ميدفيديف قوله: «من أجل {تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة (الدعاية الروسية الملطِّفة للحرب ضد أوكرانيا)} سيتعين على القوات الروسية أن تتقدم نحو كييف مرة أخرى، {إن لم يكن الآن، ففي وقت ما}، وأن روسيا {كانت ترغب منذ زمن طويل في السيطرة على مدينة أوديسا}. [5]

وأخيرا، لا بد من متابعة ما حدث منذ احتلال شبه جزيرة القرم في سنة 2014، ودور روسيا في مساعدة الحركات الانفصالية في دونباس. ولم يكن هناك حيرة أو تردد في اتخاذ القرارات الاستعمارية. كان الهدف الأوّلي للحركات الانفصالية التي تم إنشاؤها حديثًا، والتي تقع في جنوب شرق أوكرانيا، هو احتلال أجزاء من أوكرانيا، وهي منطقتي دونيتسك ولوهانسك. وهكذا، بعد الغزو الروسي عام 2022، امتد الاحتلال العسكري ليشمل أجزاء أخرى من مقاطعتي زابوروجيا وخيرسون، الواقعتين على الضفة اليسرى لنهر دنيبر. لقد حُسمت الأطماع الاستعمارية الروسية بشكل حاسم وظهرت من خلال قرارات الضم الدائم، حيث سادت روح الجشع والسيطرة المعروفة بقصد الاستحواذ.

********************

المراجع

[1] https://www.justicefornorthcaucasus.com/genocide.php?title=yahoo-news%3A-russia%3A-famine-that-killed-millions-not-genocide&entry_id=1235625300

[2] https://www.themoscowtimes.com/2023/12/29/murder-for-freedom-how-russia-legalized-pardons-for-military-service-a83258

[3] https://abcnews.go.com/International/wireStory/russian-opposition-lost-brightest-star-now-107335809

[4] https://www.washingtonpost.com/world/2023/10/27/navalny-ukraine-putin-russia/

[5] https://www.pravda.com.ua/eng/news/2024/02/22/7443069/

Share Button